سوسيولوجيا ماكس فيبر

 

ماكس فيبر 1864- 1920م

ماكسيميليان كارل إميل ويبر(بالألمانية: Maximilian Carl EmilWeber) ‏ (21 أبريل186414 يونيو1920) كان عالمًا ألمانيًافي الاقتصادوالسياسة، وأحد مؤسسي علم الاجتماعالحديث ودراسة الإدارة العامة في مؤسسات الدولة، وهو من أتى بتعريف البيروقراطية، وعمله الأكثر شهرة هو كتاب “الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية” حيث أن هذا أهم أعماله المؤسسة في علم الاجتماع الديني وأشار فيه إلى أن الدين هو عامل غير حصري في تطور الثقافة في المجتمعات الغربية والشرقية، وفي عمله الشهير أيضا “السياسة كمهنة” عرف الدولة: بأنها الكيان الذي يحتكر الاستعمال الشرعي للقوة الطبيعية, وأصبح هذا التعريف محوريا في دراسة علم السياسة.

درس فيبر جميع الأديان وكان يرى أن الأخلاق البروستنتانتية أخلاق مثالية ومنها استقى النمودج المثالي للبيروقراطية والدي يتميز بالعقلانية والرشادة ومن الصعب تطبيقه في الواقع ولو طبق في التنظيم لوصل لأعلى درجات الرشادة.

ولقد ميز فيبر بين ثلاثة نماذج مثالية للسلطة تعتمد على تصورات مختلفة للشرعية هي:

  • السلطة الملهمة

  • السلطة التقليدية

  • السلطة القانونية

من كان ماكس فيبر؟

ولد ماكس ويبر في مدينة إرفورت بألمانيا عام 1864 في وسط عائلي بروتستانتي ثري. فعائلته كانت كبيرة وتحوي صناعيين مختصين بالنسيج بالإضافة إلى موظفين كبار وأساتذة جامعيين. وكان والده أحد الأعضاء المهمين في الحزب القومي الليبرالي وهو حزب المثقفين والطبقة البورجوازية.[1] وكثيرا ما كان فيبر يرى في بيته شخصيات سياسية وفلسفية كبيرة من أمثال ديلتي ومومسين وسواهما. وبالتالي فقد نشأ في بيت علم وسياسة وفكر. ومنذ شبابه الباكر راح ماكس ويبر يقرأ كبار المفكرين من أمثال ماركس، ونيتشه، وهيغل وكانط. وكان قارئا نهما يحب المطالعة كثيرا. وقد شغف بالتاريخ والفلسفة، وعلم اللاهوت، والجماليات، الخ. ثم واصل دروسه في كلية الحقوق والاقتصاد، وراح يحضر أطروحة جامعية عن المجتمعات التجارية في القرون الوسطى. وبعد أن ناقش هذه الأطروحة أمام جهابذة الأساتذة ويحضور حشد من الطلاب منحوه شهادة الدكتوراه بدرجة الشرف الأولى. وبدءً من ذلك الوقت راحوا ينظرون إليه كأحد كبار علماء الاجتماع. ثم عينوه أستاذا في جامعة فرايبورگ أولاً (1894) وجامعة هايدلبرگ ثانياً (1896) حيث درس علم الاقتصاد السياسي. الانهيار النفسي الذي عانى منه في عام 1898 أدى إلى انسحابه من التدريس الاكاديمي، إلا أن ذلك الإنسحاب لم يؤثر على تدفق كتاباته، التي قادم مجموعة كبيرة منها. الفكرة الموحدة لديه كانت التركيز على العلاقة المتبادله بين التشكيلات القانونية والسياسية والثقافيه في جانب، والنشاط الاقتصادي في الجانب الآخر. وفي عام 1904 أسس ماكس ويبر مجلة سيكون لها دور في تطوير نظريات علم الاجتماع لاحقا. وكان عنوانها: أرشيفات العلوم الاجتماعية والعلوم السياسية. ثم شارك عام 1910 في تأسيس الرابطة الألمانية لعلم الاجتماع. وبعدئذ انخرط ماكس ويبر في العمل السياسي المحض وأصبح معارضا سياسيا للإمبراطور غليوم الثاني وعضوا فاعلا في الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني. وقد شارك بعد الحرب العالمية الأولى كعضو في الوفد الألماني إلى مؤتمر السلام الذي انعقد في فرساي عام 1919. وقد طلبت منه السلطات بعدئذ بلورة دستور جديد للجمهورية الألمانية. ثم قدموا له كرسي علم الاجتماع في جامعة ميونيخ عام 1918. ولكنه مات بشكل مفاجئ ومبكر عام 1920. ويلاحظ أن ويبر لم يحترف علم الإجتماع إلا قبل وفاته بعامين، ولقد توفي عام 1920 قبل أن يتم مؤلفة الأساسي الذي يدخل في ميدان النظرية الإجتماعية وهو الاقتصاد والمجتمع Economics and Societyلذلك كانت إحدى المهام الصعبة في سنة 1922 هي جمع شتات هذا المؤلف بعد أن تركها ويبر في صورتها المبدأية. وهكذا لم يعش أكثر من ثمانية وخمسين عاما، ولكنه ترك بصماته الكبرى على علم الاجتماع وأصبح أحد كبار الثلاثة المؤسسين له: أي كارل ماركس، إميل دوركهايم، ماكس فيبر.

اهتمامه بتحليل ظاهرة الحداثة

وقد اشتهر ماكس ويبر بأنه أحد المفكرين الذين انهمكوا في تحليل ظاهرة الحداثة وكيفية نشوئها وتشكلها وسيطرتها على المجتمعات الصناعية المتقدمة. ولذلك فإن أي مثقف معاصر يريد أن يتحدث عن الحداثة مضطر للعودة إلى ما كتبه ماكس فيبر عنها من تنظيرات وأطروحات. والسؤال الذي كان يطرحه ماكس فيبر هو التالي: لماذا ظهرت الحداثة العلمية والتكنولوجية والبيروقراطية في أوروبا الغربية وأميركا الشمالية فقط؟ بمعنى آخر: لماذا تطورت العقلانية في هذه المنطقة من العامل أكثر مما حصل في سواها؟ نقول ذلك ونحن نعلم أن الحداثة تعني عقلنة العالم: أي دراسة العالم بشكل علمي، موضوعي، عقلاني لا بشكل غيبي، ميتافيزيقي، خرافي. هنا يكمن الفرق بين مجتمعات الحداثة والمجتمعات التقليدية. فهذه الأخيرة تسيطر عليها الرؤيا القديمة المليئة بالخرافات والمعجزات والأساطير. ثم جاءت الحداثة فتبخرت كل هذه الأساطير والخرافات وبدا العالم على حقيقته المادية والفيزيائية والبيولوجية.

