المثقّف والعنف

أو كبش الفداء في مشهد المدينة

الجمعة 22 تشرين الثاني (نوفمبر) 2013

 


1 – إذا انطلقنا من تعريف بسيط للمقدّس يقوم على مقولة المناعةimmunité ، فإنّنا نعتبر المقدّس من هذا المنظور هو كلّ ما يحمي وجود الإنسان، ويحافظ على أسباب وجوده وشروطها. ثمّ إذا اعتبرنا أنّ “ما لا يلمس” intouchable هو تعريف ممكن للمقدّس فإنّ هذا التّعريف يكمّل الأوّل لأنّ “ما لا يلمس” هو طريقة في حماية وجود الإنسان. وقد كانت تجري هذه الحماية قديما بالدّخول في الحمى الإلهي، أي في فضاء محرّم يدخل في حوزة الإلاهي. فكلّ من كان في فضاء مقدّس محميّ بقاعدة “ما لا يلمس” هو محرّم قتله أو الاعتداء عليه لأنّه خارج الاستعمال البشريّ وقوانينه.

 



2 – في الأزمنة الحديثة تغيّرت بنية المقدّس، لأنّ ما يحمي الإنسان إنّما هي الدّساتير والقوانين والمعاهدات المدافعة عن حقوق الإنسان، ومؤسّسات الدّولة من جيش وشرطة وحرس وحماية مدنيّة. ويبدو أنّ هذه الأجهزة غير كافية لتوفير الحماية إذا اشتغلت على نحو مَرضيّ، حين تستخدم لتدمير الإنسان بانتهاك كلّ حماية رمزيّة كان يوفّرها القانون. وعندما تتعرّض أبنية المناعة الرّمزيّة للانتهاك بتعطيل المقدّس، فيصبح “ما لا يلمس” الّذي كان يحمي المقدّسـ(ات) مدنّسا ملوّثا، أي أصبح داخلا في الاستعمال البشريّ، تنفجر قوى العنف على نحو شبيه بعلبة بندورا حين انفتحت في الأسطورة، فانطلقت منها كلّ الشّرور الحبيسة.

 



3 – نعتبر المثقّف الّذي ولد تاريخيّا من صرخة زولا “أنا أتّهم j’accuse” في قضيّة درايفوس الشّهيرة البداية الفعليّة لوظيفة المثقّف الأساسيّة وهي حماية المقدّس وحراسته. ويمكن أن نضيف كلّ من يضطلع بوظيفة حماية المقدّس، أي يدافع عن حقوق الإنسان في التّعبير والاعتقاد والتّفكير والعيش الكريم… هو المثقّف. فإذا سلّمنا بأنّ هذه الحقوق وغيرها من الأنظمة الّتي توفّر الحدّ الأدنى من الحماية لكلّ إنسان، وأنّ هذه الأجهزة تمثّل جميعا جهاز المناعة الرّمزي، أضحى المثقّف بهذا المعنى حارس هذا الجهاز.

 



4 – ينهض المثقّف بهذا الدّور أساسا في فضاء المدينة العموميّ. فطريقة تشكيل الفضاء تحدّد طريقة انعقاد العلاقات السياسيّة الجديدة بين المواطنين، والحاكم والمحكوم أيضا، والأهمّ من كلّ ذلك تحدّد شكل الوجود معا في الفضاء السّياسيّ. وليس المثقّف مجرّد شخص أو فرد من أفراد الشّعب إنّما هو الّذي يمثّل شكل الوجود الجديد في الفضاء العموميّ.

