رقابة الرجال على رغبات ‘ربات الحجال’
 

أمثلة كثيرة من الواقع الجزائري الذي يستخدم فيه الفضاء لتعميق سلطة الذكورة وفوقيتها على الأنوثة.

 

العرب أزراج عمر [نُشر في 17/11/2013، العدد: 9382، ص(11)]

مما لاشك فيه أن الدراسات الجغرافية تشكل فرعا معرفيا قائما بحد ذاته له أقطابه من الدارسات والدارسين والمنظرات والمنظرين في مختلف المجالات، ولكن هذا الفرع المعرفي قد شهد تطورات جذرية في العقود القليلة الأخيرة من القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين بشكل خاص.

ففي أيامنا هذه قد برزت من رحم الحركات النسوية ومن يدعمها ناقدات ونقاد اهتموا بشكل لا نظير له بواقع المرأة وحياتها في المجتمع على ضوء موقعها في الفضاء الاجتماعي والثقافي والاقتصادي والسياسي. وهكذا لم يعد الفضاء مجرد إطار جغرافي خارجي محايد بل أصبح منتجا للمعنى وللقيم وللسلوك وللهويات الاجتماعية، ومحددا للانتماء الاقتصادي من جهة، وساحة للصراع والهيمنة بين الذكورة والأنوثة من جهة أخرى.

وبمعنى آخر فقد أصبحت مفكرات الحركة النسوية وإلى جانبهن المفكرون والنقاد المؤمنون بحرية المرأة (التي دون توفرها لن يكون هناك رجال أحرار) وبالمساواة بين الذكر والأنثى وبشكل خاص في الغرب ينظرون جميعا إلى الفضاء كعامل حاسم في بناء الجسد الأنثوي ونفسيات الإناث وبالتالي تشكيل ثقافة المجتمع برمته وكذا مصيره.

 

ففي الدراسات المتميزة التي قام بها المفكر الفرنسي بيير بورديو في الجزائر استنتج أن المعمار المنزلي وتقسيم الفضاء فيه يخضع لقيم الذكورة بشكل مطلق في المجتمع الإثني الأمازيغي وهو أيضا تعبير عن العلاقات التراتبية اليومية القائمة بين الذكر والأنثى. وبهذا الخصوص استنتج أن “تقسيم الأشياء والنشاطات يتلقى ضرورته الموضوعية والذاتية من خلال إدراجه في نسق تعارضات” مؤسسة على تقسيم الفضاء لصالح الذكورة مثل “أعلى/ أسفل، فوق / تحت، أمام / وراء، يمين / شمال، ومستقيم ومقوس”، داخل / خارج، مظلم/ مضيء، وهلم جرا.

وبالفعل فإن قراءة بورديو لموقع الأنثى ضمن تصميم الفضاء وتقسيمه تمت على ضوء تحليله للأعراف والتقاليد الثقافية والاجتماعية في المجتمع الأمازيغي الجزائري الذي يهيمن فيه الذكور على الإناث بشكل مطلق. سأعطي الآن أمثلة من الواقع الجزائري الذي يستخدم فيه الفضاء لتعميق سلطة الذكورة وفوقيتها على الأنوثة: ففي التقاليد الأمازيغية الموروثة عن الأجداد وسارية المفعول حتى الآن في كثير من القرى والمدن أنه يجب على المرأة أن تسير وراء زوجها وأن يتقدم عليها ببضع خطوات مما يعنى أنه الطليعة وأنه الدرع الواقي لها، وأنه صاحب القدرة الكلية على الانفراد بالمقدمة ليوحي لها ضمنيا أنه من سيذلل الصعوبات التي قد تعترضهما في فضاء الطريق.

إن وهم تفوق الذكر على المرأة يأخذ عدة أشكال وأقنعة، ففي يوم انتقال العروس إلى دار العريس لأول مرّة فإن العرف الذي يقيم في داخل اللاوعي الثقافي يدفع هذا الأخير إلى الصعود إلى أعلى موقع ليراقبها وهي تسير على الأقدام إلى بيت الزوجية من مكان مرتفع حتى يؤكد مكانته العليا ويموقعها هي في المكان الأسفل حيث تطل عليه من تحت كناية عن سموه هو ودونيتها هي التي سيرسخها إلى الأبد.

