في سطور معدودة، نتم مقال الأسبوع الماضي عن منهج الإمام أحمد بن حنبل، ثم نبسط القول في الموضوع الذي يحمله العنوان أعلاه.

الإمام أبو الحسن الأشعري: إمام كبير قدير، لا نحسب أن أحدا يستطيع أن يعرف تاريخ الفكر الإسلامي وهو لم يقرأ كتاب الأشعري «مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين». ولقد سرنا الاحتفاء بهذا الإمام عبر مؤتمر خاص – عقد منذ عام تقريبا – يحمل اسمه.. ومن المفارقات أن هذا المؤتمر بدا وكأنه قد كثف الضوء، وأطال القول في «التضاد» المنهجي بين الأشعري وابن حنبل.. وهذا خلاف الحق الموضوعي، والواقع التاريخي، ذلك أن الأشعري نفسه يَعُد نفسه مقتديا بالإمام أحمد بن حنبل. فقد حرر الأشعري عقيدته ومنهجه في الفقرة التالية إذ قال – وهذه عبارته: «قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها: التمسك بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث. ونحن بذلك معتصمون، وبما كان عليه الإمام أحمد بن حنبل – نضر الله وجهه، ورفع درجته، وأجزل مثوبته – قائلون، ولمن خالف قوله مجانبون، لأنه الإمام الفاضل والرئيس الكامل الذي أبان الله به الحق بعد ظهور الضلال».

ولنبسط القول – بعد ذلك – في الموضوع الرئيس لهذا المقال وهو: لماذا اتفق الأئمة الكبار الثقات على «نقض بدعة التكفير»؟

مقتضيات وموجبات هذا الاتفاق أو الإجماع هي:

أولا: لأن من مقاصد الإسلام، ومن عزائمه المتجددة التي لا تنقطع ولا ترد ولا تنسخ، إدخال الناس في الإسلام، لا إخراجهم منه.. مثلا: بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليا بن أبي طالب – رضي الله عنه وكرم وجهه – فاتحا، فقال علي بن أبي طالب: «أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟»، فقال النبي – صلى الله عليه وآله وسلم: «انفذ على رسلك وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله، فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم».. يقول ابن حجر – في شرح هذا الحديث: «يؤخذ منه أن تأليف الكافر حتى يسلم أولى من قتله».. ولقد لحظ الإمام البخاري المعنى اللطيف الرحيم العميق لهذا الحديث، فاختار له عنوانا دقيقا ذكيا مناسبا جدا – في موضع آخر – وهو «باب فضل من أسلم على يديه رجل».. والدلالة المبتغاة – ها هنا – هي أن الفرحة بهداية إنسان إلى الإسلام أغلى وأسمى وأروح وأعظم وأندى وأحلى من مباهج الدنيا جميعا.. يعضد هذه الدلالة مفهوم الأمر بالتسبيح في سورة «النصر»: «إذا جاء نصر الله والفتح. ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا. فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا».

ثانيا: إن إخراج الناس من الإسلام – بالتكفير – إنما هو إخراج لهم من النور إلى الظلمات.. وهذا تنكيس جهول وغبي وضال لمقصد الإسلام الأسمى وهو: إخراج الناس من الظلمات إلى النور.

لماذا هذا المنهج الصارم في الكف عن تكفير المسلمين؟

أ) لأن الكفر هو أبغض شيء إلى المسلم بدليل قول الله عز وجل: «وكرّه إليكم الكفر والفسوق والعصيان»، فلا يجوز – بحال من الأحوال – أن يكره المسلم على ما يكرهه ويفر منه!!

ب) لأن الغلو أو التساهل في التكفير افتراء على الله ورسوله وظلم بواح لمن يوجه إليه التكفير.

ج) لأن التكفير فتنة للناس في دينهم. وهذه الفتنة هي الأشد من القتل.

د) لأن التكفير تقنيط للناس من رحمة الله الواسعة، بل تشجيع لهم على الكفر. بمعنى أن الذي يوجه إليه الكفر قد يؤزه الشيطان ويقول له: ما داموا قد كفروك فكن كافرا حقيقيا!! وربما زين له ذلك بالمقولة اليائسة «أنا الغريق فما خوفي من البلل»!!

ثالثا: أن التكفير «ذريعة» إلى إهدار دم المسلم المصون المعصوم.. ويتعين أن نتوسع في هذه النقطة من حيث إنها جوهر المقال وعماده.. ومن حيث إنها جواب عن السؤال الذي حمله عنوان المقال: لماذا اتفق الأئمة الكبار الثقات على «نقض بدعة التكفير»؟

لقد اتفق الأئمة على نقض بدعة التكفير لأن «التكفير» ذريعة القتل، ومطية استباحة الدم الحرام، والخوض فيه بلا ديانة ولا تقوى ولا ورع.

ومن المهم ترتيب الأدلة في هذا السياق:

ففي الكتاب والسنة حشد هائل من الأدلة المانعة من استباحة الدماء المصونة المعصومة.. ومن ذلك – مثلا:

أ) «ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق».

ب) «أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا».

ج) «ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما».

د) ويقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لزوال الدنيا أهون على الله من قتل امرئ مسلم».

هذه البراهين – ونظائرها – مانعة – بحزم – من قتل المسلم.

ولما كان المستخفون بالدم المسلم قد قرروا ذبح المسلمين وبيتوا النية على ذلك، فإنه يستحيل عليهم أن يذبحوا مسلما – مراغمة لتلك البراهين – فماذا يفعلون إذن؟

يرتبون أهواءهم على النحو التالي:

1) بادئ ذي بدء: يكفرون المسلمين.

2) ثم يسهل عليهم بعد ذلك قتل هؤلاء (الكفرة)!!

وهكذا فعل الخوارج في أول الأمر..

لقد قرروا وفق تأويلات فاسدة أن الصحابة كفار، وفي مقدمهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، نعم: إن الخارجي عبد الرحمن بن ملجم حين قتل الإمام عليا إنما فعل ذلك بعد فتوى موغلة في الضلالة تزعم أن الإمام عليا كافر!!

وعلى مدى التاريخ الإسلامي رأينا الظاهرة ذاتها تتكرر، بمعنى أن أحفاد الخوارج المارقين يبيتون النية لقتل مسلمين، ثم يفتحون ذريعة القتل بتكفير أولئك المسلمين.

إننا ندعو إلى إحياء المنهج المانع من التكفير..

ندعو إلى حملة علمية شرعية فكرية شاملة وطويلة الأمد تتحرى حراسة عقائد الناس وإيمانهم وإسلامهم من التكفير: «إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير».. ويعلم – الخاصة والعامة – أن التكفير هو السند الأعظم للشريرين الذين يستبيحون دماء المسلمين بعد تكفير أصحابها!

وبإحياء منهج منع فوضى التكفير ينهدم السند الأعظم لهؤلاء الذين يتلمظون – دوما – على الدماء المسلمة المعصومة.. تبا لهم وتب.