 



مثال: إنّ الجدل الّذي أثير بعيد الثّورة، وعاد بنا إلى أصل العلاقة بين الدّين والدّولة على نحو جذريّ، إنّما هو جدل يتعلّق بالهويّة. وهو جدل قد طرح على نحو جذريّ سؤال الهويّة: من أكون؟. وهو سؤال خطير لأنّ سؤال “من أكون؟” سيحدّد لا محالة الجواب عن سؤال آخر: “أين أكون؟” فطريقة وجودنا في الفضاء السّياسيّ هي الّتي ستحدّد هويّتنا، وليس العكس. فعندما تختار المرأة أن تكون خارج البيت دون حجاب، فإنّ موقعها هذا من الفضاء العموميّ ينبغي أن يترجم في العقد الاجتماعيّ الّذي يصوغه الدّستور الجديد بألفاظ تترجم موقعها الجديد.
5 – إنّ خروج الشّعب بكلّ فئاته المختلفة إلى الفضاء السّياسيّ العموميّ خصوصا بعد الثّورة، لهو خروج ذو دلالة بالغة على تحوّل عميق جدّ في بنية هذا الفضاء. فقد أصبح هذا الفضاء فجأة محتلاّ من جموع الّذين “لا نصيب لهم” و“لا أصوات لهم”، ممّن لم يجدوا لهم مكانا في الجسم السّياسيّ السّابق. وما خروجهم إلى الفضاء العموميّ إلاّ الفعل الأوّل البسيط لكلّ عمل سياسيّ، أو لكلّ تسييسpolitisation . بل إنّ هذا الخروج هو عمل ديمقراطيّ بما أنّ الفعل السّياسيّ والعمل الدّيمقراطيّ سيّان. وإذا ربطنا هذا التّحوّل بوظيفة المثقّف وجب أن نقول: إنّ دور المثقّف هو في جوهره سياسيّ، بمعنى أنّه يعمل باستمرار على توفير إمكانات نجاح الفعل السّياسيّ الدّيمقراطيّ. ذلك أنّ النّظام الّذي يمنح كلّ النّاس حقّ التّعبير بكامل الحرّيّة هو النّظام الّذي يسمّى الدّيمقراطيّة، أي النّظام الّذي يقصي “الحيلة السّياسيّة”، على حدّ تعبير كانط، من الفضاء العموميّ (1) حتّى يظلّ السّلم الاجتماعي دائما. ولأجل ذلك كان هدف كلّ الأنظمة المناوئة للدّيمقراطيّة هو تعطيل العمل الدّيمقراطيّ أي اللاّتسييس la dépolitisation، بإبطال الصّراع السّياسيّ.

 



والطّريف في هذا السّياق أنّ عمل اللاّتسييس la dépolitisation قد جرى في تاريخ تونس القديم، في العهد الرّومانيّ تحديدا، بواسطة الخبز والسّيرك. فقد شيّد الرّومان المسارح وحلبات الصّراع الدّمويّ بين المصارعين من العبيد والمرتزقة. وعبر هذه المؤسّسات الّتي كانت تُذكي لدى الجماهير الرّومانيّة عطشها إلى العنف الحيوانيّ، أصبحت “الألعاب والخبز” تقنية في الحكم قد رعتها الإمبراطوريّة منذ عهد جوفينال Juvinal (2). لقد ظلّ الشّعب الرّوماني طيلة ستّة قرون من سنة 200 ق.م إلى 400 ب.م، وهي السّنة الّتي منع فيها الأباطرة الرّومان المسيحيّون هذه الاحتفالات، محكوما بشيئين “الخبز” وعروض القتال في السّيرك.

 



6 – لم تحتلّ جماهير الثّورة التّونسيّة الفضاء العموميّ لتجعله كالحلبة الرّومانيّة القديمة فضاء للقساوة والعروض الدّمويّة، وإنّما احتلّته لإطلاق العنان لانفعالاتها العنيفة حتّى يكون صوت من “لا نصيب لهم” مسموعا في الفضاء العموميّ. وهذا جوهر الفعل السّياسيّ الثّوريّ. غير أنّ هذا لم يدم طويلا لأنّ قوى المانعة لهذا الفعل السّياسيّ، أي القوى الّتي تسمّى في وعي الشّارع السّياسيّ، أو الحسّ المشترك، بـ“الرّاكبين على الثّورة” قد قامت بعمل مضادّ، يسمّى عمل اللاّتسييس la dépolitisation.

