المعرفة والسلطة أو أسئلة التوازن والتغيير

عبد المجيد العموري بوعزة

تقديم لا بد منه .
مجال مثقف السلطة ميدان اشكالي، تتحدد عناصره في التداخل الحاصل بين المكونات الخاصة  لإنتاج المعرفة، والمكونات الخاصة لممارسة السلطة. فهناك ديالكتيك ما يربط بين المعرفة والسلطة. وهذا لا يعني أنهما شيئا واحدا آو أنهما متطابقان. كل ما يعنيه هو وجود علاقات متشابكة ومتداخلة بينهما. وانه ينبغي تحليل تلك العلاقات ،وأشكال التواطؤالحاصلة بين المعرفة والسلطة . فمثقف السلطة يسعى جاهدا لإنتاج معرفة  جزئية بموضوعات محددة،  او رؤية كلية حول نموذج المجتمع. وإخضاع عملية وتكوين هذه المعرفة والرؤى واعادة إنتاجها بالعلاقة مع طلب السلطة القائمة . او مع  مشروع  سلطة ممكنة او محتملة في المجتمع . و إدارة المواجهة المعرفية بينها،  حول  من يمتلك الفهم الشرعي للميدان السياسي او الاقتصادي او الاجتماعي او الثقافي…

مثقف السلطة صراع التوازن والتغيير

فمثقف السلطة كمتكلم وكمنتج لمعرفة السلطة، تتحدد وظيفته بالاجتهاد المستمر في  استعمال المعلومات و انتقاء الوقائع والموضوعات المجتمعية، وتفجير معانيها وتحليلها وتوصيلها بمختلف الوسائل الي يتم توفيرها،  و يوظف طاقته وخبرته المنطقية والمنهجية والنظرية  لرسم المشكلات،  وتقييم وتشخيص الأوضاع، ويكلم الأرقام والإحصائيات،  ويقرر بسلطته كخبير وباحث ومثقف، التوجهات الاستراتيجية، ويقدم المقترحات لتصميم السياسات والبرامج ….وفق ما يلائم ويدعم ويخدم السلطة، صاحبة الطلب الأصلي.  و المثقف في كل هذا الانتاج المعرفي ، يكون في خدمة السلطة او الجماعة التي فوضت اليه امر الكلام ، وأوكلت اليه امر النطق باسمها،  وأسندت اليه سلطة. اي السلطة الممنوحة لمن فوض اليه امر التكلم ،والنطق بلسان الجهة التي عينته. ( بيير بورديو  في مقالته المشهورة  حول اللغة المشروعة).  فيتجسد بذلك منطق التفويض والانتداب لتقديم خدمات، واقتراح استراتيجيات نظام السلطة  القائمة  او الممكنة. تلك الخدمات التي يقدمها مثقف السلطة ستكون عرضة للفشل اذا لم تكن مسنودة بسلطة .
وفي هذا الإطار يتضح ان هناك تمييزا ضمن مجال  مثقف السلطة.  عبر رصد الانتاج المعرفي لسلطة قائمة. او الانتاج العرفي لسلطة ممكنة. لنموذج مجتمع قائم، اولنموذج مجتمع بديل. المعرفة الخاصة بالنظام ،او المعرفة الخاصة بالتغيير. حيث يكمن الصراع الفكري والمعرفي في مجال النماذج السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. علاقات تنافرية وتنافسية بين المختصين والمنتدبين للإنتاج المعرفي الملائم للقوى الاجتماعية المقومة لسلطة قائمة. او الانتاج المعرفي المدعم للقوى الاجتماعية المشكلة لسلطة ممكنة .وفي هذا الإطار يمكن استحضار التاريخ الطويل  للنظام السياسي  بالمغرب لمحاصرة  الفكر النقدي ومعرفة التغيير  والحداثة  ودعمها الإرادي والسياسي  للفكر التقليداني و تفعيل الممارسة الأصولية للظاهرة المخزنية
وهي الإشكالية التي يدققها بيير بورديو، في مقالة له تحت عنوان «السلطة الرمزية».  فمثقف السلطة القائمة  في إدارته وتنميته للصراع المعرفي مع مثقف السلطة الممكنة . يجدون أنفسهم يخدمون مصالحهم  النظرية والمنهجية ، ويطوّرون باستمرار اختلاف اجتهاداتهم التحليلية ونصائحهم التوجيهية . وفي نفس الوقت  يخدمون تموقعاتهم الاجتماعية ، ومصالح الجماعات او السلطة التي ينطقون باسمها. وإذ نسجل   سيادة منطق الصراع والتنافر بين الخطابيين ،في مستوى منهجية بناء المعرفة وفي مستوى تموضعها وارتباطها الاجتماعي. فانه و في نفس الوقت نسجل  سيادة منطق المصاحبة لطلب السلط المختلفة ، اي تكثيف وتكييف الخطاب وتسجيله السوسيولوجي، لمضامين وأولويات  إرادة القوى الاجتماعية المقومة لمجتمع قائم ، او  المقومة لمجتمع مرتقب. ويمكن الإشارة في هدا الإطار إلى ان تطور وتنمية الصراع  المعرفي بين اجنحة مثقف السلطة، لا تجد معناها وتفسيراتها العميقة والحقيقية في تطور العلوم الانسانية والنظريات الاجتماعية، بل ينكشف سر تفسيرها في تطور الصراع بين النوايا السياسية واستراتيجيات السيطرة او التعبئة من اجل السيطرة . في اطار التحولات المهيكلة للمجتمع ، بمعنى التفاعل مع أشكال الضغط السياسي، ومواكبة التحولات والانعكاسات والاكراهات ،والانخراط في مساراتها ،وتحويلها الى خطاب يؤكد مشروعية الخيارات القائمة ،او يؤسس لمشروعية الاختيارات البديلة. وهي نفس المساحة في الحالة المغربية، بين خطابات متواجهة حول المسلسل الديمقراطي و  الانتقال الديمقراطي في المرحلة الاولى . وبين خطاب الانتقال الديمقراطي و التحول الى الديمقراطية في المرحلة الحالية . مساحة بين المعرفة الإرشادية والمعرفة التبشيرية. بين مغرب الاستمرارية والقطيعة . بين مغرب الاستثناء و مغرب التغيير….

