الإسلام السياسي في تونس.. النشأة والمعضلات الفكرية

 

السلفية ظاهرة طارئة على الثورة وعلى المجتمع التونسي برمته. بل هي انحراف عن مطالب الثورة.

 

عن صحيفة العرب 

مصطفى القلعي [نُشر في 20/11/2013، العدد: 9385،

لابد من التنبيه إلى هذه الملاحظات التأسيسية المتصلة بمشاكل نشأة التيارات السلفية والجهادية والإخوانية في العصر الحاضر. فالسلفية ورابطات حماية الثورة العنفية كلاهما سلفيتان. وكلاهما وجهان من وجوه حركة النهضة الإخوانية. والسلفية ظاهرة طارئة على الثورة وعلى المجتمع التونسي برمته. بل هي انحراف عن مطالب الثورة.

السلفية ظاهرة سياسية وليست دينية. وعنفها سياسي وليس دينيا وإن كان بزي ديني طائفي أحيانا. لقد نشأتا بالتوازي مع نشأة الأحزاب الدينية. فكانت نشأة مركنتيلية بامتياز غايتها تحقيق الغنم السياسي لحركة النهضة الإخوانية صاحبة مشروع الخلافة. لكن نشأة السلفية في تونس اليوم تعاني من جملة من المشاكل أهمها ثلاث:

الإشكال المفهومي

نقصد أنها متصلة بالرؤية للزمن. وهي رؤية مختزلة لاتاريخية لأنها تعتقد أن الزمان نقاط ثلاث مفصولة: ماض/ حاضر/ مستقبل. وهي رؤية خطية بينت فلسفة العلم والابستمولوجيا، من مارتين هايدغير إلى غاستون باشلار، أنها خاطئة. فالزمن الماضي لا يمضي. ولا يتوقف فيما يعتقد أنه الماضي. وإنما الماضي يستمر في الحاضر وحتى في الآتي. وقصيدة الشابي «يا ابن أمّي» تمرين مهمّ لتأكيد ذلك. إن هذا الماضي الذي تتوهم الأيديولوجيا السلفية أنّه ساكن ميّت إنّما هو حيّ مقيم معنا نحن أبناء الحاضر وسيقيم مع أبناء المستقبل أيضاً. فنحن أبناء الماضي بشكل ما. والماضي يسري فينا. ويتجلى في سلوكنا وفي قيمنا وفي ذوقنا وفي رؤيتنا الجماليّة وفي تفكيرنا وفي منزلتنا في الكون. وهذا يلغي تماما أطروحة العودة إلى زمن السلف الصّالح التي يرددها دعاة الإيديولوجيا السلفية المسيسة.

المعضلة المنهجية

منهج السلفية منهج نقلي يخاصم العقل والتأويل والتفكير في تناقض صارخ مع ما دعا إليه كانط من فتح الدين على العقل وفتح العقل على الدين. إنها تكتفي بأقوال القدامى حجّة. وتتعامل السّلفيّة، سنيّةً وشيعيّةً، مع هذه الأقوال بتقديسٍ مجاهدةً في نزع صفتها البشريّة النّسبيّة. وقد انطلقت الثّقافة العربيّة في مجادلة السّلفيّة النّقليّة مبكّرا مع المعتزلة وعلماء الكلام والمتصوّفة والشّعراء وعلماء المنطق واللّغويّين والفلاسفة كالجاحظ والتّوحيدي والمعرّي وإخوان الصّفاء وابن رشد وغيرهم. ولم يتوقّف هذا الجدل في العصر الحاضر عبر علماء أفذاذ كطه حسين وحسين مروّة وطيّب تيزيني ونصر حامد أبي زيد ومحمّد عابد الجابري ومحمّد الطّالبي ويوسف الصدّيق ومحمّد أركون وغيرهم.

لقد نشأ الوعي بخطر الإيمان بالحجة النقلية مبكرا في الثقافة العربية الإسلامية. فأصحاب المنهج النقلي كانوا يقدسون أقوال سلفهم. ويعدونها أقوالا حججاً لا تقبل النقاش ولا يطولها الخطأ، وعاملوها معاملة الكلام المنزل. وأصبغوا عليها هالة من التقديس. فحاول أهل العقل تلطيف غلواء النقليين خشية تحولهم إلى ممارسة العنف لفرض حججهم وآرائهم كما هو حال الخوارج. ولكن النقليين والخوارج والعنفيين لم ينته أمرهم أبداً ولم يتوقف ظهورهم عبر العصور لاسيما في فترات الركود أو الانحسار أو الهزيمة.

إن التأويل هو ما يرعب النقليين الإخوان والسلفيين ويخيفهم، كما أثبتت محنتا نصر حامد أبي زيد ومحمد أحمد خلف الله. وهم يعملون على سد كل أبواب الاجتهاد والتّفكير في النص. بل إن خشيتهم تضاعفت في العصر الحاضر بعد نشأة العلوم الحديثة كعلوم اللّسانيات والسيميائيّة والتّداوليّة والابستيمولوجيا والأنثروبولوجيا والأركيولوجيا وعلم الأديان التاريخي وعلم الاجتماع وعلم النفس وغيرها. وهي علوم تفتح أمام الباحثين آفاقا جديدة في تمثل الخطاب الديني وفي طبيعة تلقيه

العقبة الاجتماعية

وهي مشكلة ناتجة عن المشكلتين الأوليين. فالرؤية السكونية للزمن والمنهج النقلي جعلا السلفية ضعيفة الحجة، وغير قادرة على الجدل أو الإقناع. ولذلك فهي تمارس العنف. إن ممارسة العنف ليست سوى تعبير عن العجز عن المحاججة كما لاحظنا في الفصل الأوّل. فالسّلفيّة ظاهرة سكونية نقلية عنفية تعمل على توطين السذاجة وعلى تعطيل العقل النقدي.

