واشنطن والرباط.. دعم الحكم الذاتي للصحراء وتعزيز الشراكة

 

الإستراتيجية الشمولية التي وضعها العاهل المغربي محمد السادس لقطع الطريق على التطرّف الديني، هي مقاربة وجيهة أثبت فعاليتها على الصعيد الداخلي.

 

عن صحيفة العرب  [نُشر في 21/11/2013، العدد: 9386،

واشنطن- تزامنت زيارة العاهل المغربي إلى واشنطن بتزايد المواقف الداعمة لمقترح المغرب ذي الصلة بالحكم الذاتي المتّسع للصحراء المغربيّة ولطابعه السلمي الحكيم.

أبرز العاهل المغربي الملك محمد السادس أنّ «منطقة الساحل والصحراء أضحت مرتعا خصبا للجماعات الإرهابية والمتطرفة، ممّا يستوجب تضافر الجهود من أجل تحصينها، والعمل على جعلها فضاء للسلم والازدهار».

جاء ذلك في خطاب وجّههُ العاهل المغربي، أمس الأربعاء، إلى المشاركين في القمة العربية الأفريقية الثالثة المنعقدة بالكويت، وتلاه نيابة عنه رئيس الحكومة المغربية عبدالاله ابن كيران الذي يمثل الملك محمد السادس في هذه القمة.

كما أعرب العاهل المغربي عن أسفه لـ “حالة الجمود المؤسساتي التي يمرّ بها اتحاد المغرب العربي، الذي لم يتمكن، حتى اليوم، من لعب الدور المنوط به سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، رغم كونه يحاذي منطقة الساحل والصحراء ويواجه نفس المخاطر والتحديات”.

والمعلوم أنّ «اتحاد دول المغرب العربي»، الذي تمّ الإعلان عن تأسيسه عام 1989 في مدينة مراكش المغربيّة، يشكو شللا تامّا، ليس فقط بسبب الظروف المضطربة التي تشهدها بعض دول المنطقة، وهي تونس وليبيا، وإنّما بالأساس من جرّاء افتعال الجزائر نزاعا حول الصحراء المغربيّة ودعمها المالي والعسكري لما يُسمى بـ”جبهة البوليساريو” الانفصاليّة. وهذا رغم مبادرة المملكة المغربية، المرحّب بها دوليّا، والمتعلقة بمنح حكم ذاتي متّسع لصحرائها.

وعلى صعيد متّصل، شدّد جمع من السفراء الأميركيين السابقين في المغرب على أنّ دينامية الإصلاحات التي تشهدها المملكة «تستحق الدعم السياسي والمساعدة من الولايات المتحدة الأميركيّة من أجل المساهمة في تحقيق الاستقرار بالمنطقة وتحصينها ضد الأعمال الإرهابية التي تهدد شمال أفريقيا»

وأوضح هؤلاء الدبلوماسيون الأميركيون المعتمدون سابقا في المغرب، في رسالة وجهوها إلى الرئيس الأميركي باراك أوباما، أن هذا الدعم «يتعيّن أن يهمّ في المقام الأول الجهود المشروعة للمغرب والرامية إلى إيجاد حلّ نهائي لقضية الصحراء، من خلال منح حكم ذاتي موسع تحت السيادة المغربية»، مؤكّدين أن مقترح المغرب المذكور «يعدّ الحلّ الواقعي الوحيد لتسوية هذه القضية، وحتى يتمكن المجتمع الدولي من المضي قدما في فهم المشاكل الأكثر إلحاحا في المنطقة».

يُذكر أنّ العاهل المغربي الملك محمد السادس كان قد وصل، مساء أمس الأوّل، إلى واشنطن في زيارة عمل بدعوة من الرئيس الأميركي باراك أوباما.

واغتنم هؤلاء السفراء السابقون، الذين اشتغلوا في عهد خمسة رؤساء أميركيين، مناسبة زيارة الملك محمد السادس إلى الولايات المتحدة، من أجل حثّ الرئيس أوباما على «انتهاز هذه الفرصة، التي تأتي في ظلّ الاضطرابات وأجواء من عدم الاستقرار تشهدها منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والساحل… لدعم جهود المغرب من أجل تحقيق أهدافنا المشتركة في المنطقة».

ومن جانبه، أكد شارل سان برو، مدير مرصد الدراسات الجيوسياسية بفرنسا، أنّ جبهة البوليساريو تشكل عاملا أساسيا لعدم الاستقرار بالمنطقة.

وأوضح شارل سان برو في تدخل، الإثنين بالعاصمة الأوروبية بروكسيل خلال مناقشة أعقبت عرض فيلم وثائقي «هوية جبهة»، أنّ «البوليساريو، التي صنعتها الجزائر، تعتبر عاملا أساسيا لعدم الاستقرار على مستوى المنطقة، ومصدر قلق كبير».

وأوضح الباحث الفرنسي أنه لا يمرّ يوم واحد دون أن تتغلغل هذه الحركة في توجهها المافيوي، مشيرا إلى أنّ الوضعية المأساوية بمخيمات تندوف تكشف حقيقة هذه الحركة.

كما أكّد سان برو أنّه وراء البوليساريو توجد الجزائر التي تتحكّم في خيوط هذه الحركة، وتحاول إطالة أمد هذا النزاع المفتعل، الذي يعود إلى فترة الحرب الباردة، وقال مستطردا «إنّ كل العالم تغيّر، إلا النظام الجزائري الذي يعاند للحفاظ على مواقف تجاوزها الزمن، مع السعي للهيمنة والتوسع».