الفعل الاجتماعي عند ماكس فيبر

الفعل الإجتماعي هو الموضوع الأساسي لعلم الإجتماع عند ماكس ويبر ولقد عرفه بأنه ” صورة للسلوك الإنساني الذي يشتمل على الإتجاه الداخلي أو الخارجي الذي يكون معبراً عنه بواسطة الفعل أو الإحجام عن الفعل، إنه يكون الفعل عندما يخصص الفرد معنى ذاتياً معيناً لسلوكه، والفعل يصبح إجتماعياً عندما يرتبط المعنى الذاتي المعطي لهذا الفعل بواسطة الفرد بسلوك الأفراد الآخرين ويكون موجهاً نحو سلوكهم.”[2] ووفقاً لمنظور فيبر وتعريفه للفعل الإجتماعي لابد من فهم السلوك الاجتماعي أو الظواهر الإجتماعية على مستويين، المستوى الأول أن نفهم الفعل الإجتماعي على مستوى المعنى للأفراد أنفسهم، أما المستوى الثاني فهو أن نفهم هذا الفعل الاجتماعي على المستوى الجمعي بين جماعات الأفراد. ولكي نفهم عمل الفرد وأفعاله أو سلوكه الاجتماعي على مستوى المعنى لابد من النظر إلى دوافع الفرد ونواياه واهتماماته والمعاني الذاتية التي يعطيها لأفعاله والتي لم تكمن خلف سلوكه، أي أنه لابد من فهم معنى الفعل أو السلوك على المستوى الفردي ومن وجهة نظر الفرد نفسه صاحب هذا السلوك وبنفس الطريقة لابد من النظر إلى النوايا والدوافع والأسباب والاهتمامات التي تكمن وراء سلوك الجماعة التي يعتبر الفرد عضواً فيها. أي أنه لابد من فهم الفعل الإجتماعي على المستوى الجمعي ومن وجهة نظر الفرد كعضو في جماعة. إذن لابد لنا من أخذ هذين المستويين في الإعتبار عند دراستنا وتحليلنا لفهم وتفسير الفعل الاجتماعي الإنساني للفرد سواء من خلال مواجهته للظواهر الإجتماعية بنفسه أو من خلال مشاركته للجماعات الإجتماعية التي ينتمي إليها. من هذا يتضح أن فيبر أعطى لمفهوم الفعل الاجتماعي معنى واسعاً كل السعة بوصفه الموضوع الأساسي للبحث السوسيولوجي من وجهة نظره ن فلقد ضمنه كافة أنواع السلوك ما دام الفاعل يخلع عليه معنى. وهناك خاصيتين في مفهوم فيبر حول الفعل الإجتماعي ففيبر يسلم أولاً وصراحة بمدخل ذاتي لنظرية علم الإجتماع وذلك بتركيزه على أن المفهومات النظرية في علم الإجتماع يتعين صوغها في ضوء نموذج محدد للدافعية التي تحرك (الفاعل الفرضى) والذي يمثل بدوره تصوراً مفترضاً، أما الخاصية الثانية فتتعلق بمدلول مصطلح ” فيبر” عن ” المعنى” وهو مصطلح أعتبر من المصطلحات التي لعبت دوراً في الجدل الذي ثار في ألمانيا حول مسألة التاريخ ومناهج العلوم الإجتماعية عشية ظهور أعمال ” ماكس فيبر” المهم أنه عندما استخدم هذا المصطلح كان يعني به الإشارة إلى السلوك في ضوء الفرض والمرمى الذي يسعى إلى تحقيقه الفاعل. ونظراً لتحديده لعلم الإجتماع بوصفه علماً عاماً وشاملاً للفعل الإجتماعي فإن هذا اقتضاه أن يبذل جهداً في تصنيف الأفعال وتنميطها ويقصد بالعام والشامل من وجهة نظره وكما أوضح ” ريمون آرون” من تحليله لأعمال فيبر فهم المعنى الذي يخلعه الإنسان على سلوكه وهذا المعنى الذاتي بالطبع هو المعيار الذي على أساسه يمكن تصنيف الأفعال الإنسانية توطئة لفهم بناء السلوك، إن محاولته لتصنيف الأفعال هذه حكمت تفكيره لدرجة كبيرة عندما هم بتفسير خصائص وأغراض المجتمع المعاصر ووفقاً لما أتى به يعد الرشد والعقلانية خاصة أساسية للعالم الذي نعيش فيه، وتفصح هذه العقلانية عن نفسها من خلال علاقاتها بالأهداف المحددة.المشروع الاقتصادي مثلاً يكون رشيداً عندما تضبط الدولة بواسطة البيروقراطية، بل إن المجتمع بكامله يتجه نحو التنظيم البيروقراطي، وحتى العلم نفسه يعد من وجهة نظر فيبر مظهر العملية العقلية التي تميز المجتمع الحديث. ولقد وضع فيبر تصنيفاً لأنماط الفعل الإجتماعي والتي يمكن الإستعانة بها في بناء النماذج المثالية للسلوك حيث حدد أربعة أنماط للفعل الإجتماعي وفقاً لمساره وإتجاهه على النحو التالي :

1- الفعل العقلي الذي غايات محددة ووسائل واضحة، إذ أن الفاعل يضع في اعتباره الغاية والوسيلة التي يقوم بتقويمها تقويماً عقلياً فالمهندس الذي يصمم مشروعاً معمارياً والمضارب الذي يحسب ما يعود عليه بسبب مضارباته والقائد الذي يختار أفضل الخطط التي تحقق له النصر كلها أمثلة للفعل الإجتماعي الفعلي.

2- الفعل العقلي الذي توجه قيمة مطلقة : وفي هذا النموذج يكون الفرد واعياً بالقيم المطلقة التي تحكم الفعل وهي قيم يمكن أن تكون أخلاقية أو جمالية أو دينية ويوصف الفعل بأنه موجه نحو قيمة مطلقة في الحالات التي يكون فيها مدفوعاً لتحقيق مطالب غير مشروطة ومعنى ذلك أن الإعتقاد في القيمة المطلقة واعياً ومتجهاً نحوها من أجل ذاتها خالياً من أية مطامح خاصة، ولهذا فهو يختار الوسائل التي تدعم إيمانه بالقيمة.

3- الفعل العاطفي : وهو سلوك صادر عن حالات شعورية خاصة يعيشها الفاعل والأمثلة على هذا النمط من السلوك عديدة حينما يختار المرء الوسائل على أساس صلتها بالغايات أو القيم وإنما باعتبارها تنبع من تيار العاطفة.

4- الفعل التقليدي: وهو سلوك تمليه العادات والتقاليد والمعتقدات السائدة ومن ثم يعبر عن إستجابات آلية إعتاد عليها الفاعل، ولا شك أن ضرباً من السلوك هذا شأنه سوف يظل دائماً على هامش الفعل الذي توجهه المعاني. وتحتل أنماط الفعل الإجتماعي هذه أهمية خاصة في النسق السوسيولوجي الذي صاغه ماكس فيبر ويرجع ذلك إلى عوامل منها :

1- أن فيبر تصور علم الإجتماع باعتباره دراسة شاملة للفعل الإجتماعي ومن ثم أصبح تصنيف أنماط الفعل يمثل أعلى مستويات التصور التي تستخدم في دراسة المجال الإجتماعي والمثال على ذلك أن تصنيفه لنماذج السلطة مشتق مباشرة من تحديده لأنماط الفعل الإجتماعي.

