ما الذي لم يكتشفه العلم بعد؟

وإلى أيّ حدّ يعتبر هذا الانشغال انشغالا كونيّا؟

ترجمة: مصطفى النحال

هو السؤال الذي يوجد في قلب منتدى Les Fondamentales، المنظم من طرف المركز الوطني للبحث العلمي بالسوربون (فرنسا)، خلال الفترة ما بين 14 و16 نونبر الجاري. هذا الانشغال حدّ الهوس بالاكتشافات العلميّة، والذي هو انشغال مركزيّ في الغرب، يعتبر سؤالا استثنائيّا في تاريخ الحضارات الإنسانية، وهو الذي بات اليوم منصبّا على الخبايا المتبقيّة في الكون والطبيعة، وعلى أصول وجذور الحياة وتحدّيات الرياضيات والفيزياء وألغاز الكون وأسراره.
في هذا السياق، وبمناسبة انعقاد هذا المنتدى، أجرى الإعلاميّ هيرفي مورانْ حوارا نشرته يومية لوموند، في عددها الصادر يوم الأربعاء الماضي، مع الباحث الأنثروبولوجي والإثنولوجي فيليب ديسكولا، الأستاذ بالكوليج دو فرانسْ، ومدير الدراسات بمدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية EHESS، انصبّ أساسا على السؤال الملحّ اليوم وهو: ما الذي تبقّى لكيْيُكتشف؟ وإلى أيّ حدّ يعتبر هذا الانشغال انشغالا كونيّا؟

