الإسلاميون.. فرس الرهان للإمبريالية الأميركية لخلق ‘الـفوضى الـخلاقة’

سلامة كيلة: يسار اليوم أحزاب ‘عواجيز’ وأزمة الرأسمالية ستدفع في اتجاه نهوض عالمي جديد.

  عن صحيفة العرب  وداد جرجس سلوم [نُشر في 22/11/2013، العدد: 9387،

سلامة كيلة مفكر فلسطيني سوري يخوض صراعا عربيا لأنه يعتبر أن المنطقة تواجه صراعا عربيا صهيونيا وليس فلسطينيا إسرائيليا، وبالتالي فهو مشغول بالثورات العربية التي وقف إلى جانبها منذ البداية ويعتبرها المعادل القادم لحل القضية الفلسطينية.

يؤسف سلامة كيلة أن أصبح هناك، بعد ما يقارب سنتين ونصف السنة من الثورات العربية، تشكيك لدى المشاركين فيها أو المراقبين لما يجري. ولهذا السبب، يقدم الندوات في كل زمان ومكان متاحين، على غرار الندوة التي أقامها بتاريخ السادس من شهر تشرين الثاني 2013 في العاصمة الأردنية، عمان.

يعتقد كيلة أن الثورات أتت بشكل مفاجئ وفي إطار اللامتوقع وكان يبدو أن اليأس هو الذي يحكم الشعوب التي كانت تبدو راكدة إلى حد كبير، لهذا حينما اندلعت الثورات بدا ذلك حدثا مفرحا ويستحقّ الاهتمام والمتابعة والمراهنة على أنه سيقلب الوضع بشكل كامل، وبقي هذا الحدث المفرح مسيطرا على الشعوب العربية إلى حين انتصار الإخوان المسلمين “المبهر” في مصر وتونس، وهنا بدأ التشكيك في الثورات.

ويوضح كيلة منطق المشككين، فمادام الإسلاميون هم فرس الرهان للإمبريالية الأميركية، إذا فالثورات قامت بفعل أميركي وبتحريك أميركي للشعوب من أجل الإتيان بالإسلاميين إلى السلطة، لخلق «فوضى خلاقة» والسيطرة على المنطقة لتأسيس الشرق الأوسط الكبير.

ويعتبر أن الشعوب العربية تعيش الآن حالة من التشكك وعدم اليقين، وعدم معرفة المسار، وهذا الوضع يفترض بالتالي فهم طبيعة الثورات وأهدافها ومطالبها، من أجل فهم إلى أين يمكن أن توصل، وكان لابد للمفكر الفلسطيني السوري من العودة إلى ما قبل الثورة التونسية لمحاولة فهم ما يجري: كان الوضع مثاليا لقيام الثورات، فالفئات الشعبية المفقرة باتت معنية بأن تحصل على ما افتقدته، وهي عناصر حيوية تتمثل في «إيجاد عمل للعاطلين عنه وأجر كافٍ للعيش وإعادة بناء التعليم والصحة والبنى التحتية»، وهذه الأساسات هي التي مهدت للثورات. أما الحديث عن الحرية والديمقراطية فقد كان من مطالب نخب من الفئات الوسطى والأحزاب بما فيها اليسار، واعتبرت مطلبها هو المطلب الشعبي العام، من هذا المنظور حينما نشأ صراع طبقي حقيقي في الشارع لم تكن تعرف ماذا تفعل وحاولت أن تُلبس هذا الحراك مطلبها، لهذا ظلت خارج إطار الصراع الحقيقي على الأرض، لا شك أن إعادة بناء النظم على أساس ديمقراطي انطلاقا من مبدأ المواطنة مسألة أساسية ومفصلية، ولكن تجاهل المطالب الأساسية للشعوب هو الذي أدى وسيؤدي إلى سوء فهم واقع الثورات، فحين تحتقن الشعوب وتتحرك من أجل التغيير لا تتوقف إلا بتحقيق تغيّر ما يكون جزئيا أو شاملا ولكن يجب أن يحدث تغيّر

ويرى أن غياب القوى السياسية الفاعلة في الثورات على سلبيته فهو أفرز إيجابية مهمة، وهي أن هذه الثورات قد أسست لنشوء عنصرين جديدين: العنصر الأول هو انخراط الشباب في العمل السياسي بعد عقود طويلة لم يكن الشباب معنيا خلالها بأي عمل سياسي وكانت الأحزاب القائمة حينها أحزاب شيخوخة، والعنصر الثاني هو أن الثورات نفسها فتحت الأفق لصراعات سياسية وفكرية كبيرة سوف تفرض إعادة النقاش والفهم والتفكير في كثير من المسائل.

عقد المخاض

ويطرح كيلة رؤيته إلى العقد القادم من الزمن في المنطقة العربية على الصورة التالية «لن نشهد نهاية هذه الثورات قبل أن تصل إلى تحقيق تغيير حقيقي، ولن نرى، مهما وصلت من قوى إلى السلطة، أن هذه الشعوب عادت لتكون خاملة وعاجزة عن أي فعل بل سنرى هذه الشعوب متحركة معنية بالتغيير وستنهض قطاعات شبابية حقيقية تستطيع أن تطور وعيها ومفاهيمها ورؤاها وأن تبلور أداءها وتفرض التغيير، لكن لأن تأسيس الأحزاب ليس سهلا وإنتاج الفكر ليس سهلا ً سنكون في مرحلة من المخاض الذي سنشهد فيه العديد من الانتكاسات والانهيارات، وأعتقد أن القوى الإسلامية لم ولن تعود قادرة على الوجود ضمن هذا الصراع السياسي لأنها باتت لا تملك برنامجا حقيقيا وليس لها قاعدة اجتماعية تحملها».

