الثقافة ليست قضية سياسية أو اقتصادية عابرة.. الثقافة أكبر بكثير

التصنيف : 22 نوفمبر 2013.

عن جريدة الاحداث المغربية

عبد الله العروي:عندما حاولت الكتابة بالدارجة

 

الثقافة ليست قضية سياسية أو اقتصادية عابرة.. الثقافة أكبر بكثير

 

كما كان متوقعا، أثار الجزء الأول من الحوار الذي نشر أمس ردود فعل عديدة في أوساط المهتمين والمثقفين وعموم القراء المغاربة، وهي مسألة مفرحة لأنها تدل على أن الوهم السائد بانعدام اهتمام الناس بقضاياهم الكبرى هو وهم خاطئ تماما. أيضا هو أمر مفرح لأنه أكد لنا صواب الاختيار وأكد لنا صدق الحدس المهني الذي  جعلنا نراهن على كبير  من أكابر القوم في المجال لكي نستمع إلى رأيه في الموضوع الحساس والحيوي المسمى لغتنا وهويتنا.
العروي الكبير له الأوراق المغربية, وهو القادر على الحديث دون مواربة عن زمن السياسة عبر ديوانها, وهو “الغربة” وهو “اليتيم” وهو أيضا مجمل تاريخ المغرب,  فمفهوم الإيديولوجيا الشهير, ثم مفاهيم الحرية والدولة  قبل مفهوم التاريخ,  وهو الخواطر الصباحية الشهيرة وبقية المؤلفات التي تعد إسهاما فعليا وحقيقيا في التأسيس لفكر مغربي آخر, منطلق, حر, له العلاقة المثلى بالمعرفة التراثية: علاقة الرغبة في النهل منها حد الاستفادة ثم المرور إلى الأشياء الأخرى.
لذلك كان ضروريا الإنصات لصوته في النازلة. والنازلة هنا أمر جلل للغاية يسمى لسان الناس ولغتهم, خصوصا بعد دعوة أطلقتها توصيات صادرة عن ندوة علمية من أجل تبني التدريس بالمغربية الدارجة خلال سنوات التعليم الأولى.
صوته أتى يوم الحديث الأول معه عن الموضوع حاسما ولا يقبل أي نقاش: أريد أن أتحدث في هذا الموضوع.وهي ليست المرة الأولى فقد تعود أن يدلي بالدلو المعرفي الكبير دائما حين الجد، من ربيع العرب إلى قضية المغاربة الأولى «الصحراء المغربية».
في مثل هاته اللحظات تحس بوزن المثقف الفعلي وقد تبنى خيار الإسهام حقا في نقاش بلاده ومواطنيه, وقرر ألا يبقى في البرج العاجي الشهير الذي يهرب إليه  أمثاله تخوفا أو تحرجا أو تزلفا أو اختيارا للبقاء غير مبالين نهائيا.
هو أصلا فعلها أيام 20 فبراير, وأيام ما عرف بالربيع العربي, وأعطى رأيه الواضح والصريح في الحكاية ككل, وهو يعود ليفعلها مرة أخرى هنا في قضية اللغة المغربية المعربة من خلال حديث طويل عريض لا يترك أي تفصيل إلا ويطرقه لكي يصل في الختام إلى مايعتبره الصواب اليوم, ولكي يطلق النداء واضحا وصريحا من أجل عدم التفريط بسهولة في الثقافة العربية واللغة في مقدمتها شرط القدرة على التطوير وعلى الالتحاق بالزمن الحديث, زمن كل اللغات خصوصا منها الإنجليزية.
على امتداد ثلاث ساعات تحدث الكبير العروي بكل صراحة, وبكل صدق, وبكل إيمان واضح وظاهر بالقضية. قضية اقتناعه أن وراء الأكمة أشياء يجب أن تقال لئلا يقال في يوم من الأيام إنه صمت ولم يعلن الموقف مثلما يجب أن يخرج إلى العلن.
في بهو الهيلتون الرباطي الشهير, لم يترك لآلة التسجيل فرصة الانطلاق ولم يترك لنا فرصة الجلوس لكي يشرع في الحديث “هذا الموضوع وحده استطاع أن يخرجني من مقبعي, لأنني لا أستطيع السكوت عنه, ولابد من قول بعض الكلام”.
ذلك الكلام, كله أو بعضه, أو ما اقتنصت آلة التسجيل من بحار العروي, ومابقي في الذاكرة من اللقاء, وما يجب أن يصل إلى الناس في هاته اللحظات هو المكتوب على امتداد حلقات  الحوار, رسالة من مؤرخ ومفكر وكاتب كبير يمتلك كل شرعيات الحديث عن الموضوع, ويمتلك أساسا شجاعة الإقدام على الخوض فيه في لحظة قرر فيها العديدون أن يتناولوه إما بالاعتداء الجاهل عليه, أو بالتجريح في مخالفيهم الرأي, أو باختيار الاصطفاف العقيم وراء المسلمات الجاهزة دون رغبة في الفهم, أو حتى محاولة “ارتكاب” هذا الفهم قبل الانطلاق في التنظير والكلام الكبيرين.
نصيخ السمع لعبد الله العروي في الجزء الثاني من  الحوار, ونسمع منه كل الكلام. لنتابع