المعرفة التنظيم والاستعمال

ان التشكيلة المعرفية لمثقف السلطة القائمة او الممكنة، يتم بناؤها ضمن علاقة عضوية بين ثلاثة مستويات، مستوى انتاج المعرفة .ومستوى تحويل هذه المعرفة الى تنظيم اجتماعي. ومستوى تمكين هذا التنظيم من استعمال المعرفة لتفعيل ديناميكية الحشد والتعبئة لإدارة الصراع الميداني في الحقل المجتمعي. فالمعرفة بهذا المعني تتوسط التنظيم ( التنظيم المجتمعي – الدولة أو التنظيم السياسي- الحزب او التنظيم المدني ? الجمعية او التنظيم العمالي ? النقابة او التنظيم  الاقتصادي ? المقاولة ) ….. والفعل الميداني للقوى الاجتماعية المستهدفة …
وهذا يعني ان المعرفة المنتجة من طرف الذوات الباحثة ، حيث تفكر في الموضوعات والقضايا ، وتجمع المعلومات وصياغتها في نص الخطاب، تنتقل الى مرحلة التنظيم والتهيئة والتوطين داخل مؤسسات شرعية. ووضعها جاهزة للانتقال الى مرحلة الاستعمال الميداني والتعبوي والتأطير الاستهدافي، من جل تثبيت الفهم او التفسير ، او عادة تأسيسه وفق ما تمليه المبادئ الاساسية للسلطة القائمة، او السلطة الممكنة. مع الإشارة الى ان هذه المستويات تتضمن عناصر كثيرة وتخضع لتركيب معقد. وبشكل عام يمكن القول ان العلاقة بين الانتاج والتنظيم والاستعمال، يؤدي الى انشاء نوع من المعرفة، قابلة للاستخدام من احل ممارسة السلطة وخدمتها بفعالية ونجاعة، فتصبح في حد ذاتها سلطة. او كما يشير فيلسوف القاعة الثامنة ميشيل فوكو ، الى حصول نوع من التطابق بين  المختص في انتاج فكر السلطة، والمختص في ممارسة السلطة . هذ التطابق والانسجام الذي يتم إنجازه وبلورته وتنظيمه داخل المؤسسات المجتمعية الشرعية. بعبارة اخرى الوعي بأهمية الرأسمال الرمزي للمعارف ، وضرورة إخضاعه لمنطق الطلب والخدمة التي يفرضها الرأسمال المادي للتنظيمات والمؤسسات