 



7 – عندما يشتغل عمل اللاّتسييس تتعرّض أبنية المناعة الرّمزية بالضّرورة للخطر. ومن علاماته انفجار العنف بأسماء كثيرة تسوّغ ممارسته، منها “الشّعب”، و“الثّورة”، و“حماية الشّعب من…”، أو “حماية الثّورة”… أو “تحصين الثّورة”… وهي تسميات متكرّرة في تاريخ الثّورات. والعجيب أيضا هو أنّ ما يتكرّر في تاريخ الثّورات أيضا هو أنّ هذا العنف حين ينفجر ينصبّ بالدّرجة الأولى على المثقّف. فيتحوّل كلّ من اضطلع بهذا الدّور إلى “كبش فداء” يستقطب قوى الجماعة الغضبيّة، فيضحي موتُه قتلاً طريقةً من طرق التّطهير، بالمعنى المسرحي التّراجيديّ للكلمة، تستعيد به المجموعة توازنها وتماسكها.

 



8 – لن نستأنس بنظريّة روني جيرار في العنف ولا بأفكار بيتر زلوترداك في مسألة القوى الثّيموسيّة أو الغضبيّة، فهذا مفيد في فهم ظاهرة العنف في مجتمعاتنا الحديثة، خاصّة العنف المقدّس الّذي يجري هذه الأيّام باسم الدّين، أي بضرب من التّطهير والطّهريّة الجديدة، وهي في رأينا مظاهر ممتازة من أزمة أبنية المناعة الرّمزيّة ببلادنا، وإنّما نريد أن نحصر الاهتمام في فرضيّة “كبش الفداء” لأنّها تفسّر بعض الشّيء حدثين من أحداث العنف البارزة الّتي عرفتها تونس قبل الثّورة وبعدها، هما اغتيال الشّهيد شكري بلعيد، واحتراق الشّهيد محمّد البوعزيزي.

 



9 – الحدث الأوّل، أجمع الفاعلون السّياسيّون بأنّ ميتة الإنسان والمواطن شكري بلعيد لا يمكن أن تُصنّف في نطاق الجريمة العاديّة، وإنّما تُصنّف ضمن نوع آخر من الجرائم يسمّى “الاغتيال السّياسيّ”. وتصنّف هذه الجريمة ضمن هذا النّوع لأنّها حدث عنيف، بالغ العنف، جعل القتل يتحوّل إلى اغتيال. وجعل الإنسان شكري بلعيد ينقلب إلى كائن آخر رمزيّ عبر تسميات متقاربة في سجلّها: الزّعيم، والمناضل، ورئيس حزب، والمعارض، الشّهيد، وكلّها ترتبط باسم الضّحيّة شكري بلعيد. وقد تعمّدنا الإكثار من النّعوت الّتي وصف بها الإنسان شكري بلعيد لنبيّن أنّ هذا الشّخص الّذي يحمل اسم “شكري بلعيد” قد رشّح بهذه الصّفات ليصبح ناهضا بدور كبش الفداء. يمكن أن يقتل المرء، ولكنّ مقتله يظلّ مجرّد جريمة من جرائم السّلم أو الحرب الّتي يعاقب عليها حتما القانون. فحين يقتل شخص قد اتّصف بهذه النّعوت التّمييزيّة فإنّ رأسماله الرّمزيّ تعلو أسهمه في بورصة القيم. يمكن أن نتساءل كيف يصنع كبش الفداء؟ فلا يولد المرء ليكون كبش فداء، وإنّما بطقوس كانت في القديم تقام لتهيئة فرد من الجماعة للنّهوض بهذا الدّور.