 

وقفنا بالأمس عند سؤال نصوص الدارجة التي سيدرسها التلميذ عندما يصل إلى مستوى دراسي معين، وأن الدارجة فقيرة على هذا المستوى، ولن يجد التلميذ ما يدرسه، عكس العربية الغنية بنصوصها وما تحمله من معاني وإيحاءات.

 

أنا مسكون بهذه القضية ومثقل بأسئلتها لأنني حاولت في المشروع الأصلي لرواية “اليتيم” أن أكتب بالدارجة، وفكرت في كتابته من أوله إلى آخره بالدارجة بلا نقطة ولا فاصلة، ولكن شيئا فشيئا بدأت مستويات الكتابة تختلف. مستوى الدارجة خاص بالتواصل فقط، ثم مستوى العربية لما ترتفع وتتعقد تعابيرها وإيحاءاتها وإحالاتها. يمكن أن أقرأ مقطعا من هذه الرواية لتقف بالملموس على ما قلت. لا يحضرني الآن مقطع التواصل بالدارجة، ولكن المقطع المكتوب بالعربية يقول “وماذا تركت لتشاهديه معي؟ بجانبك أشاهد كل شيء من جديد، انتظرت هذه الدقيقة منذ خمس عشرة سنة. نعم طالما تمنيت أن ترى البندقية في الشتاء. ها فصل الشتاء وها أنت في البندقية. ماذا فعلت في الغربة طوال هذه السنين؟ حسبت الأيام، ثم تخيلتك، وعشت مع غيري، لقد أعانوني على الحياة. نسيتك فتذكرتك، ثم نسيتك فتذكرتك. هذه دقائق مفصولة من الماضي، وعن المستقبل، وهذه مدينة مقطوعة عن الغرب والشرق، كنائسها كالمساجد، لنبتعد برهة عما قد وقع، وعما قد يقع. إننا هنا بسبب أشياء وقعت منذ أزمان متقادمة، لنفرض أنها حدثت البارحة، لنفرض، ولنذهب حيث يجتمع الشباب. أفضل أن أرى امرأة مسنة، شعرها أبيض، تشده سفيفة زرقاء، ينظر إليها زوجها، قميصه من الصوف الملون وكأن لم يمر على زواجهما إلا يوم. سنبحث اليوم أو غدا عن السقاية المشؤومة، سقاية الموت في البندقية. سنذهب إلى الأكاديمية لنرى العاصفة وانفجار الساعة، وفي متحف كوكنهاي لوحة ماكريت، زرقة ماكريت، والقبر الصغير المكتوب على رخامه “إلى أولادي الأعزاء”، ومن هم هؤلاء أصحاب الأسماء اليونانية، أولاد يتامى، بل كلاب. العطف على الحيوان سخط على الإنسان، والعطف على الإنسان سخط على القدر، وتعلو وجه ماريا موجة من اليأس”. كيف كنت سأكتب كل هذا بالدارجة؟! لا يمكن كتابته بالدارجة لأن فيه إيحاءات، إيحاءات البندقية وهيمنغواي وتوماس مان. هذا تراكم مائتي سنة، وتلاقح بين هذه الحضارة واللغة العربية المكتوبة التي استطاعت أن تستوعب هذه المعطيات في عمقها، وتعبر به بهذا الأسلوب. بالتالي، علينا أن ننتظر مائتي سنة أخرى حتى ننجح في فتح الدارجة على هذه المعطيات ونحقق فيها كل هذه التراكمات! وعلينا أن ننتظر مائتي سنة حتى ننجح في التعبير بالدارجة تعبيرا أدبيا محملا بالإيحاءات! هل نملك الزمان الكافي لتحقيق هذه النتيجة التي تستطيع العربية تحقيقها دون مشاكل؟ هل استوعب نور الدين عيوش وكل الدعاة إلى التعبير بالدارجة هذه الحقائق؟ هل فكروا فيها وفي مضيعة الوقت التي يستدعيها بناء الدارجة؟ ما يدعون له ليس بالبساطة التي يتصورونها، والقضية لا صلة لها باستعمال بعض التعابير بالدارجة مثل “ما تقيش ولادي”، وانتهى الأمر. هذه القضية يجب أن يبتعد عنها الأشحاص الذين لا علاقة لهم بالثقافة لا من قريب ولا من بعيد، ولا حق لهم في أن يتدخلوا في أمور كبرى تقتضي التسيير والتخطيط لمستقبل شعب بكامله. الثقافة ليست قضية سياسية أو اقتصادية عابرة، الثقافة أكبر بكثير.