ولا ينفع أي تبرير للعنف في إقناع عاقل به. فهناك من المسؤولين التونسيين في حكومة النهضة، مثلا، من يرى أن عنف تيار أنصار الشريعة السلفي العنفي أغلب منتسبيه من الشباب. ولذلك تعسر السيطرة عليهم. ولا يخفى ما في هذا الكلام من تمييع وتبسيط. فليس أعنف من جماهير كرة القدم في بعض الأحيان، وهي جماهير شبابية. ومع ذلك يمكن السيطرة عليها بشيء من التنظيم والانتشار الأمنيين، لأن هذه الجماهير ببساطة غير منظمة ولا يوجد من يحرضها أو يوجهها. فالمشكلة ليست في طبيعة المنتسبين وأعمارهم. وإنما هي في التنظم وفي التوجيه وفي الإرادة السياسية.

هناك من حركة النهضة ومن حكومتها أيضا من يبرر هذا العنف الديني المسيس، دون الاعتراف بكونه مسيسا طبعا، بالقمع الذي تعرض له الإسلاميون وبما يسمونه تجفيف المنابع في العهد النوفمبري البائد. وهذه حجة مردودة عليهم أيضا لأن القمع النوفمبري تسلط على الجميع إسلاميين ويساريين وقوميين وحقوقيين وكتابا وفنانين وطلبة جامعيين دون استثناء. فكل من لم يؤدّ فروض الطاعة كان عرضة للقمع.

ماذا بقي إذن؟ لا شيء غير إنكار أشعة الشمس الساطعة في يوم صيفي قائظ. هذا العنف الديني المسيس المسلط على غير النهضويين من مناضلين سياسيين ونقابيين وصحافيين ومبدعين لم تتم «مركنتلته» فقط بل هو رأس مال رئيسي توظفه حركة النهضة رغم مخالفته لكل القوانين والشّرائع والاتفاقيات، من أجل تحقيق غايات سياسيّة متصلة بالسلطة وغايات اجتماعية متصلة بتنظيم المجتمع شرعيا تمهيدا لدولة الخلافة المتوهمة. ولابد من التنبيه إلى خلافين جوهريين في علاقة الإخوان بالتيارات السلفية:

– الأول أصولي مرجعي أيديولوجي: مضمونه الرؤية لتفسير القرآن. فالسلفيون يعتمدون مراجع أصولية حدية ساكنة دون غيرها. ويقصرون فهمهم للنص القرآني على تلك المراجع وخاصة مؤلفات أحمد بن حنبل وابن تيمية وابن قيم الجوزية ومحمد ابن عبد الوهاب وفتاواهم ومآثرهم. ويرون في هذه المراجع منتهى الاجتهاد. ويعاملونها بقدسيّة لا يقبلون فيها النقد والمجادلة. أما الإخوان فإنهم يقرون بحدود التفسير ويعتبرونه اجتهادا بشريا مشكورا. ويرون أن النص القرآني لا يمكن أن يستغرقه تفسير مهما علا شأنه. يقول راشد الغنّوشي: «ولكن النص القرآني تبقى له ذاتيته واستقلاله وتعاليه وامتناعه عن التحديد في أي قالب تفسيري، محتفظا بثرائه اللامحدود وقابليته لإنتاج فيضات غزيرة من المعاني والحكمة المتجددة بحسب ارتقاء الفكر وتطور العلوم. ولعل ذلك بعض ما عناه حبر القرآن وترجمانه ابن عباس رضي الله عنه إذ قال: «القرآن يفسره الزمن». (راشد الغنّوشي، المرأة بين القرآن وواقع المسلمين، ص 8)

– الثاني تكتيكي إستراتيجي: يتمثل في التعارض القائم بينهما في مستوى العلاقة مع أميركا والغرب. فرغم أن كليهما يرى أن الغرب أرض كفر وفسق يحل الجهاد فيها، فإن الإخوان يؤجلون الصراع مع أميركا ويعملون بالتنسيق معها، فيما يستعجل السلفيون هذا الصراع ويستهدفون أميركا ويحاربونها في أفغانستان وباكستان وحيثما وجدت مصالحها. ويبدو أن الإخوان، وقد بلغوا السلطة قبل السلفيين، قد نجحوا إلى حين في تجاوز هذا الخلاف بفعل الدمغجة الدينية وورقة «الإسلام في خطر» التي يشهرونها لتحريض السلفيين على العنف واستنفارهم لتعنيف خصوم حركة النهضة بالوكالة عنها كلما دعت الحاجة إلى ذلك.

هذه المشاكل مجتمعة تجعلنا نسلم بأطروحة محمد أركون حول ما كان يسميه استحالة تأصيل الخطاب الديني لاسيما الخطاب الإخواني باعتباره يعاني مشاكل أساسية في نشأته في هذا العصر على الصورة التي يريدها له الإخوان. ويبقى السؤال الحضاري مطروحا؛ كيف نجعل الخطاب الإسلامي موائما العصر؟ أو بالأحرى كيف نخلص الخطاب الديني من مظاهر «الأسلفة» والرجعية والنكوص؟