أصحاب ‘الأرواح الكبيرة’.. أحبوا الشعب فأحبهم

 

الزعيم النقابي التونسي فرحات حشاد.. لم تتحمل السلطات الاستعمارية عناده فسلطت عليه ‘اليد الحمراء’.

 

عن صحيفة العرب حسونة المصباحي

[نُشر في 17/11/2013، العدد: 9382،

يحتلّ الزّعيم النّقابي التونسي فرحات حشّاد، الذي اغتالته عصابة “اليد الحمراء” الاستعمارية في الخامس من شهر ديسمبر-كانون الأول 1952، مكانة بارزة في التّاريخ التونسي المعاصر؛ فقد كانت حياته ملحمة نضاليّة بالمعنى الحقيقي للكلمة. ولم يقتصر دوره على إذكاء النضال النقابي بل تعدّاه ليكون أحد الفاعلين الأساسيين في المعارك ضدّ الاستعمار.

كنت في الخامسة من عمري، وكانت قد مرت ثلاثة أعوام على فاجعة اغتياله، عندما سمعت لأوّل مرّة بفرحات حشّاد. حدث ذلك في يوم شتائيّ شديد البرودة، وكانت السّماء ملبّدة بالغيوم، وكنت ألعب مع الأطفال أمام بيتنا لمّا طلع علينا من ناحية الجنوب رجال بلحى شعثاء، ووجوه قاتمة ومتعبة، وكانوا يرتدون “قشاشيب” سوداء ثقيلة، ويركبون أحمرة قميئة. وكان واضحا أنهم قطعوا مسافات مديدة. توقّفوا أمام بيت عمّي محمد، ثمّ شرعوا يغنّون أغنية حزينة عن رجل يدعى فرحات حشّاد قتلوه غدرا في الصّباح الباكر، ثمّ تركوا جثتّه تتعفّن في العراء. وكان وصفهم للحادث الأليم دقيقا، ومؤثّرا للغاية. وعندما انتهوا، أجهشت النساء بالبكاء وبكينا نحن الأطفال أيضا. فلكأنّ الرجل المقتول غدرا واحد من أهلنا…

بعد العشاء، سألت والدي عن فرحات حشاد فقال لي بأنه زعيم كبير قتلته عصابة “اليد الحمراء”، ثم غرق في لصّمت مفكّرا. كانت الرياح تعصف بشدّة. نمت والأسئلة عن الرجل المقتول تعذّبني. وفي كوابيسي لاحقتني يد ضخمة ملطّخة بالدم. ومنذ ذلك الوقت، أصبح فرحات حشّاد واحدا من أبطالي المفضّلين.

عندما جاء فرحات حشّاد إلى الدنيا في شتاء عاصف، لم تكن دول العالم تعلم أن حربا كونيّة سوف تشتعل بعد أشهر قليلة من مولده لتستمرّ أربعة أعوام. وفي نهايتها تنهار امبراطوريّتان عظيمتان هما: الامبراطوريّة العثمانيّة والامبراطوريّة النمساوية، وتطيح الثورة البلشفيّة بالنظام القيصري في روسيا، ويطلق الرئيس الأميركي ويلسون دعوته الشهيرة من أجل حقّ الشّعوب في تقرير مصيرها. وقد وهب الطفل اسما ذا دلالة. فـ”فرحات”، يوحي بالفرح والسّعادة وحبّ الآخرين والعمل من أجل إسعادهم. وأما حشّاد الذي سيتغلّب في ما بعد على اسمه الأوّل فهو من “حشد”. وسوف تكون شخصيّة فرحات حشّاد ونضالاته متوافقة مع اسمه ولقبه.

في أغلب الصّور التي أخذت له، نراه دائما هادئا، بشوشا، ضاحكا

مستبشرا، سعيدا أمام الجموع الغفيرة المحتشدة أمامه. وسوف تكون له قدرة فائقة على حشد الجماهير، والتأثير فيها لكي تزداد حماسا وشجاعة. وسوف يبذل كلّ ما في رسعه من الجهد والنصرة والمال لخدمة القضايا التي نذر الشّطر الأعظم من حياته للدفاع عنها باستماتة وجرأة. كما أنه سوف يكون مُطَاعا ومحبوبا ومسموع الكلمة ليس فقط من قبل العمّال، وإنّما أيضا من قبل الزّعماء الكبار والشخصيّات السياسيّة ذات النفوذ، التي التقى بها في باريس وستوكهولم وسان فرانسيسكو وغيرها من عواصم العالم.