 

وماذا عن تمغربيت والخصوصية المغربية؟

 

أما مسألة “تمغربيت” فأقول عنها إنها تعود إلى نوع من الانعزالية، وأظن أن رجل السياسة بالمغرب لا يمكنه اليوم أن يطبق هذه السياسة الانعزالية، ولكن أنا باعتباري رجل ثقافة لدي الحق في أن أميل مع هذا الاتجاه أو ذاك. لهذا أقول في قضية الدعوة إلى التدريس بالدارجة، أرفضها وأنا أعتز بمغربيتي وخصوصيتي، وهذه مسألة لا علاقة لها بقبول تلك الدعوة، ولا بشعوب الشرق، وإنما لها علاقة بثقافة وبمخزون ثقافي، يضم كتاب “ألف ليلة وليلة” و”بخلاء الجاحظ” و”كليلة ودمنة”. في قراءاتي الكثيرة لبخلاء الجاحظ، أقف في كل قراءة على أنني أقرأ كتابا جديدا لم يسبق لي أن قرأته. هل نتخلص من هذا الكتاب ونمحوه من ثقافتنا بدعوى أنه لا يمت بصلة إلينا، وأنه كتاب كتب في البصرة؟! نتخلص من البخلاء ومن ألف ليلة وليلة والأدب الأندلسي، فماذا سيتبقى لنا في المغرب؟! ستتبقى لنا تمغربيت؟! أسأل هنا، ما هي الثقافة المغربية؟ ستقول الثقافة المغربية هي اليوسي، سأرد عليك بأن اليوسي كتب محاضراته باللغة العربية، ولم يكتبها بالدارجة أو الأمازيغية، والأمر نفسه بالنسبة للمختار السوسي. هل نطوي صفحة هذه الثقافة المغربية المكتوبة بالعربية ونبدأ من جديد كأننا شعب ليست له ثقافة مكتوبة، ويريد أن يخدم ثقافته الشفوية؟! لهذا السبب رفضت منذ أول كتاب كتبته، وهو “الإديولوجية العربية”، ما سميته “الثقافة الفلكلورية”. لماذا رفضت هذه الثقافة؟ حتى لا نجد أنفسنا في ذلك المستوى البدائي الذي هو في طور الانفتاح على الكتابة والمكتوب اللذين التحق بهما الإغريق منذ ثلاثين قرنا، والعرب منذ ما يقرب من عشرين قرنا، ويأتي البعض منا ويقول، الآن في القرن الواحد والعشرين، علينا أن نبدأ من الصفر ونهتم بتمغربيت واللغة المغربية الشفوية كأننا لا نتوفر على لغة مكتوبة وعلى ثقافة مكتوبة! نتنكر لتلك اللغة وتلك الثقافة وندعو إلى الاهتمام بالدارجة ونكتبها ونخدمها لتصير بعد مائتي عام لغة وطنية قادرة على إنتاج الثقافة المكتوبة!