ومن جهته أبرز مصطفى بوه، سفير المغرب بأبوجا، والقيادي السابق في جبهة البوليساريو، أنّ هذه الحركة تحوّلت إلى مافيا حقيقية تُتاجر في كلّ شيء دون المبالاة بأوضاع الساكنة الصحراوية، مضيفا أنه لا ينبغي السقوط في الخلط، وذلك بالتفريق بين البوليساريو، كمجموعة سياسية عسكرية تُشكل ثمرة الحرب الباردة، وبين الساكنة الصحراوية المحتجزة في تندوف.

وأكد مصطفى بوه أنّ البوليساريو لم تكن قط سيدة قراراتها، لأنها تابعة بشكل كلي لنظام جزائري عنيد. وقال «نظرا لطبيعة هذا النظام يوجد نفس المسؤولين بهرم السلطة والذين كانوا وراء هذا النزاع، ولذلك يتعيّن، ربما، بروز جيل جديد من القادة الجزائريين قادر على بلورة مقاربة مختلفة، تؤدي إلى إيجاد حل لهذا النزاع المصطنع».

ومن جانب آخر، نشرت مجلة «فوربس مغازين» الأميركية، أمس الأوّل، مقالا تحليليّا خصّصته للوقوف على أهميّة زيارة العمل التي يقوم بها الملك محمد السادس إلى الولايات المتحدة، بدعوة من الرئيس الأميركي باراك أوباما.

وقد أكد صاحب المقال ريشارد مينتير، المتخصّص في شؤون منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أن «الزيارة التي يقوم بها الملك، الحليف الرئيسي لواشنطن، والعاهل الذي أطلق إصلاحات جريئة، تشكل مناسبة لتعزيز أسس شراكة متجدّدة بين الأمتين».

وأبرزت «فوربس مغازين» أنّ الإستراتيجية الشمولية التي وضعها الملك لقطع الطريق على التطرّف الديني، وهي مقاربة وجيهة أثبت فعاليتها على الصعيد الداخلي، تشكل اليوم حِصنا إقليميا ضد الجماعات الإرهابية التي تنشط بمنطقة الساحل والصحراء، وبأفريقيا بشكل عام.

استقبال حار لملك المغرب في واشنطن

واشنطن- وصل العاهل المغربي الملك محمد السادس، مساء أمس الأوّل، إلى واشنطن في زيارة عمل بدعوة من الرئيس الأميركي باراك أوباما. وقد حظي ملك المغرب باستقبال رسمي حار، واتّسم بالخصوص بتوافد المئات من أفراد من الجالية المغربية القادمين من مختلف ربوع الولايات المتحدة الأميركية وكندا، حيث لوّحوا بالعلم المغربي وبصور الملك محمد السادس، كما رفعوا لافتات كبرى تؤكّد على مغربية الصحراء وعلى التمسّك المبدئي الدائم بالوحدة الترابية للمملكة.

وأكّد عدد من المغاربة، الذين حلوا لاستقبال الملك محمد السادس، أنّ هذه الزيارة تكتسي طابعا «تاريخيا»، مُعربين عن قناعتهم بأنّها ستسهم بشكل وافر في تعزيز العلاقات العريقة والمتميزة بين البلدين.

وأبرز أبوبكر أبي السرور، مؤسس مدرسة «أكاديمية ابن خلدون» بواشنطن، أن زيارة الملك محمد السادس للولايات المتحدة تكتسي بعدا تاريخيا، بالنظر لكون الولايات المتحدة تعتبر المغرب حليفا إستراتيجيا منذ أمد بعيد، لاسيما على المستويات الاقتصادية والسياسية والأمنية.

وأضاف أن العلاقات المتميزة القائمة بين البلدين ما فتئت تتعزّز مع مرور السنين بفضل تطابق الرؤى ووجهات النظر بخصوص القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، مشيرا إلى الدور الرئيسي الذي يمكن أن يلعبه أفراد الجالية المغربية المستقرة بالولايات المتحدة الأميركية للمساهمة في تعزيز هذه العلاقات الثنائية وفق روح الشراكة والالتزام. وقال إنّه يتعيّن على الولايات المتحدة مواصلة دعم المملكة في خطواتها الإصلاحية التي تقوم على فضائل السلم والاستقرار.

ومن جهة أخرى، قال معتصم مرزاق، مدير وكالة أسفار بواشنطن، أن الزيارة الملكية لواشنطن تمثل خطوة إضافية هامة في مسار العلاقات المغربية الأميركية المتميّزة، معربا عن أمله في أن يشكل أول لقاء للرئيس باراك أوباما مع الملك مناسبة لتعزيز العلاقات الثنائية على جميع المستويات. وقال إنّ الإصلاحات السياسية والديمقراطية التي انخرطت فيها المملكة جعلتها تضطلع بدور ريادي على صعيد المنطقة العربية، مؤكدا استعداد الجالية المغربية للانخراط في هذه الدينامية والدفاع عن سيادة المملكة ووحدتها الترابية.

والجدير بالذكر أنّ وفدا مغربيّا هاما يرافق الملك محمد السادس خلال هذه الزيارة، ويضمّ بالخصوص مستشاري الملك الطيب الفاسي الفهري وفؤاد عالي الهمة وياسر الزناكي وكذلك ووزير الشؤون الخارجية والتعاون صلاح الدين مزوار ووزير الاقتصاد والمالية محمد بوسعيد والناطق الرسمي باسم القصر الملكي عبدالحق المريني.

وتهدف هذه الزيارة إلى إضفاء دينامية جديدة على الشراكة المتميّزة القائمة بين البلدين في مختلف المجالات وتعزيز الحوار الثنائي الاستراتيجي. ومن المنتظر أن تشكل مناسبة هامة للتباحث حول القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.