2- أن علم الإجتماع عند فيبر يستهدف فهم معاني السلوك البشري ومن هنا يجئ أهمية هذا التصنيف كمدخل ضروري لتحليل بناء السلوك.

3- وأخيراً فإن تصنيفه لنماذج الفعل يعد إلى حدٍ ما أساس تفسيره للحقبة التاريخية المعاصرة إذ يعتقد فيبر أن الخاصية الأساسية المميزة للعالم الذي يعيش فيه هي العقلانية. العلاقات الإجتماعية في مفهوم ماكس فيبر كانت الخطة الثانية ذات الأهمية عند فيبر هي دراسته لمفهوم العلاقات الإجتماعية إذ ساعده دراسة هذا المفهوم على التحول من دراسة الأفعال الفردية إلى أنماط السلوك. ففيبر في تصوره للعلاقات الإجتماعية يقصد بها سلوك جمع من العاملين تتحدد بمضمونات معنى هذا السلوك وبالقدر الذي يضع كل الآخر في حسبانه ويوجه سلوكه في ضوء هذا. فالعلاقة الإجتماعية عند ويبر تعني تبادل الأفعال بين الأفراد على أساس فهم كل منهم للمعاني التي يضيفها كل فرد على سلوكه، إذا أن هناك مجرى للفعل لكن ذلك لا يعني بالطبع أن يكون المعنى الذاتي هو نفسه بالنسبة لكل الجماعات التي تتجه إتجاهاً متبادلاً في علاقة إجتماعية معينة، ولقد قدم فيبر تلخيصاً لفئات العلاقات الإجتماعية والتي يمكن ملاحظتها واقعياً في خمسة فئات هي :

أ‌- العرف أو الإصلاح أي التماثل الفعلي للعلاقات الإجتماعية.

ب‌- العادة وهي العرف الذي يستمد وجوده من الألفة والتعود.

جـ- الأسلوب أو العرف الذي يتسم بالتجديد والحداثة. د- العادة التقليدية وهي العرف الذي ينبثق عن الرغبة في الهيبة الإجتماعية أو العرف الذي يتحدد على أساس أنماط معيارية.

هـ- القانون وهو مجموعة القواعد التي تنطوي على إلزام أو عقاب لمن يخرج عليها، ومع أن القانون يستند إلى العادة والعرف لكن الفارق بينه وبينهما هو عنصر الإلزام المتضمن في القاعدة القانونية. ففيبر لا يجعل الفعل معتمداً فقط على العلاقة بين الوسائل والغايات وإنما يربطه باستمرار بنسق إجتماعي معين وبالظروف التي يتم في ضوئها تحقيق الغايات ومن ثم يذكرنا فيبر باستمرار أن كل المفاهيم التي يقدمها لا تكفي في ذاتها وإنما لابد وأن يستخدمها علماء الإجتماع في تشييد النماذج المثالية لتفسير مشكلات ملموسة بل والأكثر من ذلك أن هذه النماذج بدورها ليست غاية مطلقة ولكنها وسيلة التفسير والتعليل الصحيح.

النماذج المثالية

تستند دعائم التصور النظري لفيبر على مسألتي النموذج المثالي ونظرية التنظيم وبالنسبة للنموذج المثالي فلقد أشار إلى أن أفضل طريقة في دراسة المعاني الذاتية للظواهر الإجتماعية تتمثل في استخدام النموذج المثالي وهو ليس فرضاً بل إنه يوجه الباحثين لوضع الفروض وليس وصفاً للواقع بل يستهدف توفير الوسائل للتعبير عن الواقع والنموذج المثالي من وجهة نظر فيبر عبارة عن بناء عقلي من المفاهيم المجردة والذي لا يوجد له نظير في الواقع التجريبي. هذا النمط المثالي لأي ظاهرة إجتماعية يكون مصمماً ليساعد في فهم الواقع التجريبي لتلك الظاهرة أو عدة ظواهر وهكذا يمكن استخدام النمط المثالي كأداة من أجل المقارنة بين ظاهرتين أو أكثر أو لقياس مدى تقارب الظاهرة المعطاة من النمط المثالي، فالنموذج أو النمط المثالي عبارة عن ” المجموع الكلي للمفاهيم التي ينشأها أو يبينها المتخصص في العلوم الإنسانية بصورة نقية وبعيدة عن أي تحيز لتحقيق أهداف البحث. وعلى نحو ما يقول (تيماشيف، 1972) إن النموذج المثالي ليس فرضاً، إنه أداة أو وسيلة لتحليل الأحداث التاريخية الملموسة والمواقف، وهذا التحليل يتطلب بدوره أن تكون المفاهيم محددة بدقة وواضحة إلى أبعد الحدود لكي تستطيع مواجهة النماذج المثالية، فالنموذج المثالي إذن مفهوم محدود نقارن به المواقف الواقعية في الحياة والأفعال التي ندرسها ويذهب فيبر إلى أن دراسة الواقع الملموس على هذا النحو تمكننا من الحصول على علاقات سبية بين عناصر النموذج المثالي. وتواجه النماذج المثالية لفيبر بعض الصعوبات فمثلاً بالنسبة لتصنيف فيبر الرباعي للفعل الإجتماعي وحيث تستند كل فئة من فئات الأفعال الأربعة إلى شكل معين من التوجيه السلوكي فهناك فئتان من الأفعال تتميزان بالعقلية إحداهما تستخدم الوسائل الملائمة لتحقيق الأهداف العقلية المختارة، والثانية تستعين بوسائل مشابهة لإشباع قيم مطلقة وأهداف أخلاقية أما الفئتان الأخرىان من الأفعال فهما فئة الفعل التقليدي وفئة الفعل الوجداني وهو هنا يطرح سؤال هو إذا كان النموذج المثالي يرتكز على أساس الفعل العقلي فكيف يمكن بعد ذلك إقامة نماذج مثالية للأفعال غير العقلية.

