في سمات “الإسلام الحزبي”

الاثنين, 18 نوفمبر 2013 

د. عبدالاله بلقزيز

نطلق اسم “الإسلام الحزبي” على ما يُسَمّى، عادةً، باسم “الإسلام السياسي” مع ملاحظتنا الفارق بين الأخير الذي قد يعني، في جملة ما يعنيه، الاستخدام السياسي للإسلام من قِبَل الأفراد والجماعات والمؤسسات

 

(فقهاء، مثقفين، جماعات دعوية، أحزاب إسلامية، زوايا وطرق صوفية، دول وسلطات . . .) وبين نوعٍ خاص من ذلك الاستخدام اختصّت به الظاهرة الحزبية الإسلامية منذ عشرينات القرن العشرين . ما قامت به زوايا وطرق صوفية، في مغرب القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ينتمي إلى الإسلام السياسي انتماء عمل الصوفية المهدية السودانية إليه، وإن اختلفت النتائج . وما كتبه جمال الدين الأفغاني ومحمد رشيد رضا ينتمي إلى الإسلام السياسي . وما تقوم عليه سياسات إيران والسودان، اليوم، ينتمي إلى الإسلام السياسي . . . إلخ، غير أن ما دشنه حسن البنا، في العام ،1928 ثم تقي الدين النبهاني بعده، أدخل “الإسلام السياسي” في قالب مؤسَسي جديد هو “الإسلام الحزبي” .

 

“الإسلام الحزبي”، بهذا المعنى، هو الدرجة العليا في “الإسلام السياسي”، لأنه ذهب به إلى مستوى من المَأسَسَةِ بعيدٍ، ولأن مبناهُ على مطابقةِ السياسة بالدين والدين بالسياسة، على تعريف شهير للإسلام بأنه دين ودنيا، مصحف وسيف، ثم لأن مدارَهُ على مسألة السلطة (سلطة الدولة) بما هي وسيلته إلى فرض مشروعه السياسي . ولم يكن ذلك ما طَبَع نظرة الإصلاحيين الإسلاميين، ولا السلفيات الوطنية، ولا الطرق الصوفية، ولا الدول، إلى العلاقة بين الدينيّ والسياسيّ، فأكثر اهتمام هذه الأخيرة أن يكون للإسلام موقعٌ في تنظيم الجماعة والاجتماع السياسي، أو يُتَوسَّل كمبدأ من مبادئ الشرعية السياسية، أمّا الانصراف إلى التفكير في إقامة الدولة على مقتضى الدين، فما كان لِيَردَ عند أحدٍ قبل ميلاد “الإحيائية الإسلامية” وحزبيْها الرَئيسيين (“الإخوان المسلمين”، “حزب التحرير”) في النصف الأول من القرن الماضي .

 

لم يكن “الإسلام الحزبي” أوّلَ تعبيرٍ عن اقتران الظاهرة الحزبية الحديثة بالإسلام، وإنما كان أظهر تلك التعبيرات وأبعدها مدى في المماهاة بين السياسة والدين، فلقد نشأت الحركات الوطنية الحديثة، في المعظم منها، في بيئات دينية أو علمية دينية . لم تكن الحركة الوطنية المصرية الحديثة بعيدة عن رحاب الأزهر، ومعظم قياداتها كانوا من خريجيه (حتى الليبراليين منهم مثل أحمد لطفي السيد)، ولم تكن الحركة الوطنية الجزائرية (“حزب الشعب”، “جبهة التحرير الوطني الجزائرية”) إلاّ سليلة “جمعية العلماء المسلمين”، أما الحركة الوطنية المغربية فخرجت أحزابها (“كتلة العمل الوطني”، “الحزب الوطني”، “الحركة القومية”، “حزب الاستقلال”، “حزب الشورى والاستقلال”) من رحاب جامع القرويين وجامع بن يوسف والسلفية الوطنية، ولا تشذ “حركة التحرير الوطني الفلسطيني” (“فتح”) عن هذه القاعدة، حيث أصولها الإخوانية والتحريرية (نسبة إلى “حزب التحرير”) معروفة . غير أن الجامع بين هذه الأحزاب كافة -وغيرها كثيرٌ مما لا يتسع المجال لذكره- أنها انتقلت سريعاً من البيئات الدينية الحاضنة إلى المشروع السياسي الوطني . وليست هذه حال قوى “الإسلام الحزبي” التي انتقلت من الدعوة إلى المشروع السياسي الديني .