 

ولكن هناك تجارب عدة شعوب استطاعت أن تستقل بلغاتها الوطنية.
يا سيدي، أنا مستعد لتقديم أمثلة على هذا الصعيد. هناك مثال الهولنديين الذين مرت عليهم الآن أربعة قرون حين سعوا إلى الانفصال عن إسبانيا التي لا يجمعهم بها لا الدين ولا اللغة، فكتبوا لغتهم المحلية، وصارت الهولندية كما كتبت تدل على مستوى أعمق من اللهجات الألمانية الأخرى، لأن تلك اللهجات ظلت شفوية، بينما الهولندية صارت لغة مكتوبة، لكنها بالمقابل حفظت وجمدت في هذا المستوى ولم تتجاوزه مقارنة بتلك اللهجات التي استمرت حية. الهولنديون متقدمون الآن اقتصاديا وسياسيا، ولكن من يهتم في العالم بالثقافة الهولندية؟! ومن يقرأ ما يكتبه الكتاب الهولنديون بلغتهم الوطنية؟! هل سبق لك أن قرأت لشاعر هولندي ما كتبه من شعر بلغته الهولندية؟ هل قرأت لروائي هولندي؟ الجواب معروف على أن الثقافة الهولندية أنتجت شعراء وقصاصين وروائيين من الطراز الرفيع، لكن لغتهم المحلية حالت دون شهرتهم على الصعيد العالمي. مبدعون كبار ولا أحد يعرفهم خارج هولندا، بل منهم من اضطر إلى الكتابة بالإنجليزية حتى ينجح في مغادرة لغته الوطنية التي تحكم عليه بالانغلاق، وهذا ما قام به المختار السوسي حين قرر الكتابة بالعربية حتى تعرف كتاباته انتشارا أوسع. المختار السوسي كان يتحدث في بيته وحياته اليومية بالسوسية، فتخيل معي لو أنه كتب “المعسول” بالسوسية فمن كان سيقرأ ذلك الكتاب الذي ما زال إلى اليوم مقروءا ويثير أسئلة قرائه من غير السوسيين. هنا أنتقل إلى المثال الثاني، يتعلق الأمر بجيمس جويس الذي عاش في محيط إيرلندي يعادي اللغة الإنجليزية ويدافع عن اللغة الوطنية اللسلتية القديمة والخصوصية الإيرلندية مقارنة بثقافة الإنجليز ولغتهم. عاش جويس في هذا المحيط الذي يحتفي باللغة المحلية على مستوى الشعر والأغاني والمسرح، وكتابة هذه المستويات، لكن الروائي ارتأى ألا يؤدي ثمن الخطأ الذي ارتكبه أجداده الأبعدون الذين لم يطوروا لغتهم ولم يكتبوا بها، وفضل أن يعيش خارج وطنه الأم، وأن يتعامل مع اللغة الإنجليزية كأنها لغة قابلة للافتراس. تعامل معها كأنها لغة مفترَسة، يفترسها أثناء الكتابة بها، بحيث لو قرأها إنجليزي فسيقول هذه ليست لغتي الإنجليزية التي أعرفها وأتقنها. لو كتب جويس رواياته المشهورة الآن بلغته الوطنية، من كان سيطلع عليها ويقف على براعة روائي من الطراز الرفيع؟ سيقرؤه الإيرلنديون الذين لا يتجاوز عددهم أربعة ملايين نسمة، وأما الذين هاجروا إلى الولايات المتحدة فلا يعرفون لغتهم الأم. أنتقل إلى الهند التي تصل لغاتها المحلية إلى مائتي لغة، كل مقاطعة تتحدث لغتها الخاصة بها، واللغة الرسمية ليست هي السنسكريتية، اللغة الدينية القديمة، وإنما الهندوستانية التي يتحدث بها أكثر من مائتي مليون هندي، ومع ذلك لا يعرف من الهنود إلا من يكتب بالإنجليزية. أكثر من ذلك، اللغة البنغالية التي يتحدث بها أكثر من ثلاثمائة مليون من البشر، فطاغور الكاتب البنغالي الشهير، ألف كتبه بالإنجليزية، ولم يكتبها بالبنغالية التي تزخر بثقافة وآداب عريقة، لو كتبها بلغته الوطنية لظل حبيس بلاده ولن يعرف الشهرة العالمية التي حازها.