علم اجتماع السياسة والحكومة

كثير من الناس يحملون كلمة بيروقراطية عكس معناها حيث أن الناس تربط مفهوم البيروقراطية بمفهوم الروتين وإن كان الأمر في الأساس عكس ذلك تماماً حيث أن البروقراطية إنما تستهدف إلغاء الطابع الشخصي من حيث توزيع الأعمال أو طرق أدائها أو تقييم الأداء. وبمعنى آخر فإن البيروقراطية هي مجموعة النظم واللوائح التي تحدد السلوك التنظيمي كما يجب أن يكون إعتقاداً بأن هذا السلوك يمثل أفضل سلوك يمكن التنظيم من تحقيق أهدافه وإعتقاداً بأن هذه اللوائح هي ضمان لحماية التنظيم من الفساد والتسيب والإنحراف. وبمعنى آخر فإن كلمة بيروقراطية تعني وببساطة البناء الاجتماعي المتسلسل لإدارة التنظيمات الضخمة بطريقة سليمة وبكفاءة وفعالية وبطريقة غير شخصية. وهو يشير إلى التغيرات التي تحدث في المنظمات الرسمية أو الأهلية بطريقة صحيحة لصنع القرارات لتحقيق الكفاءة والفعالية وتحقيق الأهداف. ونظراً للزيادة الكبيرة والتعقيدات في حجم المنظمات فإنها تكون في حاجة إلى تنسيق لتحقيق مزيد من الفاعلية والتي تصل إلى أقصى درجاتها عندما يكون هناك سيطرة تامة للإدارة والأدوار محددة وواضحة وكذا الحقوق والواجبات. ويرى أن العالم القديم قد عرف البيروقراطية ويظهر ذلك بصورة جلية في مصر القديمة وبابل والصين والهند ومع تقدم المجتمعات وإزدياد حاجات البشر ظهرت الحاجة إلى وجود منظمات متخصصة ومع ازدياد التقدم ظهرت المنظمات كبيرة الحجم ومنها ظهر مفهوم البيروقراطية بمعناه العلمي والذي وضعه عالم الإجتماع المشهور ماكس فيبر. فالبيروقراطية ترتبط بالمنظمات كبيرة الحجم وهذا المنظمات تتميز بتعقد المشاكل التنظيمية والإدارية التي تواجهها فمن ناحية نجد أن العمل مقسم إلى أجزاء صغيرة وأن العمل الواحد يقوم به مجموعة من الأفراد ومن ناحية أخرى يضم التنظيم مستويات إدارية متعددة تجعل عملية الإتصال رأسياً وأفقياً في منتهى الصعوبة. ومن ناحية ثالثة فإن العلاقة بين الرئيس والمرؤوسين لا تصبح علاقة شخصية ومباشرة بحيث تصعب عملية تقييم كفاءة المرؤوسين. وفي ظل هذا المناخ التنظيمي المعقد يصبح من الضروري وجود لوائح ونظم وقواعد تحكم عملية تحديد الخطوط الفاصلة بين مختلف التخصصات ضماناً لعدم حدوث التضارب والإحتكاك بين الوحدات التنظيمية ويصبح من الضروري أيضاً وجود مسالك محددة للإتصال الرسمي تحددها الإدارة العليا وبهذه الوسيلة تتجرد الوظائف من شتى المؤشرات الشخصية التي قد تؤثر في أداء شاغلها لها. والبيروقراطية طبقاً للمعنى السابق ضرورة حيوية لجميع المنظمات كبيرة الحجم وإذا أمكن تحويل المثالية إلى واقع فإنه تصبح أفضل شكل تنظيمي ممكن ولكن الذي يحدث عادة هو التمادي في تطبيق اللوائح والتماسك الحرفي بها.ومع طول تعدد العاملين في هذا المناخ ومع صعوبة تعديل اللوائح بما يتمشى مع التغيرات والمؤشرات التي سيتعرض لها التنظيم يزحف مرض الجمود إلى السلوك التنظيمي وتصبح المبادرات الشخصية شيئاً نادراً أو مخالفاً للتعليمات واللوائح. ومن ثم تبدأ الآثار السلبية للبيروقراطية في الظهور. ولو حاولنا تتبع النظريات الكبرى للبيروقراطية لوجدنا أن مفهوم البيروقراطية لم يكن يشغل مكاناً بارزاً في فكر ماركس. وإن كان هذا لا ينكر أن ماركس قد درس مفهوم البيروقراطية واستخدمه في نطاق محدد تمثل في دراسة لجهاز الدولة وإدارتها كما طور أفكاره عنها حينما كان بصدد نقد فلسفة هيجل في الدولة فالجهاز الإداري في رأي هيجل يحقق الصلة الدائمة بين الدولة والمجتمع حيث يعتبر التنظيم البيروقراطي هو القنطرة التي تربط بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة ويعتبر موقف ماركس من البيروقراطية وثيق الصلة بمعالجته لفكرة الإغتراب ذلك المفهوم الذي يشير إلى كافة الظروف والأوضاع التي تجعل البشر يبتعدون عن حياة البساطة الأولية بحيث ينفصل الإنسان عن بيئته الطبيعية التي تعد جزءاً منها وتنطبق فكرة الإغتراب تماماً على البيروقراطية من وجهة نظر ماركس حيث حققت البيروقراطية كياناً مستقلاً بعيداً عن سيطرة الإنسان ومحاولة فرض سيادتها عليه. حيث يؤكد ماركس أن البيروقراطية كتنظيم تحطم كفاءة الفرد وتعوق قدرته على المبادأة والإبداع والتخيل وتحمل المسؤولية فماركس إعتبر البيروقراطية أداة الطبقة الرأسمالية لتدعيم مصالحها ولذلك فإن قيام ثورة البروليتاريا وظهور المجتمع اللاطبقي سوف يحكم جهاز الدولة البيروقراطية. ويعتبر موقف لينين من البيروقراطية مشابهاً لموقف ماركس حيث إعتقد أن البيروقراطية ستشهد إنهياراً تدريجياً عندما تتأسس ديكتاتورية البروليتاريا لأن الصراع ضد البيروقراطية سيكون من المهام الرئيسية للثورة. وتعتبر إسهامات ماكس فيبر في هذا المجال كبيرة حيث أنه استطاع أن يصوغ نظرية محددة للبيروقراطية تعتبر من النظريات الكبرى حيث كان فيبر مهتماً في دراسته للبيروقراطية بتحليل التغير الذي طرأ على التنظيم الإجتماعي في المجتمع الحديث فضلاً عن توضيح الخصائص أو المقومات النموذجية للتنظيمات الرسمية التي أصبحت تمثل أكثر أشكال التنظيم شيوعاً في هذا المجتمع ولذا فإنه كتاباته تعتبر قاعدة لنوعين من الدراسات هي الدراسات التاريخية التي تتبع التحول الواضح نحو البيروقراطية والبحوث الإمبيريقية التي تناولت أبعاد التنظيمات وخصائصها البنائية. وترتكز تحليلات فيبر للبيروقراطية على تصوره لطبيعة علاقات القوة في المجتمع كما إهتم بنموذج لعلاقة القوة وهو ما أطلق عليه مصطلح السلطة وهو علاقة القوة بين الحاكم والأفراد حيث أن ممارسة السلطة على أعداد من الأفراد تقتضي وجود هيئة إدارية قادرة على تنفيذ الأوامر وتحقيق الصلة الدائمة بين الرؤساء والمرؤوسين وهكذا حاول فيبر أن يضح نماذج السلطة وفقاً لمعيارين هما : الإعتقاد في شرعية السلطة ووجود الجهاز الإداري الملائم. ولقد ميز فيبر بين ثلاثة نماذج مثالية للسلطة تعتمد على تصورات مختلفة للشرعية هي :

