لم يعرف العرب الفكر الفلسفي المنظم قبل ظهور الاسلام ولم يعرفوه بعده , الا ان الاختلاط بالشعوب الاخرى نتيجة التوسع الجغرافي وظهور الدولة العربية قاد الى نوع من الامتزاج الحضاري. وكان من نتائج هذا الامتزاج ان عَرف العرب الفكر الفلسفي. وهكذا ظهرت بواكير بسيطة من الفكر العربي الاسلامي متأثرة بالامتزاج الحضاري.

الفلسفة اليونانية في زي اسلامي: من ثمار الامتزاج الحضاري

وظهر مفكرين (فلاسفة) عرب واتجاهات فكرية حاولت البناء على اسس اسلامية. ومن ابرز تلك الاتجاهات”المعتزلة”. لقد بُنيت الدولة العربية على اساس ايديولوجي اسلامي. أي لا دولة من دون هذه الايديولوجيا. ولكن في الفترة الاموية كان هناك انفصال والى حدما بين سلطة الدولة متمثلة بالخليفة والسلطة الدينية عدا فترة خلافة عمر بن عبد العزيز. الا ان الدولة والسلطة الدينية تعملان بتناغم كبير وكان الفكر الديني بخدمة الدولة في تعزيز سلطة الخليفة الاموي. في هذه الفترة ظهر الاعتزال وليدا بسيطا في البصرة. ان ظهور نمط فكري جديد في المجتمع العربي وقتذاك يعني انه بناء سطحيا بلا مؤسسات عريقة عميقة الجذور في مجتمعه. لاشك في ان تيار الاعتزال الجديد لا يمكن مقارنته بالتيارات الفكرية في الفلسفة الاغريقية اوأي اتجاه فلسفي في تلك الحضارة من حيث عمق الجذور المؤسساتيه العريقة. كما انه لا يملك نفس قوة جذور الابداع الشعري العربي المتجذر في المجتمع العربي وقتذاك.

أن النمط الفكري

الاسلامي السائد

لا يعتمد العقل

والتحليل اساسا

في فترة ظهور هذا التيار الفكري كان الاسلام ليس مجرد دين بسيط بل مؤسسة كبيرة وقوية تتنازعها اتجاهات فكرية مختلفة ومصالح يسيل الدم في سبيلها. لذا فان ظهور تيار فكري اسلامي ليس بالشيء البسيط انه قد يعزز مواقع سياسية معينة وقد يهدد مصالح سياسية اخرى. اي انه ليس ترفا فكريا مُسالما. لقد كان ظهور الاعتزال ناتج تطور طبيعي نتيجة الامتزاج الحضاري كما قُلنا اضافة للنشاط الفكري القوي الذي ظهر في تلك الفترة الخصبة للحضارة الوليدة. انه لم يظهر كتيار اصلاحي مُقوٍم.

لقد بقت الدولة مفصولة عن السلطة الدينية الى حدما في الفترة العباسية كذلك.ومع ظهور الدولة العباسية قاد هذا الفكر نهضة علمية حضارية كبيرة ومتميزية ارتبطت بوجوده وزالت بزواله خلال العهد ذاته. لقد تعزز فكر الاعتزال نتيجة تبنيه من قبل السلطة السياسية (المأمون) وانتهى عندما حاربته السلطة السياسية (المتوكل). أن ما قاد للنهضه عاملان هما حرية الفكر وانفصال الدولة الجزئي عن السلطة الدينية. ألا ان الجذور الفلسفية الاجتماعية السطحيه للاعتزال هي السبب في الزوال السريع لهذا الفكر الذي لم تعرفه المجتمعات العربية وقتذاك.

تهافت الفلاسفة: هجوم ضد الفكر الحر

لم يستطع الفكر الحر الصمود امام السلطة السياسية التي تبنت فكرا مغايرا.اما ما ساد بعد ذاك فكان فكرا نَقليا قمعيا حَرَم الفلسفة وحارب الفلاسفة والمفكرين. اما لماذا ساد هذا النمط الفكري المُغلق رغم عدم وجود جذور فكرية فلسفية له؟ لقد تكونت منذ الايام الاولى للدولة العربية سلطتان متعاونتان هما سلطة الدولة وسلطة الدين احدهما تحابي الاخرى وكلاهما تسيطران على المجتمع. لذا فان أي فكر يستطيع خطب ود الدولة سيكتب له الازدهار والبقاء. ان الفكر المنغلق استند على طبيعة الفكر القَبَلي وتأكيدهُ على احترام الخضوع للسلطة السياسية والقبول بها وبالقدر الذي خطه الله على يدها وهكذا تم احتظان الفكر القمعي المنغلق من قبل كافة انماط السلطات التي مرت عبر التاريخ المظلم منذ عهد المتوكل وحتى سقوط الدولة العثمانية.