 

حتى لا نبتعد عن موضوعنا، اللغة العربية الفصحى لغة رسمية رسمها الدستور، أما خانة اللغة الوطنية فما زالت شاغرة، وتنظر الملء باعتماد اللغة المغربية التي تتحدث بها الأغلبية الساحقة من المغاربة.

 

تمعن في ما سأصرح به. ذهبت بعيدا في قبول أن تكون الدارجة لغة التدريس في السنوات الأولى من التدريس الابتدائي. هذا هو ما يطلبه نور الدين عيوش. بل ذهبت أبعد من ذلك، حين دعوت إلى كتابة الدارجة بحرف خاص بها يميزها عما سواها. لم أقف عند هذا الحد، بل ذهبت بأن اعتماد الدارجة في التعليم الابتدائي، لا يمنع من النبوغ في العلوم والتقنيات والفنون. هناك نقطة واحدة ظلت معلقة، وهي الثقافة الأدبية. إذا اعتمدنا الدارجة لغة مكتوبة سينقطع المغاربة عن الثقافة العربية وما أنتجته طيلة قرون من إرث ثقافي وأدبي، وما زالت تنتجه. الأمر هنا لا يتعلق فقط بقطيعة مع الشرق العربي وشعوبه، وإنما سيتعلق بقطيعة مع الحضارة العربية ومع ما ساهم به المغاربة وأهل الأندلس في تلك الحضارة. إذا اكتفينا بتعليم الطفل الدارجة فستنقطع صلته انقطاعا كليا بتلك الحضارة وثقافتها.

 

ستحدث هذه القطيعة إذا تم إقصاء العربية الكلاسيكية من الحقل اللغوي المغربي، أما إذا لم يقع ذلك الإقصاء واستمر استعمال تلك العربية فلن تحدث تلك القطيعة وسيستمر اتصال المغربي بالثقافة العربية والتفاعل مع ما أنتجته وما زالت تنتجه.
حاول أن تستوعب تصوري للقضية. سيكون ذلك بالتدرج كأنك تقود سيارتك وتنتقل من السرعة الأولى إلى السرعة الثانية فالثالثة والرابعة. إذا انطلقت في تعليم الطفل بالدارجة فقط، لا يمكن أن تنتقل به بعد ثلاث سنوات، إلى أن يختار بين إحدى اللغات الأجنبية واللغة العربية الموحدة وليست العربية الكلاسيكية.

 

أنا لا أسميها عربية كلاسيكية، ومن هذا الذي يتكلم العربية الكلاسيكية الآن؟!