1- السلطة الملهمة

2- السلطة التقليدية

3- السلطة القانونية كما إهتم فيبر باستخدام مصطلح ” التحول نحو البيروقراطية ” استخداماً واسعاً حيث أن هذا التحول مرتبط بظهور أنماط للسلوك والتفكير تشيع في كافة مجالات الحياة الإجتماعية نتيجة انتشار النزعة العقلية، تلك التي تشير إلى الإحاطة النظرية بأبعاد الواقع من خلال مفاهيم محددة ومجردة والتوجيه المنظم نحو تحقيق هدف أو غاية معينة بعد دراسة كافة الوسائل الممكنة والمفاضلة بينها. ومن نتائج هذا التصور للعقلانية ازدهار العلم وإزدياد الاعتماد عليه كنسق فكري يوجه السلوك والعمل بدلاً من الاعتماد على التفسيرات والقيم والأفكار الغيبية والميتافيزيقية. فالفكرة المحورية وراء تحليله التاريخي تتمثل في الصراع بين الإلهام الذي يشير إلى ابتكار أو تجديد نتيجة قوى تلقائية تظهر في المجتمع وتتحكم في مساره وبين الروتين أو النظام الدقيق القائم على أسس معروفة وخطة محددة من قبل فليس من شك أن القيادة الملهمة قوة ثورية في العملية التاريخية.

علم الإجتماع الديني عند فيبر

قد ماكس فيبر مجموعة من الدراسات يمكن أن تدخل تحت علم الإجتماع الديني لعل من أهمها تلك الدراسة التي حاول فيها أن يناهض الفكر الماركسي في أساسه وجوهره والتي تقع تحت عنوان الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية، ثم قام فيبر بعد ذلك بدراسات مقارنة تناولت الأديان الكبرى والعلاقة بين الظروف الإجتماعية والاقتصادية من جهة والإتجاهات الدينية من جهة أخرى. وعن الدور الذي الذي يلعبه الدين من خلال دراسات فيبر فإن ريمون آرون يقول ” إن نقطة الإنطلاق في دراسات فيبر عن علم الإجتماع الديني هما فيب اعتقاده بأن فهم أي إتجاه يحتاج من الباحث إلى إدراك تصور الفاعل للوجود بأكمله” إذ في ضوء هذا الإعتقاد حدد فيبر التساؤل الآتي لكي يجيب عليه دراساته. إلى أي مدى تؤثر التصورات الدينية عن العالم والوجود في السلوك الاقتصادي لكافة المجتمعات : ويقول (Aron, 1970) إن ماكس فيبر في دراسته لتأثير الأخلاق البروتستانتينية على الرأسمالية كان يريد أن يؤكد قضيتين هما :

1- أن سلوك الأفراد في مختلف المجتمعات يفهم في إطار تصورهم العام للوجود وتعتبر المعتقدات الدينية وتفسيرها إحدى هذا التصورات للعالم والتي تؤثر في سلوك الأفراد والجماعات بما في ذلك السلوك الاقتصادي.

2- إن التصورات الدينية هي بالفعل إحدى محددات السلوك الاقتصادي ومن ثم فهي تعد من أسباب تغير هذا السلوك. على أن فيبر لم يعالج الجوانب المختلفة للدين بوصفه ظاهرة إجتماعية بل إكتفى بدراسة الأخلاقيات الاقتصادية للدين ويقصد منها ما يؤكد عليه الدين من قيم اقتصادية. ويرى فيبر أن الرأسمالية الحديثة تمثل في حقيقة الأمر ظاهرة فريدة تنحصر خصائصها الأساسية فيما يلي: المشروع الاقتصادي القائم على التنظيم العقلي والذي تتم إدارته وفقاً لمبادئ علمية والثروات الخاصة والإنتاج من أجل السوق، والإنتاج للجماهير وعن طريقهم والإنتاج من أجل المال والحماس المتزايد والروح المعنوية العالية والكفاءة في العمل تلك التي تتطلب تفرغاً كاملاً من الفرد ليزاول مهنته أو عمله وهذا التفرغ يجعل من العمل المهني هدفاً ومطلباً رئيسياً في حياة الفرد وهذه الأخلاق المهنية تعتبر من السمات الواضحة لروح الرأسمالية الحديثة. بيد أن الرأسمالية تتطلب كذلك وجود أفراد يتميزون بخصائص سيكولوجية معينة وظروف اجتماعية معينة فالتنظيم الرأسمالي لا يتحقق في مجتمع يتسم أفراده بالكسل ويتمسكون بمعتقدات خرافية ويتميزن بعدم الكفاءة كذلك فلابد من توافر مجموعة من الظروف إلى جانب الخصائص السيكولوجية التي ذكرها وهذه الظروف هي رأس مال عقلي وإدارة للعمل وامتلاك كل وسائل الإنتاج وتوفر وسيلة للإنتاج وشيوع قانون عقلي وإزدياد العمل الحر وتسويق لمنتجات العمل. ويذهب فيبر إلى أن بنيامين فرانكلين قد عبر بصدق عن السمات السيكولوجية اللازمة لوجود النظام الرأسمالي مثل أن الأمانة هي أفضل سياسة، والحساب الدقيق ضرورة لأي عمل، السلوك المنظم، المثابرة، الكفاية، الصدق والإخلاص