هذه المسالة مغربية بامتياز

ان المعرفة في الحالة المغربية محكومة بمنطق الصراع، وخاضعة لمنطق الطلب السياسي للأطراف المتصارعة. ففي مرحلة استعمار المغرب ،تشكلت معرفة محكومة بمنطق أيديولوجية الوعي الوطني المنخرط في المقاومة وتغيير الواقع الاستعماري.فلم يكن للمثقف خيار  اخر « غير الافتتان بالسلطة الوطنية ،كحقل خصب وجذاب للشرعية ومرشحة للسلطة  «  يعمل على تكييف كلماته وقوله النوعي، مع الطلب السياسي الذي لم يكن يقبل باي تناقض … كان ملحقا بالبرنامج السياسي … واحد تعبيراته . لذا كان يضمحل ازاء الحالية السياسي «.(عبد اللطيف اللعبي -ى» المثقفون المغاربة والسلطة «)فعلاقة المعرفي بالسياسي، لم تكن متنافرة إطلاقا.فالمثقف ضمن هذه الوضعية، وجد نفسه مستوعبا ضمن المناخ النفسي والأيديولوجي والسياسي الوطني. بعبارة اخرى كان هناك تضامن أخلاقي ومبدئي، فرض نوعا من الإجماع السياسي، أدى بالضرورة الى فرض تضامن  منطقي، حول وظيفة المعرفة في مجتمع مستعمر.
سيتغير الوضع بشكل كامل مع حصول المغرب على الاستقلال . وسينتقل  من حالة الإجماع المعرفي لصياغة التحرر الوطني من الاستعمار، الى حالة الصراع المعرفي لصياغة النموذج الوطني للمجتمع المستقل. بداية هذه المرحلة ستتميز بصراع عنيف ومفتوح بين معرفة النظام، ومعرفة التغيير. مسنودة بحالة التصادم بين النظام السياسي القائم،  ومشروع النظام السياسي البديل … هذا التصادم سيؤثر بفعالية على وضعية المثقف ،والتموضع الاجتماعي للمعرفة. فبعد ان كان اداة تمتلك المؤهلات والكفاية المعرفية لإنضاج الوعي بالتحرر الوطني، سيتحول مع الاستقلال الى حقل خصب لإدارة احتكاره وامتلاكه وتسوية خطابه وفق الرغبات والإرادات المتصارعة سياسيا . هذ الانخراط سيعجل بعملية التمييز  والصراع بين  المرجعيات المنطقية و النظرية  للإنتاج المعرفي. وبين المرجعيات الموجهة لعلاقة المعرفة مع المجتمع .  من جهة  صراع منطقي بين مرجعية النظام والتوازن والتجانس ( كونت). ومرجعية التغيير والتحرر والثورة (ماركس). ومن جهة اخرى صراع اجتماعي بين وظيفة انشاء وتكريس معرفة بالموضوعات المطلوبة و  المصاحبة لرغبة السلطة القائمة في الاستمرار. ووظيفة تدشين وتأسيس معرفة بالموضوعات البديلة والملائمة لمشروع سلطة يجري تأسيسها وانضاجها .
في خضم هذا الصراع والى حدود عقد التسعينات . ستتمكن معرفة التغيير والثورة باعتبارها امتداد متطور لمعرفة الاستقلال والتحرر الوطني .من التواجد القوي في المراكز والمؤسسات المختصة في الانتاج المعرفي . وتمكنت من فتح مواضيع للبحث المعرفي ، تمارس عبرها التعرية النقدية لأسس السيادة الطبقية ، وتحكم النظام السياسي  في بناء دولة تتعارض مع حاجيات التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية . وتفكك تفاصيل قرصنة نموذج المجتمع المستقل والمشروع التنموي التحديثي، الذي تحول الى شيئ اخر هو بناء سيطرة الدولة على المجتمع . وتحويل المجتمع الى مجرد اداة في خدمة الدولة ، عوض ان  تكون الدولة في خدمة المجتمع .بحيث استمرت المعرفة وفية لارتباطاتها بالتوجهات النقدية الكبرى ( محمد كسوس – « وضعية البحث السوسيولوجي بالمغرب») .الشيئ الذي انتبهت اليه السلطة القائمة ، عبر تصميم مجموعة من الاجراءات بغرض الهيمنة والسيطرة على المؤسسات والمعاهد المختصة في الانتاج المعرفي النقدي . بدا تنفيذها منذ بداية عقد الثمانينات من القرن الماضي ، تستهدف اقصاء وتنذير كل معرفة تتناقض والافكار التقليدية السائدة … واعتبار الواقع الاجتماعي ما هو قائم ولا يمكن ان يكون الا كذلك . وعلى الانتاج المعرفي والفكري والثقافي ان يلبس السلطة ويحميها بغطاء من الشرعية البيولوجية والايديولوجية ، وان يبرر لها اعمالها ويجد لها التخريجات المقنعة ، وتحسن صورتها في نظر الجمهور ، وتفرض هيبتها وقدسيتها وهيمنتها . بعبارة اخرى ان يهيمن نموذج مجتمع السلطة القائمة على النظرية المعرفية … في مواجهة مفتوحة مع مشروع مجتمع التغيير كقاعدة لنظرية المعرفة ….
لكن مع التحولات الكبيرة التي سيعرفها العالم مع بداية عقد التسعينات من القرن الماضي والتي يمكن تكثيف مضامينها المعرفية والسياسية  مع سقوط جدار برلين وتحرير مساحة الفكر والمعرفة الواحدة والتبشير بنهاية التاريخ والإيديولوجيا واشكال الصراع السياسي والحرب الباردة والساخنة بين وحول النماذج المجتمعية المتناقضة … وهو تحول سينعكس تدريجيا على تشكيلة الصراع المعرفي بين مثقف السلطة القائمة ومثقف السلطة الممكنة بالانتقال الى تشكيلة جديدة تتميز بالتسييد المنهجي لمناهج تكوين وانتاج المعرفة المهنية والتقنوقراطية وترحيل الصراع الفكري والمعرفي من مجال الكائن والممكن سياسيا الى مجال الكائن والممكن تقنيا الانتقال من الصراع حول النماذج السياسية الى الاختيار بين النماذج التقنية كألية لقياس الفعالية والمهارة والكفاءة السياسية …

..عن جريدة الاتحاد الاشتراكي..11/21/2013