 


فالطّقوس كانت طريقة في اختيار الفرد للموت قبل قتله. والاختيار قد حصل في حدث اغتيال شكري بلعيد، وذلك بالتّخطيط القصديّ لاغتياله. فالتّخطيط للاغتيال وتنفيذه هو الّذي صنع من شخص عاديّ من جموع النّاس كبش فداء. فلا يوجد كبش فداء قبل القتل، وإنّما يضحي كذلك بعد موته. وهاهنا ينقلب دور الموت بالاغتيال، أو بالقتل المؤسّس. فبعد أن كان يقصد بالقتل هو تحويل الحيّ إلى ميّت، بإعدامه وإلغائه، ومحو آثار وجوده، يضحي القتل مؤسّسا لشيء آخر لا يعرفه القاتلون، أو لم يقرؤوا له حسابا. فلا أحد يستطيع السّيطرة على ردود الفعل. ولعلّ من أسرع ردود الفعل الّتي لا يمكن توقُّعُ آثارها هو تحوّل القتيل إلى ضحيّة، أو كبش فداء، يتمكّن بموته من تحويل الجموع المشتّتة إلى جماهير مجتمعة في الفضاء العموميّ على نحو موحّد. فالعنف ليس سلبيّا دائما وإن كان مأساويّا دوما، لأنّه يؤسّس بالقتل لنشأة أمّة متماسكة كانت تحتاج إلى عنصر خارج عنها، أو يخرج عنها، فلا يكون مثلها، ليوحّدها. إنّ القاعدة الّتي تقول “أعطني ميّتا جيّدا، أعطك أمّة متماسكة” (3) تجد في أنموذج الاغتيال التّونسيّ ما صدقها extension. فالجنازة العظيمة، كمّا وكيفا، تلك الّتي شيّعت جثمان شكري بلعيد إلى مثواه الأخير، تؤكّد هذه القاعدة، وتثبت في الآن نفسه، أنّ الوظيفة الجنائزيّة، بوصفها وظيفة توفّر يوميّا أقوى المشاهد الّتي تستهلكها المدينة لترويض شبح الموت اليوميّ، إنّما هي وظيفة سياسيّة بالأساس، طالما أنّ كلّ ما يجمع النّاس على اختلاف أطيافهم وفصائلهم هو في جوهره فعل سياسيّ. وسواء أكشف المجرم والمخطّط للجريمة والمحرّض على تنفيذها، أم لم يكشف، فإنّ المسألة على أهمّيتها البالغة أخلاقيّا وقانونيّا، تظلّ من درجة ثانية، لأنّ تأثير هذا الاغتيال في حياة التّونسيّين السّياسيّة لا يمكن أن تـستقرأ تبعاته الآن، أو في القريب العاجل، وإنّما يمكن التّكهّن بها في كيفيّة احتلال الشّعب التّونسيّ للفضاء العموميّ، وفي اللّغة السّياسيّة الجديدة الّتي سيبتدعها المثقّف الجديد.

 



10 – الحدث الثّاني يتعلّق بموت “الشّهيد” محمّد البوعزيزي. وهو حدث لن نقاربه على نحو مباشر، وإنّما في صورة روائيّة من كبش الفداء، في مشهد المدينة العموميّ، من خلال رواية “الغوريلا” لكمال الرّياحي.
لم تكتب رواية الغوريلا لمحاكاة أو تمثيل حدث الثّورة، فهذا الحدث قد باغتها ولم تتهيّأ له إلاّ في صفحات الرّواية الأخيرة، وفصلها الأخير تحديدا عندما انقلبت الكتابة الرّوائيّة إلى كتابة تسجّل كيف عاش المؤلّف بعض اللّحظات العصيبة في الأيّام الأولى من الثّورة.