لقد عمل أبداً (ماكس فيبرMax Weber) لما قد لا ينساه أي باحث متخصص في علم الاجتماع، وبقي عمله يسمى كنهج استدلالي اختط اسمه عريضاً، وبقي العالم كله مدينا لهذا الرجل العملاق، الذي لم يعش أكثر من ثمانية وخمسين عاما، ولكنه بقي تاركا بصماته الكبرى على علم الاجتماع، وأصبح أحد الكبار الثلاثة المؤسسين له (كارل ماركس)، (إميل دوركهايم)، و(ماكس فيبر)، كان الرجل عريض المنكبين، بجسد بدين، يدخن غليونه طوال اليوم، وهو إنسان عميق التفكير مقنع في جل أطروحاته، وصار منهجه (كل من سار على الدرب العقلاني وصل)، وكل باحث يُعلق أسئلته للآخرين، وجوباً فانه حتماً سيجد في اليوم التالي باحثاً مثله يرشده إلى غاياته ومطالبه، كان (ماكس فيبر) إنساناً جادا يتحدث بكل رؤاه العامة للمجتمع، ويغور عميقا في تحليل المجتمع طبقا للمنهج السوسيولوجي، حيث كان يغمر قارئه، وطلابه بكمٍّ غزير من المعلومات الدقيقة، والمشوقة عما يحدو به من فكر، ومنطق معاصر لعلم الاجتماع في فرادة تقنية فكر الغرب، وعقلانية الحضارة الغربية القديمة، والمعاصرة، وعلاقتها بسوسيولوجيا الأديان: (أي علم اجتماع الأديان، أو دراسة الأديان من وجهة نظر اجتماعية أو سوسيولوجية وليس فقط إيمانية تقليدية )، وكان ينظر ثاقباً إلى علاقة الدين بالمجتمع، ماضياً في شرح أفكاره بتحليل محايد تاريخي تراكمي، متوصلاً إلى نتائج بان الدين؛ لدى الغرب بقي سلاحا عظيما وخطيراً بحدين يستخدمه الساسة، لشدّ العامة، والعكس صحيح يستخدمه العامة لفك قيدهم من الساسة الطغاة، ويجري مقارنة دائمة ما بين الأخلاق البروتستانتية ونشوء الرأسمالية، فاغلب كتب السيرة التي كتبت عنه تقول بأنه ولد (ماكس فيبر) من أبوين تقنيين صناعيين مختصين بالنسيج، ونشأ متعلماً ومتنعماً بين وسط عائلي بروتستانتي ثري في ضاحية المهندسين من مدينة (إيرفورت) بألمانيا عام 1864م، وكان أعمامه وأخواله موظفين كبار وأساتذة جامعيين، وأما والده فقد كان قيادياً في الحزب القومي الليبرالي، ويُعد حزبا للمثقفين والبورجوازيين، وغالباً ما تعامل بمسٍّ مباشر بشخصيات سياسية، وفلسفية كبيرة كانت تحايثهُ من أمثال (ديلتي) و(مومسين) و(نورمان) وسواهما ويلتقيهم أبيه ببيته الذي كان مرتعاً للعلم والسياسة والفكر، وساعده هذا للاستدلال إلى الكثير من الأعلام الفكرية، وراح يقرأ بنهم أطروحات (ماركس)، و(نيتشه)، و(هيغل)، و(كانط)، فشغف التاريخ كان يفوق شغفه بالفلسفة، وعلم اللاهوت، والجماليات، وأيضا يفوق دروسه في (كلية الحقوق والاقتصاد)، و أطروحة الجامعية (المجتمعات التجارية في القرون الوسطى) التي نال بها درجة الشرف الأولى، ثم وظف كأستاذ في جامعة (فريبورغ) أولا (1894)، وجامعة (هايدلبرغ) ثانيا (1896) لمادة علم الاقتصاد السياسي، (ولكن صحته المتدهورة اضطرته إلى قطع دروسه وإيقافها تماما عام 1898)، وفي عام 1904 أسس (ماكس فيبر) مجلة صار لها دوراً في تطوير نظريات علم الاجتماع (عنوانها: أرشيفات العلوم الاجتماعية والعلوم السياسية)، وفي عام 1910 شارك في تأسيس (الرابطة الألمانية لعلم الاجتماع)، ومن ثم جاءت الطامة الكبرى في حياته إذ انخرط (ماكس فيبر) في العمل السياسي المحض وأصبح معارضا سياسيا للإمبراطور (غيوم الثاني) وتحول إلى عضو فاعل في (الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني)، وترك كتابة البحوث متحولا إلى العمل في الشعارات السياسية وملصقات الجدران، (وقد شارك بعد الحرب العالمية الأولى كعضو في الوفد الألماني إلى مؤتمر السلام الذي انعقد في فرساي عام 1919. وكان احد كتبة الدستور الجديد للجمهورية الألمانية )، ثم تسلم منصب أستاذ علم الاجتماع في جامعة (ميونيخ) عام 1918، حتى موته بنوبة قلبية عام 1920، تاركاً إرثاً كبيرا من الكتب الجدلية، مشتهرا بأنه أحد أهم المفكرين المشتغلين الذين انهمكوا في تحليل (ظاهرة الحداثة وكيفية نشوئها وتشكلها وسيطرتها على المجتمعات الصناعية المتقدمة)، وبقيت مراجعاته من أهم المراجع لأي مثقف معاصر يخوض مضمار الحداثة، أسياستها، والعودة إلى ما كتبه عنها من تنظيرات وأطروحات لأنه كان معنيا بسؤال الحداثة المهم بعلاقتها العلمية والتكنولوجية والبيروقراطية في أوروبا الغربية وأميركا الشمالية، كما وأيضا كيف تطورت عقلانية الأفكار في هذه المنطقة أكثر من سواها؟، متطرقا بعمق، ومفسرا إياها بـ(عقلنة العالم؛ أي دراسة العالم بشكل علمي، موضوعي، عقلاني لا بشكل غيبي، ميتافيزيقي، خرافي، هنا يكمن الفرق بين مجتمعات الحداثة والمجتمعات التقليدية، فهذه الأخيرة تسيطر عليها الرؤيا القديمة المليئة بالخرافات والمعجزات والأساطير)، ويقول أيضا بان الحداثة (جاءت فتبخرت كل هذه الأساطير والخرافات وبدا العالم على حقيقته المادية، والفيزيائية، والبيولوجية، وهكذا انقلب السحر على الساحر، وانكشفت إسرار وجه العالم الحقيقي، ولم يبدو شعريا كما كان عليه الحال السابق )، فقدت براءته بسبب تشريح العلم، وتم تحليله تحليلا موضوعيا بغية اكتشاف القوانين التي تتحكم به، فعرفت الأسباب وبطلت الأعاجيب، حيث عمت قيم التفاخر بالفرادة الأخلاقية الغربية الحديثة وأصولها، وبقي مؤمنا بأن القيم التطبيقية ستبقى تفوق ما كانت تفوق من كلام لا يمتلك جزءا من المصداقية، وظل يعتقد (بأن أخلاق التقشف وحب العمل، والادخار، وأداء الواجب بصورة سليمة ساعدت على ظهور الرأسمالية كنمط للحياة والإنتاج)، وبهذه المثل سيسود التقدم، ويتحقق للمجتمع استقراره، بتوفير فرص العمل المتكافئة عموما، وليس في المجتمعات التي تؤمن بالعقيدة البروتستانتية، وحدها، (أحد المذاهب المسيحية المنتشرة في شمال أوروبا وألمانيا وانجلترا)، فالرأسمالية ظهرت أولا في (بريطانيا) قبل أن تظهر في البلدان الكاثوليكية كـ(فرنسا) مثلا، لان مفهومه للاقتصاد وعلاقة الاقتصاد بالمجتمع، قد وضع براويز، وخطوط حمراء فوق مواطن الخلل والزلل، فـ(الاقتصاد السائد في المجتمعات البدائية، ونوعية الاقتصاد السائد في المجتمعات الصناعية الأول، هو -اقتصاد الكفاف- الذي يؤمّن بقاء الإنسان على قيد الحياة فقط، ولكن بدون متعة أو استهلاك زائد عن الحد، أما الاقتصاد الثاني فهو قوي جدا وقائم على الإنتاج الصناعي وليس فقط الزراعي، كما أنه قائم على إدخال الآلة إلى كل مراحل الإنتاج الزراعي)، فالمجتمع دائما متفاوت حسب تفاوت إمكانية كل إنسان، (المجتمع إلى طبقات متفاوتة في الدخل والثروة: أي طبقة العمال البروليتاريين، وطبقة أرباب العمل الرأسماليين، والطبقة الوسطى)، نتيجة تراكم (رأسمال) تتحكم به فئة قليلة من الأشخاص أو العائلات، وتضخم (مشكلة الهيبة الفوقية أو السلطة في المجتمعات الحديثة) وانتقال (الأمة الدينية المسيحية إلى مرحلة الأمة القومية الحديثة القائمة على فلسفة التنوير وحقوق الإنسان والمواطن وليس على الدين)، وكان أهم لبنة (حداثية)، أو طفرة حداثية، (وهي الطفرة التي انتقلت بأوروبا من مرحلة العصر الإقطاعي الأصولي القديم، إلى مرحلة العصر البورجوازي الرأسمالي التنويري الحديث)، بهذا رسخت أفكار(ماكس فيبر) مفاهيم الإجابة عن مشاكلنا المعاصرة، و(الفكر العقلاني يعيش، أبداً.. حتى يخطو همومه المعاصرة )، وقد وقف مضاداً للثقافة السياسية الأميركية، وديمقراطيتها المتعصبة، ونفعيتها المتواصلة، إذ أشار بأنها تعود بالإنسان إلى القيود، وقد بقي الرجل طودا شامخا يتحدى الزوال بأفكاره النيرة أبداً، وكان أنموذجا للعالم الخالد، المتفرد برقي أفضل منهج قويم.