لقد قاد هذا الوضع المأساوي الى ان ينتهي النشاط الفلسفي العربي والاسلامي تدريجيا حاله حال النشاط العلمي. وهكذا دخل العرب والمسلمون القرن العشرين من دون اية مؤسسة فكرية فلسفية. وكمجتمعات خاملة لا تعرف سوى السلطتين الدينية والسياسية المتحالفتين.

في الحضارة الغربية ذات الجذور الفلسفية العميقة كانت النزاعات الفكرية تُنجب انماطً جديدةً وتؤثر في المجتمع. لذا قاد الصراع الى فصل الكنيسة عن الدولة وفصل الفكر الديني عن الانماط الفكرية الاخرى. وبهذا الفصل احتفظ كل طرف بحقه في التطور والنمو. لم تكن السلطة الغربية بحاجة للسلطة الدينية للسيطرة على المجتمع لان السلطة السياسية كانت اساسا موجودة قبل تكون الفكر المسيحي الاوربي على العكس من الدولة العربية التي تكونت على اساس ديني وبقى الفكر الديني وسيلة سيطرة لا يَستغني عنها السُلطان. لقد تطور الفكر الديني في الغرب وتطور الفكر العلمي وتطور الفكر السياسي والانساني. انها تجربة غنية قادت الى النجاح في بناء مجتمعات دائمة التطور.

ان مشكلة الاصلاح

هي مشكلة التربية

اجتماعية وليست

مؤسساتية

عاد الفكر الفلسفي خلال القرن العشرين للمجتمعات العربية كترف بلا جذور. واخذت الفلسفة موقعا اكاديما من دون وجود اجتماعي فعلي لها. ان النشاط الفكري الفلسفي العربي لا يعدوا ان يكون نشاطا نخبويا اكاديميا. انتجت الاكاديميات العربيه خلال القرن العشرين اجيالا من المفكرين وطمح البعض من هولاء الفلاسفة والمفكرين الى تأسيس خطابات فلسفية تحديثية اواصلاحيه نتيجة انفتاحهم على الفكر الغربي. أن اعتماد النمط الفكري الاسلامي السائد لا يقود الى نمط تحديثي لانه لا يعتمد العقل والتحليل اساسا. على اية حال جاءت طروحات التحديث الفكرية للنخبة وليس للمجتمع لان المجتمع لا يسمع ولا يعرف ما يقولون. وهناك فصل كبير بين المفكر النخبوي والسياسي.

محمد الجابري: خطاب مدحور

أن خطابات التحديث العربية التي تُطرح تحارب مارد جبار نمى خلال عشرة قرون من دون مُنازع وسيطر على الفكر الاجتماعي بقبضة حديدية مطلقه وبمعونة السلطة السياسية.ان خطابات من هذا النوع لا تعدوعن كونها بيان قادم من نبي مُحدث يخاطب ناس بسطاء لا يعيرونه اهتماما ان لم يكن اسلوبا دونكيشوتيا (Don Quixote) يحارب طواحين الهواء. لذا اندحرت كافة خطابات ومشاريع التحديث الفكرية العربية منذ محاولات جمال الدين الافغاني ومحمد عبدة مرورا بالجابري واركون. أن النمط الفكري الفلسفي والتحليلي فكر غريب جدا عن المجتمعات العربية التي تعلمت التلقين والحفظ عن ظهر قلب دون نقاش وتمحيص. وهنا يكمن السر في الاصلاح.

عمق الهوه الفكرية بين المجتمعات العربية وبين المجتمعات المتطورة كبير جدا ويقاس بزمن التوقف الفكري والخمول الحضاري. أن محاولات تحديث فكر تَجمدَ خلال قرون مُهِمة تقترب من الاستحالة. كما ان محاولة فصل الدولة عن الدين ليست بجديدة على المجتمعات العربية والاسلامية وهذا الفصل كان موجودا بصورة شكلية لكن المهم هوفصل الهيمنة الفكرية الدينية عن السلطة والمجتمع. تجسير (Bridging) هذه الهوة المُعَقدة يعتمد بصورة كبيرة على اعادة بناء الانسان بمعنى اخر اعادة النظر في نمط التعليم الاساسي للمجتمع وبناء نمط فكري تحليلي. ان مشكلة الاصلاح هي مشكلة التربية اجتماعية وليست مؤسساتية اذا ان تغير وتبديل اوتعديل المؤسسات لا يعني شيئأً.

…عن موقع المصلح نيت

09 كانون1/ديسمبر 2011