 



لم تكتب هذه الرّواية لتسجيل وقائع الثّورة، ورغم ذلك كانت نهايتها تحتاج إلى ثورة حتّى تعثر على خاتمتها. فبداية الرّواية لا تشي بنهايتها. أمّا نوع الأحداث الّتي حبكت في معظم الفصول فتحمل على الاعتقاد بأنّنا أمام رواية من روايات البيكاراسك picaresque. وهي كغيرها من روايات هذا النّوع، قد انبرت تصوّر العوالم السّفليّة للّذين “لا نصيب لهم”، و“لا أصوات لهم” في عالم السّياسة، بسبب وجودهم خارج الفضاء العموميّ، وهوامشه. وبسبب موقعها من هذا الفضاء تغيّرت أسماء سكّان هذا العالم. فأصبحوا يمثّلون الاسمَ، أو ما يشي به الاسم الجديد، بعد أن فقدوا هبة الاسم الأوّل، اسم الأب. من هؤلاء كان الغوريلا، وإلى هؤلاء كان ينتسب.
الغوريلا اسم بطل بلا مزايا، قد حاول أن يجعل من بؤسه اليوميّ حياة جديرة بأن تحكى، فلم يفلح. ولأجل ذلك صار موضوع شهادات سائر شخصيات الرّواية، يرد ذكره عرضا كلّما تقاطعت سبيله بسبل الآخرين، ومن ذلك التّقاطع كانت ملامح الغوريلا تتّضح وتتماسك وتنمو على نحو انفعاليّ، تارة يكون الغوريلا شخصا يثير العجب والإعجاب، وطورا يكون شخصا يثير الخشية والشّفقة كأبطال التّراجيديا. فالمسار الّذي رسم للغوريلا يشبه إلى حدّ مّا مسار الأبطال التّراجيديّين، ولكن على نحو ساخر. نعرف منذ البداية أنّه لقيط مجهول الأب، ولكنّه كان في كلّ مرّة يجدّد من شجرة أنسابه، فهو في البداية طفل من أطفال بورقيبة، ثمّ هو ابن بالتّبنّي لرجل لا يلد ولا يخلف، وهبه نسبا، أو اسم الأب، ولكنّه سرعان ما فقد اسمه الرّمزيّ أو الشّرعيّ، ليكتسب اسما خياليّا غطّى على الاسم الأوّل، فمسخه مسخا، فصار البطل غوريلا، قردا من سلالة غير بشريّة. وبهذا المسخ الّذي أصاب الاسم فقط كان البطل، الّذي لم يحاول أن يغيّر التّسمية، وإنّما أمعن في تثبيتها حتّى صار البطل هو الاسم الّذي يحمل.

 



تبدأ الرّواية من حيث انتهت مسيرة البطل، وهو يتسلّق ساعة شارع الحبيب بورقيبة المنتصبة عاليا كأنّه بتسلقّها يستعيد على نحو يائس، لا يخلو من مفارقة، ما فُقِد، أي بشريّته، وحقّ الوجود في فضاء المدينة العموميّ. وهو فضاء سياسيّ بامتياز، لأنّه أفضل مجال يضمن الرّؤية الاجتماعيّة على نطاق واسع. فأن تكون مرئيّا هو الشّرط الضّروريّ لتكون موجودا كما أكّد بورخيس في بعض ما كتب. وقد اختار الغوريلا أن يكون مرئيّا على نحو مفرط، وذلك بالتّفريط في الوجود مع النّاس. إلاّ أنّه تفريط تراجيديّ كان يمهّد لنهايته الفاجعة الشّبيهة بنهاية الأبطال التّراجيديّين النّبلاء. لم يكن موته بائسا في فضاء منسيّ مظلم لا يُرى، وإنّما في قلب المشهد العموميّ، كأنّه يقدّم للمدينة حفلا نادرا من حفلات الموت العلنيّ. فـ“تحت برج السّاعة تماما ظهر الغوريلا محترقا. جثّة متفحّمة في بركة من الدّماء الخاثرة، تحمله مجموعة المتظاهرين على أكتافها، وتتشكّل تظاهرة صاخبة، تتّجه نحو وزارة الدّاخليّة، بينما يستولي أحد المتظاهرين على عربة الحماية المدنيّة يرفع سلّمها نحو السّاعة.”