عالم الاجتماع ماكس فيبرعالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر ترك بصماته على أهم العلوم الإنسانية وما زالت أعماله مرجعية مهمة للمهتمين والدارسين. فيبر الذي ولد في مدينة إيرفورت وتوفي في ميونيخ خلّف وراءه إرثا يعتبر من أهم ركائز علم الاجتماع

إن تحجيم ماكس فيبر (1864 ـ 1920)، أحد أهم روّاد علم الاجتماع ومؤسسيه على مقالة تعريفية هو إجحاف بحق عالم الاجتماع والسياسي الذي ترك بصماته على أهم العلوم الإنسانية وما زالت مدرسته وأفكاره تلاقي اهتماما متزايدا بين علماء معاصرين يحاولون تفسير مستجدات الساحة الاجتماعية واستكشافها من جديد. ولأننا سنحاول من خلال هذه السطور المتواضعة إلقاء نظرة على السيرة الذاتية لمؤسس علم الاجتماع في ألمانيا وتعريف القارئ به دون الخوض في فلسفة أعماله وتأثيرها، فإننا سنقتصر على التطرق إلى محطاته الحياتية وأهم إنجازاته وأعماله. ويجمع المؤرخون على أن دراسات عالم الاجتماع الألماني تتمحور حول الجدل الدائر بخصوص نشوء المجتمعات الصناعية وظهور الرأسمالية كأسلوب إنتاج جديد. وفي حين ركّز مواطنه كارل ماركس على العوامل الاقتصادية في ظهور الرأسمالية، أعطى فيبر أهمية كبيرة للمعتقدات الدينية والقيم في نشوء وظهور هذا النظام الاقتصادي.

الجمعية الألمانية لعلوم الاجتماع

وُلد ماكس فيبر في الثاني والعشرين من شهر نيسان/ابريل عام 1864 في مدينة إيرفورت (ولاية تورينغن) وترعرع في عائلة محافظة. وبعد أن أنهى دراسته، التحق عالم المستقبل بجامعات عديدة في برلين وهايدلبرغ ودرس علوم الحقوق والفلسفة والتاريخ والاقتصاد القومي. وعند بلوغه سن الثلاثين دُعي فيبر للعمل كبروفسور في كلية الاقتصاد القومي في جامعة فرايبورغ (جنوب ألمانيا). وبعد ذلك، انتقل الى جامعة هايدلبرغ. ولكنه بعد انتقاله الى هذه الجامعة العريقة، أُصيب بمرض نفسي أجبره على مزاولة عمله على مدى سبع سنوات بشكل متقطع. وكان عام 1904 بمثابة ولادة جيدة لفيبر، فقد بدأ من جديد بنشر أعمال كان أهمية كبيرة في مجال علوم الاجتماع والفلسفة والاقتصاد. وفي عام 1909 شارك فيبر في تأسيس الجمعية الألمانية لعلوم الاجتماع. ومن ثم بدأ فيبر عام 1913 بكتابة أحد أهم أعماله وهو “الاقتصاد والمجتمع” والذي نُشر لأول مرة عام 1922، أي بعد وفاته. وبدأت تظهر اهتمامات فيبر بالأمور السياسية الراهنة عام 1915. هذا ويُعتبر فيبر أحد المؤسسين للحزب الديمقراطي الألماني عام 1919. وفي نفس العام كتب عملين مهمين هما “العلم كمهنة” و” السياسة كمهنة”.

“الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية”

صحيح أن رائد علم الاجتماع ألّف أعمالا كثيرة، ولكن أبرز هذه الأعمال وأكثرها تأثيرا في الفكر الاجتماعي كان كتاب “الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية” وبحسب المؤرخين، فإن هذا الكتاب كان قراءة لدور القيم الدينية في ظهور قيم وأخلاق العمل في المجتمعات الصناعية الجديدة التي كانت أساس ظهور النظام الرأسمالي. وتأتي أهمية دراسات وأطروحات فيبر من اهتمامه منقطع النظير بفلسفة العلوم الاجتماعية ومناهجها. وفي هذا الخصوص، استطاع العالم تطوير المفاهيم والجوانب التي أصبحت بعد وفاته من ركائز علم الاجتماع الحديث. ومن أهم المصطلحات التي أثرى بها علم الاجتماع وتعتبر جزءا مهما منه ومرجعا كبيرا للمهتمين بهذا العلم الإنساني هي “العقلانية” و”الكاريزما” و”الفهم” و”أخلاق العمل”.

مؤتمر فرساي

وفي عام 1919 رافق فيبر الوفد الألماني إلى باريس لحضور مؤتمر فرساي الذي وضع حدا للحرب العالمية الأولى. وبعد أن تبين لمستشار الوفد الألماني أن الحلفاء ـ حسب المؤرخين ـ لا يرمون من خلال المؤتمر إلى إحلال السلام، بل إلى استغلال ألمانيا وإذلالها، بعد ذلك غادر المؤتمر احتجاجا على ذلك. وفي عام 1920 توفي فيبر في مدينة ميونيخ عن عمر يناهز 56 عاما متأثرا بمرض الالتهاب الرئوي وتاركا خلافه إرثا ما زال يعتبر مرجعية مهمة في علوم الاجتماع والاقتصاد والسياسة.