من هذا الوضع الذي يعتبره الكثيرون وضعا مثاليا لبداية التحرر والتطور التي حُرمت منها المجتمعات العربية لعقود تحت نير الاستبداد والديكتاتورية، ينهي سلامة كيلة ندوته قائلا «الشعوب لن تقف والنظم لن تستطيع المقاومة طويلا والمسألة الجوهرية باتت كيف تتنظم هذه الثورات بشكل حقيقي عبر قوى قادرة على قيادة التغيير لكي تنتصر الشعوب، ومن يعتقد أن الثورات انتهت يبدو منطقه شكليا وسطحيا ومن فقد الثقة سيجد أن الواقع سيتقدم عنه وسيوصل إلى بدائل حقيقية».

الاستقرار الطبقي

دارت معظم الأسئلة في إطار واحد تقريبا يتعلق بغياب رؤية للخروج من الأزمة، ذلك لأن محور الندوة كان محاولة لفهم واقع الثورات أكثر منه طرح تصور بديل لكيف يمكن أن يتبلور الوضع، ولكن كيلة خلال مقدمته أشار إلى أهمية الاستقرار الطبقي بالقول إن هناك طبقات شعبية مفقرة تمردت لأنها مفقرة وبالتالي هي تحتاج إلى حلول من أجل أن يستقر الوضع من جديد.

ويعتقد المحاضر أن الحل هو تغيير النمط الاقتصادي القائم الذي أسس لكل هذه المشكلات من نمط اقتصادي ريعي إلى نمط اقتصادي بديل يقوم على تطوير الزراعة وبناء الصناعة لاستيعاب فائض العمالة وإنتاج فائض مالي يضاف على أجور القطاعات الشعبية لتستطيع العيش.

وعادة تصبح الدولة هي الحل، وهي تلك الدولة التي تضع برنامجا اقتصاديا قادرا على حل مشكلات المجتمع، و”قولي إن الإسلاميين أصبحوا خارج المعادلة ليس لأني أريد أن أبعد هؤلاء”.

ولكن لأنهم عندما وصلوا إلى السلطة، تبين أنهم لا يمتلكون حلولا لأزمات الناس بل زادوها تأزما، ولم يغيروا في التكوين السياسي الاجتماعي الاقتصادي للنظم السابقة، إضافة إلى شكل السلطة الذي ظهر أنهم يؤسسونها، هذا ما دفع القطاعات الشعبية إلى أن تسقطهم، ومقولة إن الجيش هو الذي أسقطهم خاطئة، فالجيش استغل حالة الشعب الذي تمرد على هذا النظام ويريد إسقاطه، فدخل على الخط كما فعل مع حسني مبارك، لأنه في غياب القوى السياسية التي تقود الناس أصبح اللعب يأتي من داخل السلطة.

اليسار الجديد

وحول دور اليسار الذي كان غائبا عن معظم الاحتجاجات في الوطن العربي يقول اليساري سلامة كيلة «هناك مشكلة كبيرة في العالم، اليسار، الذي هو بقايا الاتحاد السوفيتي وبقايا ردود الفعل على الماركسية، كله بات مأزوما ويعيش حالة هي عبارة عن ترديد جملة المفاهيم التي تبلورت خلال الحرب الباردة والمتمثلة في الصراع ضد أميركا، وعدم قدرته على رؤية التحولات العالمية التي جعلت أميركا الآن حليفة لروسيا، من هنا تحولت هذه الأحزاب إلى أحزاب «عواجيز»، تفصلها هوة عن هذا الجيل الشاب الذي لم يستطع الاندماج فيها، وافترض أن الثورات ذاتها الآن تنتج يسارا مختلفا لأنها لن تنتصر ما لم تنتج هذا اليسار، ولن يكون هناك حل ما لم يكن ضد الرأسمالية نفسها، وها نحن نرى النظام الرأسمالي كله مأزوما، وأعتقد بأن المنطقة العربية بدأت حراكا ثوريا عالميا نتيجة أن السنوات العشرين أو الثلاثين الماضية جرى التركيز الإمبريالي الأميركي عليها بشكل جرّف الاقتصاد وجّرف السياسة وخلق حالة مهانة كبيرة فرضت أن تكون بداية هزهزة النظام الرأسمالي، هي تحرك هذه الشعوب في هذه المنطقة، والأزمة كما تبدو لي ستدفع شعوب العالم إلى ثورات حتى في البلدان الرأسمالية الأساسية نتيجة ما يسمى سياسة التقشف، وكل ذلك سيدفع في اتجاه نهوض عالمي جديد».

===============================

سلام كيلة

مفكّر فلسطيني (مواليد فلسطين 1955)، حائز على بكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة بغداد (1979)، والفاعل في عمل المقاومة الفلسطينية واليسار والماركسيّة العربية. اعتُقل لمدّة ثماني سنوات في حقبة حافظ الأسد، وأُعيد اعتقاله بعيد اندلاع الثورة السورية، قبل أن يُبعد عن سوريا نهائيّاً عام 2012.