كانت عائلة فرحات حشّاد متوسّطة الحال وكثيرة العدد. وبسبب متاعب الإنجاب، توفّيت والدته قبل أن تتجاوز سنّ الخمسين. أمّا والده فكان بحّارا قويّ البنية وصبورا في العمل، يمقت الكسل والخمول، ويحتقر أصحاب القلوب الضّعيفة والنّفوس التي تميل إلى الاستكانة والخنوع. لذا لم يكن يتردّد في أن يلقي بابنه الأكبر في البحر آمرا إيّاه بأن يصارع الأمواج المتلاطمة بغرض إثبات رجولته وشجاعته في تحدّي المصاعب والأهوال. ورغم أن فرحات لم يعرف من والده مثل تلك القسوة، فإنه استفاد من الدّرس، وفيما بعد، سوف لن يتردّد في إلقاء نفسه وسط أمواج الحياة العاتية والمعارك الحامية.

علامات الزعامة

كان فرحات حشّاد في السّادسة عشرة من عمره لمّا غادر مسقط رأسه ليقيم عند خاله في مدينة سوسة. وهناك تمّ انتدابه مستكتبا راقنا في شركة النقل بالسّاحل. وكانت سوسة في تلك الفترة معقل النضال الوطنيّ، واسم بورقيبة على ألسنة الناس، وكثيرون من أهلها كانوا يتحدّثون بإعجاب وفخر عن ذلك الشاب الفطن -أي بورقيبة- المتوهّج النظرة والذي كان يتنقّل بين القرى والمدن في سيّارته المتواضعة للتعريف بنفسه، مُلهبا حماس الجماهير وداعيا للنضال ضدّ “الاستعمار الغاشم” بحسب تعبيره. من المؤكّد أنّ الفتى فرحات حشّاد تأثر بسرعة بالأفكار الوطنيّة المنتشرة في سوسة، وفي بقيّة مدن السّاحل. ومن المؤكّد أيضا أنه كان يتابع عن كثب الأحداث الكبيرة والصّغيرة التي كانت تجدّ بالبلاد سواء عن طريق الصّحف، أو من خلال العمّال والموظفين في شركة النقل. ولعلّه سمع بعض القصص عن محمد علي الحاميّ، المناضل النقابي الذي حكمت عليه السلطات الفرنسيّة عام 1925 بالنفي خارج البلاد ليموت في حادث سيّارة بين مكة وجدة يوم 10 مايو-أيّار 1928.