 

إن أظهر مظاهر تَميُّز “الإسلام الحزبي” انفراده بالتعبير عن مسائل ثلاث ليست موطنَ إجماع بين المسلمين في الماضي كما في الحاضر، وهي مسائل متداخلة ومترابطة:

 

* أوّلها قولُهُ بحاجة الدين إلى الدولة، من طريق تشديده على وجوب إقامة دولة إسلامية تنهض بمهمة تطبيق الشريعة في المجتمع . ومعنى ذلك أنه رفع مسألة الدولة والسلطة (الإمامة) . ومعنى مرتبة الأساسيات من الإسلام، في حين هي مسألة فرعية، فقهية -لا عَقَدِيَّة- عند “أهل السُنّة والجماعة”، وهي ليست كذلك سوى عند الإمامية التي تعتبرها ركناً من أركان الدين . ومع أن حسن البنّا، مؤسّس الحزبية الإسلامية، اعترف بأن الإمامة من الفروع لا من الأصول، إلا أن مسلك “جماعة الإخوان المسلمين” و”حزب التحرير”، وعشرات من التنظيمات الإسلامية النظير، ذهب عكس هذا المقصد حين أفرغ الوسع لهدفٍ واحدٍ وحيد: حيازة السلطة السياسية لتطبيق “المشروع الإسلامي”! حتى أنه وُجِد من دعاة “الحاكمية” من كَفَّر الدولة والمجتمع، ورماهما بالجاهلية موحياً بأنه حَقَّ عليهما الفَتحُ من جديد .

 

* وثانيها تعريفُه الإسلام بأنه ليس إيماناً فحسب، وأداء للفرائض فحسب، بل إنفاذ أحكام الشرع في نظام الحياة ومنه النظام الاجتماعي والسياسيّ . وهو قول متفرّع ممّا قبله، لكن وجهاً ثانياً فيه شديدَ الخطورة هو احتكاره تعريفَ الإسلام، وبالتالي تمثيله، وبيان ذلك أن الإسلام الصحيح هو إسلام القائل بهذه القاعدة من دون سواه . وهكذا لا يستقيم إسلام المسلمين عامّة، ولا إسلام علماء الدين وسائر الجماعات المسلمة غير المسيّسة للدين، إلاّ بالتزام هذه القاعدة والتشبُّع بها . وفي هذا الموقف -الذي يحتكر تعريف الدين- قسمة للمسلمين إلى فريقيْن (أو أكثر): صحيح الإيمان وفاسد الإيمان . وللقارئ أن يعود إلى كتابات سيّد قطب ليقف على وجوهٍ من هذا التمييز داخل المسلمين .

 

* وثالثها: تشديده على وظيفة الدين في السياسة بما هو وقودٌ للتعبئة والتحشيد وكسب الأنصار، وعدّها الوظيفة الأساس للدين في المجتمع . ومعنى ذلك أن قوى “الإسلام الحزبي” أدخلت الإسلام في طور غير مسبوق من التسييس المفرط لا نكاد نجد له نظيراً في الإسلام منذ حروب الفتنة بين ثلاثينات وثمانينات القرن الهجري الأوّل . ولتسييس الدين هذا آثار في غاية الخطورة في الاجتماع الوطني وفي الإسلام نفسه، فإلى كونه يزوّر معنى الإسلام فينقله من دينٍ إلى مجرد أيديولوجيا سياسية، ومن عقيدةٍ للأمّة جمعاء إلى مِلْكية خاصة بفريقٍ سياسي واحد في المجتمع، فإنه يزج به في صراعات المصالح الدنيوية -على السلطة وعلى الثروة وعلى النفوذ- بإسباغ قداسة مزعومة على مواقف بشرية منظوراً إليها وكأنها الدين الصحيح! هكذا يتحوّل الإسلام -في هذا التسييس- من عقيدةِ توحيد إلى أيديولوجيا تقسيم .

 

  • عن صحيفة التجديد العربي