 



تحملنا هذه الفقرة من الرّواية على التّساؤل: هل كانت رواية الغوريلا تصوغ على نحو بديع أطروحة كبش الفداء ( عند روني جيرار في كتابه “العنف والمقدّس”) حيث تحتاج مجموعة مّا (قبيلة، أمّة، شعب) في بعض طقوسها إلى شخص يقتل، حتّى تتماسك؟
مهما يكن الجواب، وجب في هذا المقام أن نلاحظ أنّ الثّورة التّونسيّة قد اندلعت بحدث مماثل لما كان يجري في طقس كبش الفداء. ويمكن إيجازه بهذه الصّورة: شخص يدعى محمد البوعزيزي أحرق نفسه، فتوحّدت بموته أصوات من لا أصوات لهم، في ثورة صاخبة غاضبة لا شعار لها سوى كلمة “ديقاج”.

 



إنّ التّوازي بين مصير الغوريلا ومحمّد البوعزيزي للافت لانتباه، بل إنّ ذكر اسم محمد البوعزيزي العرضيّ في صفحات الرّواية الأخيرة يغرينا بأن نمضي في تحليل موت البطلين، التّاريخيّ والرّوائيّ، من منظور نظرية كبش الفداء. “يتحدّث الرّكّاب عن رجل أضرم النّار بجسده، حديث كثير عن مدينتي سيدي بوزيد والقصرين. يأتي القطار. أحتلّ مقعدا قصيّا. الوجوه الغامضة تردّد اسم البوعزيزي بلا انقطاع. أحاول أن أتابع الأحداث دون أن أسأل. يتحدّثون عن إطلاق الرّصاص الحيّ على المتظاهرين.”.
يسقط جسم الغوريلا جثّة محترقة متفحّمة كما سقطت جثّة البوعزيزي، في مشهد عموميّ لم تألفه المدينة ولم تتهيّأ لتقديمه. مشهد باغتها مثلما باغت الّذين لم يتوقّعوا يوما أن تندلع الثّورات الغاضبة من أناس لا مجد لهم فرفعهم الموت في مصافّ الأبطال الخالدين، إذ برمادهم انبعثت كطائر الفينيق أجساد أخرى.

 


الهوامش:

 


العادل خضر: أستاذ التّعليم العالي، وباحث في وحدة تحليل الخطاب بكلّية الآداب والفنون والإنسانيات بمنّوبة، تونس.
1- انظر: Finkielkraut, Alain & Sloterdijk, Peter, (2003 ) Les battements du monde, Dialogue, Pauvert, p.p 64-65.
2- انظر، Veyne, Paul, (1995) Le pain et le cirque, sociologie historique d’un pluralisme politique, Points-Histoire, p93 حيث يورد قول جوفينال التّالي: «Le peuple romain, qui, en d’autres temps, distribuait magistratures, faisceaux, légions, s’est fait plus modestes: ses vœux anxieux ne réclament plus que deux choses, son pain et le Cirque.»
3- ريجيس دوبريه، نقد العقل السياسيّ، ترجمة عفيف دمشقيّة، بيروت، دار الآداب، الطبعة الأولى، 1986، ص 391، حيث يقول “ويمكن ترجمة العبارة”إنّ الزّمر تمتلئ بالفراغ“بـ”مت، والباقي علينا“[…]”أعطوني ميّتا فأخلق لكم جمعيّة“[…] يموت المسيح فيولد في اليوم التّالي الإيمان بالبعث، والملّة المسيحيّة، ويموت لينين فتولد في اليوم التّالي اللينينيّة، والحزب والعائلة”.

================

عن موقع صحيفة الاوان

السبت 23 نونبر 2013