والواضح أن فرحات حشّاد فتن بشخصيّة محمد علي الحامي، وأعجب بصلابته وقدرته على تنظيم الجماهير وحشدها، فقرّر أن يكون وريثه في النضال النقابي. وكانت السّنوات التي أمضاها فرحات حشّاد في سوسة مفعمة بالتجارب الغنيّة في العديد من المجالات. فابن البحّار الذي اكتشف مبكّرا أنّ الصّراع من أجل الحياة لا يختلف في شيء عن الصّراع ضدّ الأمواج في عمق البحر شرع يولي اهتماما بكلّ الأفكار والمذاهب التي تحثّ على التّحدّي والثّورة ضدّ الاستبداد بجميع أشكاله.. لذا قد يكون ناصر المثقّف المصلح الطاهر الحدّاد الذي هوجم بشدّة من قبل القوى الرجعيّة بسبب كتابه “امرأتنا في الشريعة والمجتمع” الذي طالب فيه بضرورة تحرير المرأة من قيود الماضي البغيض.. ربما لهذا السبب لم يتردّد فرحات حشّاد فيما بعد في فتح أبواب الاتحاد العام التونسي للشغل أمام المرأة العاملة والمثقّفة. وفي العديد من الصّور سوف نراه واقفا بين نساء غير محجّبات وعلى شفتيه ابتسامته العذبة الموحية بالبراءة والقوّة في نفس الوقت.. ولعلّه حفظ في تلك الفترة أيضا قصائد الشابي المتغنيّة بـ”إرادة الحياة”. كان فرحات حشّاد في الثانية والعشرين من عمره لمّا شرع في خوض النضال النقابي والوطني. ولم تلبث أن برزت علامات الزّعامة في سلوكه، وفي تفكيره، وفي طريقة عمله، وفي مواقفه. كما أظهر قدرة فائقة على حشد الجماهير العريضة وتنظيمها ومخاطبتها بلغة واضحة وعلى التكيّف مع الأوضاع، ثم العمل على تغييرها لتكون في صالح ما يرمي إليه من أهداف. بالإضافة إلى كلّ تلك الخصال، أثبت فرحات حشّاد، رغم صغر سنّه، صبره أمام الملمّات والشّدائد، وقدرته على استباق الأحداث واستشراف المستقبل، وتلمّس تضاريس وملامح ما يخفيه الزّمن في طيّاته من أسرار ومكائد. وجميع تلك الخصال، وتلك المناقب سوف تجعل منه مناضلا فذّا يتردّد اسمه على ألسنة العمال والمضطهدين في مناجم الفسفاط وفي شركات النقل وفي الموانئ وفي المعامل والورشات وفي كلّ مكان من برّ تونس الخضراء.

قبيل نهاية الحرب الكونيّة الثانية، وتحديدا عام 1944، بدأ فرحات حشّاد يدرك أن مكانه في النقابات الفرنسيّة التي يسيطر عليها الشيوعيّون لا يمكن بأيّ حال من الأحوال أن يخدم مصالح الطبقة الشّغيلة التونسيّة. لذا سوف يسارع بالانسلاخ عنها غير آسف. وقد أفضت الجهود الجبّارة التي بذلها فرحات حشّاد إلى تأسيس الاتحاد العام التونسي للشّغل في 20 جانفي-يناير1946. وفي ظرف زمنيّ قصير، تحوّلت المنظّمة الشّغيلة إلى قوّة فاعلة في النّضال النقابي والوطني تهابها السّلطات الاستعمارية وتخشاها. لذا جنّدت أجهزتها الاستخباراتية لمتابعة نشاطاتها والتجسّس على قادتها وأنصارها.

كتلة الحرية

منذ تأسيسه عام 1946 وحتّى اغتيال زعيمه فرحات حشّاد عام 1952، عرف الاتحاد العام التونسي للشغل أحداثا جسيمة. فعقب تأسيسه بأسبوع واحد، أجرى قائده اتصالات بـ”المنظّمة النقابيّة العالميّة” التي كانت تحت سيطرة الكتلة الشيوعيّة بقيادة ما كان يسمّى آنذاك بالاتحاد السوفياتي. غير أن الاشتراكيين والشيوعيّين الفرنسييّن بذلوا كلّ ما في وسعهم لتعطيل ذلك المسعى. لذا لم يتمكّن الاتحاد من الانضمام إلى المنظّمة المذكورة إلاّ في مطلع عام 1949. غير أنّ ذلك لم يمنع حشّاد من مواصلة انتقاداته للمعسكر الشيوعي. وبسبب تلك الانتقادات الجارحة أحيانا، حدثت القطيعة بين الاتحاد العام التونسي للشّغل والمنظّمة المذكورة. وعندما تأسّست “الكونفدراليّة العالميّة للنقابات الحرّة” التي تحظى بتعاطف وبمساندة المعسكر الغربي بزعامة الولايات المتحدة الأميركيّة، سارع فرحات حشّاد إلى الاتصال بقادتها. وفي ربيع عام 1951، انضمّ الاتحاد العام التونسي للشّغل إلى الكونفدراليّة المذكورة. ومدافعا عن موقفه أمام خصومه الذين عارضوا ذلك الانضمام، والذين كانت لهم ميولات شيوعيّة.

وقد استغلّ فرحات حشاد مشاركته في المؤتمرات العالميّة الخاصّة بالنقابات للدفاع عن القضيّة الوطنيّة التونسيّة. لذا لم يتردّد في دعوة الزعيم بورقيبة لحضور أشغال مؤتمر “السزل” الذي انعقد في مدينة ميلانو الإيطاليّة عام 1951، ثمّ في مدينة سان فرانسيسكو في خريف العام المذكور.