 

لا يوجد شخص يتحدث بها، وإنما هناك من يكتب بها. في دردشتنا الآن، لا نتحدث بالدارجة كما يتحدث بها الناس في الشارع وحتى في البيت، وإنما نتحدث بلغة بين بين، بين الدارجة والعربية، إنها اللغة الوسطى. لنأخذ الصفحة الساخرة التي تنشرها يوميا جريدة “الأحداث المغربية”، وهي بالمناسبة صفحة مكتوبة بغير العربية، وأتمنى أن تعرضوها على شخص مستواه التعليمي بسيط لم يتجاوز المستوى الثالث ابتدائي، وتطلبوا منه قراءة ما كتب فيها، أكيد سيلاقي صعوبة كبيرة في قراءة ما تسمونه دارجة. اللغة التي تكتبون بها تلك الصفحة الساخرة، لغة لا يمكن أن يقرأها إلا الذي يقرأ بالعربية الفصحى. إذن ما معنى هذا الاستنساخ؟ إذا كانت هناك صعوبات في تدريس العربية التي أسميها معربة، وكانت هذه اللغة تعاني من مشاكل، فعلينا أن نقوم بتيسير تلك الصعوبات وإصلاح المشاكل التي تعاني منها، وإصلاح تلك العربية ليس بإبدالها بالدارجة، لأن الدارجة لا تصلح لهذه المهمة التي تطلبون منها، فهي أكبر منها بكثير.

 

إذن، تعترفون بكون العربية تعاني من مشاكل وتعيش أزمة حقيقية.
نعم، ولكن هذا لا يعني إصلاح مشكل بمشكل أكبر منه. لا يمكن إصلاح مشاكل العربية بالدارجة، لأن الدارجة تعاني من أزمة أكبر، بل أخطر من أزمة العربية. مع ذلك يمكن أن أجيب عما طرحته. الذين ينادون بتبني الدارجة لغة للتدريس والكتابة، لم يطلعوا على ما كتبه ابن خلدون في مقدمته. ابن خلدون عرض نقاشا طويلا وعريضا حول الدارجة، ويقول إن الدارجة لغة قائمة بذاتها، ولكن ابن خلدون يفسر في الوقت نفسه، لماذا تأخر المغاربة في النطق بأصوات العربية مقارنة بالمشارقة، ويستحضر الكتاتيب القرآنية وقراءة القرآن جهرا، لأن الغاية من تلك القراءة ليست الحفظ ولا الفهم أو التدين، وإنما بغاية إصلاح النطق ومخارج الحروف نتيجة ما أصابها من تأثيرات الأمازيغية وأدت بالمغربي إلى كثرة الإذغام وغياب المصوتات، وأبعدته عن النطق السليم لأصوات العربية كما ينطقها السوريون والمصريون. الغاية إذن هي توحيد النطق ومخارج الحروف، بحيث يمكن أن تكون قادما من موريطانيا أو من العراق، ولكن تنطق الحرف العربي كما ينطقه الآخرون. هذا نظريا لأنه صعب الحدوث، ومع ذلك كان الرهان على التوحيد على مستوى مخارج الحروف. أقول هذا لأتوجه إلى الدعاة إلى تبني الدارجة لغة للتدريس والكتابة، وأستحضر عبارة “ما تقيش ولادي”، لو كانوا يتقنون النطق بمخارج حروف الدارجة كما ينبغي النطق بها لما كتبوا “ما تقيش”.

 

ماذا أصاب هذه العبارة؟

 

كل مغربي ينطق لغته نطقا سليما ويحافظ على مخارج الحروف كما هي، سيقول “ما تقيسش”، وليس “ما تقيش”. ماذا سيفعل الدعاة إلى تدريس الدارجة وهم يتوجهون إلى طفل صغير السن، هل سيقولون له “ما تقيش”، أو “ما تقيسش” حتى يستوعب النفي الواقع في فعل “تقيس” قبل أن تدخل عليه “ما” المستعملة للنفي، وأن “ش” لحقت ب”تقيس” لرسم ذلك النفي للفعل. لاحظ هنا أنك لم تغادر لغة سيبويه ولم تتخلص منها وأنت تسعى إلى تدريس الدارجة ووضع نحو لها. زيادة على مناطق كثيرة من المغرب، لن تستعمل عبارة “ما تقيسش”، وإنما ستستعمل عبارة “ما تمسش”، وأكتفي بالتلميح إلى من يستعمل عبارة “ما تقيسش”.

 

* مفكر ومؤرخ مغربي

 

حاوره : المختار لغزيوي/ جمال زايد