محمد السادس في البيت الأبيض.. امتحان لأوباما
 

من يريد بالفعل المحافظة على الاستقرار في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل ومكافحة الإرهاب فيهما، لا يقدم على خلق بؤر توتر جديدة لا في الصحراء ولا في غير الصحراء.

 

عن صحيفة العرب خيرالله خيرالله

[نُشر في 18/11/2013، العدد: 9383،

 

يدخل الملك محمّد السادس البيت الأبيض ليؤكد الثوابت المغربية، أو على الأصحّ لإعادة التذكير بها أمام رئيس أميركي اسمه باراك أوباما اختار سياسة تقوم على التردد والعجز، خصوصا في مجال التفريق بين الحلفاء والأعداء.

يمتلك العاهل المغربي ما يكفي من المعطيات التي يفترض أن تخرج الإدارة الأميركية من حال الحيرة التي تعاني منها والتي تجعلها في أحيان كثيرة تلعب أدوارا في غاية السلبية. ففي الدائرة الضيّقة المحيطة بالرئيس الأميركي، الذي يتبيّن يوميا أنّه لا يعرف شيئا كثيرا عن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أشخاص مؤثرون يتمتعون بمقدار كبير من السذاجة. هؤلاء يعملون، من حيث لا يدرون، على زعزعة الاستقرار في شمال أفريقيا والشرق الأوسط وصولا إلى تشجيع حركات إرهابية على توسيع مناطق نفوذها.

هؤلاء هم من النوع غير الملمّ، على سبيل المثال وليس الحصر، بما يضمره النظام الإيراني لجيرانه العرب. كذلك، نراهم يخلطون بكلّ بساطة بين حركات «تحرّر» لا مهمّة لها سوى التخريب ودعم النشاطات الإرهابية وكلّ أنواع التهريب في منطقة الساحل الأفريقي، وبين بلد مثل المغرب يؤمن حقيقة بحقوق الإنسان والإصلاحات السياسية والتنمية المتوازنة. إنّه بلد يخوض حربا حقيقية على الإرهاب عن طريق مكافحة الفقر وخلق فرص عمل للمغاربة من جهة ومحاربة الفكر الديني المتطرّف من جهة أخرى.

يفعل المغرب ذلك على ترابه الوطني وخارجه. يقرن القول بالفعل. وهنا، لابدّ من ملاحظة أنّ الإدارة الأميركية ليست قادرة حتّى على استيعاب أن بلدا مثل المغرب، قرّر أثناء الزيارة الأخيرة التي قام بها محمّد السادس لباماكو استقبال خمسمئة من رجال الدين في مالي في معاهده الدينية كي يتلقّنوا تعاليم الدين الحنيف استنادا إلى مبادئ المذهب المالكي. هذا المذهب الذي ينادي بالاعتدال والوسطية والاعتراف بالآخر قبل أي شيء آخر.

لاشكّ أن استقبال العاهل المغربي في واشنطن، في هذه الأيّام، يعني الكثير بالنسبة إلى منطقتي شمال أفريقيا والساحل الصحراوي خصوصا وللعرب عموما. هناك نتائج في غاية الأهمية يمكن أن تسفر عنها المحادثات بين محمّد السادس وأوباما. سيعتمد الكثير على ما إذا كان الرئيس الأميركي سيكون قادرا على الابتعاد عن الشعارات التي لا تعني شيئا في نهاية المطاف. سيكون عليه النظر إلى ما يدور في شمال أفريقيا والساحل بطريقة مختلفة. ربّما يفترض به أن يفكّر أولا في كيفية دعم التوجه المغربي الذي يستهدف المحافظة على الوحدة الترابية للمملكة من جهة، وحماية حقوق الإنسان من جهة أخرى. هل في استطاعة أوباما فهم هذه المعادلة المغربية التي تصبّ في مصلحة الاستقرار وفي مصلحة تكاتف الجهود من أجل محاربة الإرهاب؟