وبخصوص علاقة القوة التي يرسمها الذكر، في المجتمع الأمازيغي المتكون من أكثر من 10 ملايين نسمة، منذ اللحظة الأولى من دخول الزوجة إلى بيته فتتمثل في ضرورة خفض جبهتها وعينيها أمام الزوج وأفراد العائلة الذكور وأن لا ترفع صوتها وأن تمشط شعرها بعيدا عن أبصار الرجال. فضلا عن هذا فإن التقسيم المعماري الداخلي لفضاء المنزل الأمازيغي يراعى فيه تخصيص الموقع الخارجي الذي يدخل منه الضيوف الذكور إلى غرفة الضيافة حيث يجب ألا يطل ذلك الباب على غرف النساء أو المطبخ الذي يطبخن فيه الطعام. وهكذا يكون توزيع ثنائيات الفضاء المنزل أو فضاء الطريق وغيرهما من المواقع إلى: أسفل /أعلى، داخل / خارج، المعتم/ المضيء مطابقا لتوزيع السلطة بين الذكر والأنثى على نحو يقصي المرأة من كل الأمور التي تخص الرجال وإذا حاولت اجتياز هذا الحد المرسوم فإن العاقبة هي الضرب أو الطلاق.

وفي هذا الشأن يقول بيير بورديو: “إن النظام الاجتماعي يشتغل باعتباره آلة رمزية هائلة تصبو إلى المصادقة على الهيمنة الذكورية التي تتأسس عليها. إنها التقسيم الجنسي للعمل، والتوزيع الصارم جدا للنشاطات الممنوحة لكل واحد من الجنسين، لمكانه وزمانه وأدواته. إنها بنية الفضاء، مع التعارض بين مكان التجمع، أو السوق، المخصصة للرجال، والمنزل المخصص للنساء، أو التناقض داخل المنزل بين القسم الذكوري مع الموقد، والزريبة والماء والخضار مع القسم الأنثوي”. وفي الحقيقة فإن أقسام الجسد تصنف بين الذكور وبين الإناث على نحو له دلالات رمزية. ويمضي بيير بورديو إلى أبعد من هذا فيقول إن العرف في المجتمع الأمازيغي يشترط أن يكون ” أنف” الذكر الذي يرمز إلى ” الشرف” طويلا لتأكيد هذه القيمة أما إذا كان أنفه قصيرا فذلك يؤول سلبيا ويضع علامات استفهام كثيرة على رجولته.

ضياع الشعر

هنا ينبغي أن نطرح مثل هذه الأسئلة: هل الطريق إلى دمقرطة العلاقة بين الذكور والإناث في هذا النوع من المجتمعات مفروش بالورود أم أن الأمر يحتاج إلى تضحيات كبيرة من أجل إحداث تغييرات جذرية في جميع البنيات المادية والفكرية والثقافية والسياسية والنفسية المكونة وتحقيق التحويل التاريخي فيها؟ ماهي أشكال المقاومة التي تمكّن من إنجاز عمليات توزيع السلطة فيها بعدالة بين المرأة والرجل بدءا من خلية العائلة ومرورا بالمحيط العام ووصولا إلى هرم الدولة والأيديولوجيا السائدة فيها؟ وما هو السبيل إلى بناء أسس البنية الفوقية ومنها الآداب والفنون والقيم الفكرية وبنيات العواطف التي ترسّخ المساواة في ظل احترام الاختلاف؟ لماذا لم نطوّر الفعل الثقافي والفني الديمقراطي طوال هذه السنين وكيف يمكن الخروج من هذا المأزق؟ ففي هذا السياق أذكر دائما عبارة لأحد نقادنا عن مضامين الشعر العربي المعاصر قد رددها على مسامعي عدة مرَات وهي كما يلي: ” لقد ضاع الشعر العربي بين أيديولوجيا الفقراء، وأيديولوجيا الفقهاء، وأيديولوجيا رفع سقف الرقابة على رغبة النساء”. لقد قيل إن التحرر من ثقافة التخلف لا تتم بالتفكير الرغبي أو بقرار سياسي وإنما بخوض تجربة مواجهة الذات المؤلمة والصعبة جدا والمتمثلة في إقامة المسافة معها وإخراج عناصرها من العاطفة. وهل من سبيل إذن إلى إحداث القطيعة مع هذا النمط من الثقافة المترسبة في الأعراف وفي تضاريس اللاوعي الفرد والجماعي والتي يعاد إنتاجها بلا وعي في الغالب في مختلف المواقع والبنيات بما في ذلك بنية هرم السلطة السياسية وتراتبيات دواليب الحكم التي تحرسها الأجهزة الأيديولوجية القمعية؟