قبل حوالي عام ونيف على اغتيال حشّاد، وتحديدا يوم 21 نوفمبر- تشرين الثاني-1951، أضرب عمّال “هنشير النفيضة” عن العمل، فقامت السلطات الاستعماريّة بقتل خمسة منهم، بينهم امرأة حبلى بتوأمين. وكانت تلك المجزرة الرهيبة بمثابة الصّدمة العنيفة والقاسية لكافّة التونسيّين إذ أنها كشفت لهم مرّة أخرى أن سلطات الاحتلال لا تكترث بالحياة البشريّة عندما يتعلّق الأمر بالحفاظ عل مصالحها.. وقد ألقى الزعيم فرحات حشاد خطابا ندّد فيه بتلك الجريمة البشعة معتبرا يوم 21 نوفمبر -تشرين الثاني من العام المذكور “يوم حزن وحداد”. وفي الآن نفسه اعتبره “يوم اتّحاد”، و”يوم فرح” لأنه قدّم للتونسيّين الدليل القاطع على أن القوّة لا تواجه إلاّ بالقوّة، وأن الخلاص لتونس لا يمكن أن يتمّ إلاّ بالنضال المستميت ضدّ الإستعمار. وبعد مرور شهر واحد على تلك المجزرة، كتب فرحات حشاد نصّه الشهير “أحبّك يا شعب” والذي كتب فيه يقول: ”أحبّك يا شعب تونس الذي امتحنك الدهر وامتحنته فعرف فيك الشجاعة مع الإخلاص، والصّبر مع المثابرة. أحبّك لما فيك من شعور فيّاض، وإحساس نبيل، ولما تكنّه من عواطف عند النكبات، ومن تآخ عند المحن. وأحبّ فيك الإقدام عند اقتحام الشدائد، وبذل الجهد المستطاع لانتشال الضّعيف عند الحاجة”.

ولم تلبث الأوضاع أن ازدادت سوءا. ففي مطلع عام 1952، توسّعت العمليّات القمعيّة لتشمل جميع مناطق البلاد. وبهدف الرّدع، قامت قوى الاحتلال بإعدام بعض المناضلين. وفي الوقت ذاته أوقفت العديد من القادة الوطنيين لتزجّ بهم في السجون. وردّا على القمع الاستعماري الوحشيّ، شهدت المدن والقرى حركات احتجاج عنيفة فتساقط عشرات الشهداء. وكان الزعيم فرحات حشّاد يراقب تلك التطّورات الخطيرة بقلق. وعندما دعاه المقيم العام الفرنسي الجديد “دي هوتكلوك” طالبا منه المساعدة على تهدئة الأوضاع، كان جوابه بأن استجابة فرنسا للمطالب التونسيّة هو وحده الكفيل بإطفاء نيران المقاومة المشتعلة في جميع مناطق البلاد. ولم يخش حشّاد التّهديدات التي كان يتلقّاها بين وقت وآخر، وواصل نشاطاته بحماس. وكان على اتصال دائم بالمناضلين، وبـ”اللجنة الوطنيّة للضّمانات الدستوريّة والتمثيل الشعبي”. وكانت تلك اللجنة تضمّ أطبّاء، ومهندسين، وصحافيّين، ومحامين، وقدماء المحاربين، وطلبة. وكان هدف فرحات حشاد من تلك الاتصالات إذكاء نار المقاومة الوطنيّة لتشمل جميع مناطق البلاد. ولم تتحمّل السلطات الاستعماريّة عناد ابن البحّار، وثباته في النضال. لذلك سمحت لعصابة “اليد الحمراء” باغتياله صباح يوم الخامس من ديسمبر –كانون الأول 1952. وكان آنذاك في الثامنة والثلاثين من عمره. وبرحيله فقدت تونس رمزا من رموز جيل “إرادة الحياة”، وبطلا تميّز بالشجاعة والإخلاص والوفاء لشعبه، وللمعذّبين في الأرض.