هيرفي مورانْ

في البداية، ينفي ديسكولا أن يكون الانشغال كونيّا، بقدر ما يميّز ما يسمّيه «الأنطولوجيا الطبيعانية» التي تطبع المجتمعات الغربية. لكن، ماذا يقصد ديسكولا بالأنطولوجيا الطبيعانية؟ في كتابه « ما بعد الطبيعة والثقافة»، الصادر سنة 2005 عن دار النشر غاليمار، يبرز ديسكولا كيف أنّ التعارض الشائع ما بين مفهوميْ «الطبيعة» و»الثقافة» ليس سوى إنتاج اجتماعيّ وليس حقيقة «طبيعية». من ثمّ يميّز ديسكولا بين أربع «أنطولوجيّات» أساسية، وهي عبارة عن أربع كيْفيّات أو طرق تقوم المجتمعات البشرية بواسطتها بنسْج علاقات مع ما يحيط بها. وهذه الكيفيات هي على التوالي: النزعة الروحانيّة، والطوطميّة، والتماثلية، والطبيعانية أو النزوع الطبيعي. هذا الأخير هو الذي يميّز الحضارة الغربية. وانطلاقا من هذا التوزيع يخلص ديسكولا إلى أنّ الأنطولوجيا الطبيعانية هي التي تكون فيها الطبيعة، أيْ مجموع الظواهر التي تنتشر بطريقة مستقلة عن الفعل الإنساني، يتمّ إدراكها بطريقة مستقلة ومنفصلة، مع ما يصاحبها من أسرار، يمكن لأيّ شخص خارج عن هذا العالم، الكشف عنها. وهي في نظره استعارة كبرى داخل الإبستيمولوجيا الغربية والمتمثلة في أنّ العلم حين يكشف عن الطبيعة، يكشف عن عناصره ومكوّناته الخفيّة. وبعيدا عن فكرة وجود الغرب وباقي العالم، يوضح ديسكولا بأنّ الاكتشاف مسألة ترتبط بالمحاولة وبالرغبة في المعرفة والفضول، معرفة الأشياء المجهولة. وبالتالي فهي قضية كونية، وهذا ما دفعه إلى الحديث عن الغنى الاستكشافي الذي عرفته الحضارة العربية الإسلامية خلال العصر الوسيط، وما أنجزه الرّحّالة الفرس والصينيون الذين كانتْ لديهم رغبة كبيرة وغير مسبوقة في التعرّف على الآخر ومعرفته.
إنّ فكْرة أصل العالم، على سبيل المثال، دالّة في هذا السياق. فعلى العكس مما هو شائع، ليست المسألة كونيّة. وفي كل الأحوال، يشكل سفر التكوين، ذلك التصور المسيحي-اليهودي القائل بفكرة خلق العالم انطلاقًا من العدم استثناء أكيدًا في تاريخ الحضارات. وبالتالي لا ينبغي النّظر إلى فكرة الخلق عبر النّظارات الغربية! لأنها فكرة تتميّز بمركزيتها البشرية إذ يلعب البشر دورًا كبيرًا في مسار الخلق هنا، بينما هم مجموعة من بين مجموعات أخرى في أساطير مُؤسِّسة أخرى. والشيء نفسه بالنسبة للفكرة التّوْراتية القائلة بإله صانع ماهر وخالق، وهي الفكرة العزيزة على عالم البحر المتوسط برمّته، إذْ هي أبعد من أنْ تكون فكرة تتقاسمها كلّ الشعوب التي تسكن الأرض أو التي سكنتها من قبل. من جهة ينظر إلى الخلق كأنه صنع، قولبة المادة حسب مخطط مسبق: وهي استعارة الخزاف صانع الفخار التي نجدها في العهد القديم كما في محاورة «تيماوس» لأفلاطون. أما في جهات العالم الأخرى فغالبًا ما نجد فكرة التوالدات العارضة أو التطورات التلقائية.
وبالنسبة للاكتشاف بالمعنى العلمي، الذي يعني توقّع الظواهر وإلباسها لبوسا فيزيائيا عبر مختلف الوسائط، فلا نكاد نعثر عليه في حضارات أخرى التي يتعلق فيها الأمْر في النهاية بتدجين المجهول. وكمثال على ذلك الاكتشاف الذي قام به الأمريكيّون للأوروبيين. وهو اكتشاف خلق تحوّلا راديكاليّا وعميقا في العقْلية الغربية وفي تاريخها.
خلاصةُ الأمر هي أنّ مسألة الاكتشاف، وما الأمور التي مازالتْ لمْ تُكتشفْ بعد، مسألة جدّ نسبيّة تتعلّق بمفهومنا للاكتشاف وبنظرتنا لهذا الشيء الذي نعتبره لمْ يُكتشف بعد، وهو اللغز أو السرّ الكونيّ.
إنّ تفسيرَ وحدة البَشَريّة، مثلا، وتنوّع كيفيات وجود الكائنات في حركة واحدة، هو التحدي الذي تواجهه كل النصوص الكبرى للأنثروبولوجيا، أيًّا كانت تصوراتها النظرية. وما يميّز حوار فيليب ديسكولا وكتاباته هو أنه يملك ذلك الطموح الذي يتراوحُ ما بيْن التساؤل الجوهري وبين المعرفة الملموسة، بيْن سماء الأفكار وعجين المجتمعات. من ثمّ لا بدّ إذن من الرضوخ للأمر الواقع والقول بأّن تناقضات التصنيفات العائلية الكبرى ما بين البشر وغير البشر، ما بين الطبيعة والثقافة، ما بين المتوحش والأليف، التي تتيح لنا ترتيب الكائنات في ناحية، والأماكن والأشياء في ناحية أخرى، تناقضات تصنيفية لا شمولية فيها. فهي تنتمي إلى تاريخ الفكر الغربي حيث ظهرت في وقت متأخر وهي تفتقد للدلالات في أنظمة فكرية أخرى. وهكذا فإن الثنائية : طبيعة/ ثقافة لا يزيد عمرها عن قرن واحد من الزمن، لكنها ما فتئت تمارس تأثيرًا عميقا على الأثنولوجيا.
فلا بدّ أنْ نعتبر رؤيتنا للعالم كرؤية من بين رؤى عديدة. ووضع كل الرؤى على نفس المستوى من التحليل، يمثل المرحلة الأولى من مسار أوسع وأكثر طموحًا. لأنه انطلاقا من هنا يتعلق الأمر بالعودة إلى « تصورات عامة « يتعرّف بها كل فرد على ما يحيط به ليبني علاقاته مع المحيط ومع الآخر. فكلّ كل كائن بشري يرى نفسه كوحدة مزدوجة من الباطنية ومن الفيزياوية، وبأنه يحاول أن يسقط هذا التميز على ما يراه من حوله، فإن الأنثروبولوجي الوفي للطريقة البنيوية يقوم بطرح مجموعة من التصورات للتعرف على « الموجودات «، بغرض إدماج التشابهات والفوارق على الصعيدين المادي والمعنوي. ففي مذهب الأرواحية، السائد في الذهنية البدائية، في الأمازون وليس عند قبائل « أشوار « فقط، فإن البشر وغير البشر متقاربون في نفس الجوانية ومختلفون في الأشكال والأجسام. وفي المذهب الطبيعي الحديث، على العكس، نرى أن قوانين الطبيعة والحياة تؤسس صلةً أساسية جوهرية، بينما تؤسّس الطبيعة التي بنظَرإليها كوقف على البشرية، قطيعةً جذرية. أما الطوطمية المنتشرة على الخصوص في أوقيانوسيا فهي تنشىء استمرارية ذهنية وفيزيائية بين الجماعات البشرية وبين الجماعات غير البشرية التي ترتبط بها الجماعات الأولى. أمّا نقيض الطوطمية فهو الاستدلال بالتماثل الذي يرى كما هو الشأن عند قبائل « دوغون في غرب إفريقيا أن كل كائن مشكّلٌ من مكوّنات عديدة ومتحركة. وهي مكونات لا يلغي بعضُها البعضَ الآخر، ويمكن أن تتعايش على مستويات مختلفة.

…عن جريدة الاتحاد الاشتراكي..11/20/2013