نعم، سيتوقف الكثير على قدرة أوباما على فهم الثوابت المغربية التي تؤسس للاستقرار في المنطقة كلّها، بدل إدارة أذنه لبعض مستشاريه الذين يعانون من القصور. في طليعة ما يعانون منه العجز عن فهم حقيقة الوضع في الصحراء المغربية. لا علاقة لهذا الوضع بحق تقرير المصير للصحراويين في أيّ شكل. مواطنو الصحراء مواطنون مغاربة يتمتعون بالحقوق الكاملة لأيّ مواطن مغربي. لا وجود لمشكلة مرتبطة بحقوق الإنسان في الصحراء المغربية. كلّ ما في الأمر أن هناك قضية مفتعلة تقف خلفها الجزائر التي تشنّ حرب استنزاف على المغرب مستخدمة أداة طيعة اسمها «بوليساريو».

لو كانت الجزائر حريصة بالفعل على حق تقرير المصير للصحراويين، لماذا لا تقيم لهم جمهورية في أراضيها؟ الصحراويون موجودون في الجزائر على طول الشريط الصحراوي الممتد من موريتانيا، المطلة على المحيط الأطلسي، وصولا إلى جنوب السودان المطلّ على البحر الأحمر. الأهمّ من ذلك، في حال كانت الجزائر حريصة ّ على حقوق الإنسان وحق تقرير المصير للشعوب، لماذا لا تفرج عن الصحراويين المقيمين في معسكرات تندوف داخل أراضيها؟ لماذا تستخدم هؤلاء، أو على الأصحّ، لماذا تتاجر بهم في سياق الحرب التي تشنّها على المغرب؟

في كلّ الأحوال، إذا استطاع الرئيس الأميركي تفهّم الثوابت المغربية، تكون الولايات المتحدة أقدمت على خطوة مهمة في مجال المساعدة في التنسيق بين دول المنطقة في الحرب التي تشنّها على الإرهاب. كلّ ما هو مطلوب أن يستخدم أوباما المنطق بديلا من الاستماع لمطلقي الشعارات من المحيطين به. هؤلاء لا يعرفون أنّ المغرب أشدّ حرصا منهم على حقوق الإنسان وأن هناك حتّى حرصا مغربيا على حماية حقوق الأجانب المقيمين في أراضيه أو اللاجئين إليها. فالمغرب هو الذي يعطي دروسا في حقوق الإنسان والاعتراف بالآخر وليس العكس. الدليل على ذلك، أن الإصلاحات السياسية التي اعتمدها في السنوات القليلة الماضية، والتي كان من بينها استفتاء على دستور جديد، ترافقت مع قوانين عصرية تحمي كلّ مقيم في المغرب، وتحمي كل مغربي بغض النظر عن المحافظة التي يقيم فيها… أكانت في أقصى الشمال أو أقصى الجنوب.

إذا كان من موضوع يمكن أن يكون موضع بحث جدّي في البيت الأبيض، فهو اقتراح الحكم الذاتي الموسّع للصحراء. إنه يندرج في سياق الإصلاحات المغربية التي تستهدف تعميم اللامركزية لتشمل كلّ أنحاء المملكة. الحكم الذاتي الموسع امتحان لإدارة أوباما التي سيترتب عليها أن تختار بين التعاون مع حلفائها التاريخيين في شمال أفريقيا، وبين تشجيع أولئك الذين يعملون من أجل ضرب الاستقرار. المعادلة في غاية البساطة. من يريد بالفعل المحافظة على الاستقرار في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل ومكافحة الإرهاب فيهما، لا يقدم على خلق بؤر توتر جديدة لا في الصحراء ولا في غير الصحراء.هذا ما يفترض أن يعيه أوباما… في حال كان جدّيا في متابعة الحرب على الإرهاب، بدل أن تكون حربه على الدول المستقرة التي تعمل من أجل المحافظة، بالفعل وليس بالشعارات، على حقوق الإنسان وحمايتها.

إعلامي لبناني