في موقف علم الاجتماع من التدين

لحسن محسن خوخو

يمكن أن نلخص الصعوبة الإبيستيمولوجية، التي كانت تعترض الدراسة العقلانية للدين، في السؤال التالي: كيف نستطيع أن نتخذ الدين، باعتباره ظاهرة مقدسة، موضوعا للدراسة العقلانية؟ ألا تنطوي عملية دراسته على إلغاء خصوصيته كظاهرة مقدسة، على اعتبار أن الدراسة العقلانية، لن تستطيع القيام بدورها، إلا بعد “تدنيس” مواضيعها على أرضية التاريخ؟ بمعنى كيف يمكن بحث موضوع الدين، عقلانيا، وهو يقوم على أصل غير دنيوي؟ أليس في عملية نقله من مجال المقدس، إلى مجال المدنس، إلغاء له، كظاهرة خاصة ومتميزة، وإفراغ الدراسة من موضوعها؟

لقد أدت هذه الصعوبة في دراسة الدين، إما إلى مقاربته بشكل تأملي، أسفرت في أحسن نتائجها عن إضفاء المزيد من القداسة والغموض على الظاهرة الدينية، وإما إلى تجاهله وإلغائه من الاهتمام، واعتباره إما “وهميا” وجب إزالته، أو “عصابيا” نفسيا يعانيه الإنسان (Marx, Freud).

إلا أن أهم بداية لتجاوز هذه الصعوبة أمام دراسة الدين، عقلانيا، كانت مع ظهور علم الاجتماع وبداية النظر لقضايا لمجتمع والتاريخ، من وجهة نظر مغايرة للسابق، وبأدوات معرفية ومنهجية قريبة من حرارة الحياة الواقعية للبشر. ولعل أهم مؤشر على هذه البداية، هو اعتبار الدين ظاهرة سلوكية، تهم العلاقات الاجتماعية للفرد داخل محيطه الاجتماعي. هكذا تحول الموضوع من دراسة الدين، إلى دراسة ظاهرة التدين. فما يهم عالم الاجتماع، ليس الدين كإيمان روحي للفرد والجماعة، ومعتقدات تجيب على قلق الإنسان أمام العالم والمصير الوجودي، بل ما يهمه هو المظهر الاجتماعي والثقافي الذي يأخذه هذا الإيمان، على مستوى الحياة العامة للمجتمع، والتجسد المؤسساتي والتنظيمي، الذي يترجم هذه المعتقدات، إلى معاني تاريخية، وسلطة دنيوية.

على أساس هذا التحول في الرؤية المنهجية للدين – وإن كان تحولا لم يأت دفعة واحدة – أظهر علم الاجتماع، منذ بدايته، اهتماما كبيرا بالتدين. فكل الرواد الأساسيين لهذا العلم، أبانوا عن انشغال بالغ بمعنى الدين ووظيفته في المجتمعات الإنسانية. هكذا نجد كلا من كونت ودوركايم وفيبر، قد خصصوا كتبا مركزية، أوأجزاء مهمة من كتبهم لموضوع الدين.

وإذا كان علم الاجتماع، قد جاء إثر ثورتين أساسيتين، عرفهما الغرب الأوروبي: الثورة الصناعية ثم الثورة الفرنسية، هاتان الثورتان اللتان أحدثتا تغيرات جذرية في كافة النظم التاريخية للمجتمع الأوروبي، حيث جاءتا بأخلاق بورجوازية جديدة، وطرق إنتاج جديدة، وبأسس اجتماعية للدولة وللتنظيمات لم يسبق أن عرفها المجتمع من قبل، إذا كان علم الاجتماع الابن الشرعي لهذه التغيرات، فإنه عمل منذ البداية على تقديم جواب على السؤال التالي: كيف يمكن لمجتمع مثل المجتمع الأوروبي، القائم على القيم الفردانية، أن ينجح في البقاء متلاحما ومتوحدا؟ كيف يمكن للنظام الاجتماعي أن يصمد في مجتمع قائم على أساس مشروعية توسيع المصالح الفردية، بدون أن تؤدي هذه المصالح إلى تدمير المجتمع؟

على أساس هذا التساؤل، انطلق البحث عن الأشكال الحقيقة للتراضي الاجتماعي، والتي تشكل لحمة المجتمع، وتسمح بحد أدنى من الانسجام يمكن بدوره من تحقيق نزاعات وتحولات، دون تدمير المجتمع. وكانت إحدى هذه الأشكال الأساسية هي الدين.

ـ كونت والوضعية:

كان الهم الأساسي لأوكست كونت هو تحديد الأساس النظري للفيزياء الاجتماعية –علم الاجتماع- باعتباره علما جديدا، قادرا على كشف القانون الذي يحكم اشتغال وتطور المجتمع، انطلاقا من الأنواع البسيطة، حتى الأشكال الأكثر تعقيدا لتنظيم الحياة الاجتماعية. وقد قاده بحثه إلى الإقرار بوجود ثلاثة مراحل أساسية تحكم تطور المجتمع الإنساني، وتحدد، في كل مرحلة،نمط الحياة فيه. في المرحلة الأولى، وهي اللاهوتية، يرى كونت أن الإنسان فيها كان يعتمد على رؤى ومبادئ دينية لتفسير عالمه الاجتماعي، بمعنى أن هذا الأخير، يجد معناه في عالم فوق-اجتماعي، إلهي. المرحلة الثانية، هي المرحلة الميتافيزيقية. يرى كونت، أن الإنسان كان في هذه المرحلة، أكثر تقدما مما كان عليه في السابقة، وفيها حاول اعتماد مبادئ فلسفية، تجريدية، لتجاوز تعقيد الحياة الاجتماعية التي تعلو المجتمع الإنساني. لقد بحث الإنسان عن تفسير للوجود لا يكون خارج هذا الوجود نفسه، ولكن انطلاقا من عناصر بسيطة من الطبيعة. فالنظام الاجتماعي يفهم هنا على أنه قائم على النظام الطبيعي. المرحلة الأخيرة، وهي المرحلة الوضعية، ويسيطر فيها العلم. لقد وصل الإنسان، مع هذه المرحلة، في نظر كونت، إلى مرحلة صار التفسير العلمي فيها، (أي ملاحظة الوقائع الوضعية وتفسيرها بقوانين تحكم سيرها)، هو التفسير الوحيد للعالم، سواء الاجتماعي أو الطبيعي.

من خلال هذه المراحل، نفهم أن الدين عند كونت لم يدرس في حد ذاته. بل باعتباره مرجعية لتفسير العالم، استعملها الإنسان في إحدى مراحل نموه الفكري والاجتماعي. الدين بهذا المعنى، هو استراتيجية اجتماعية من أجل خلق تراض معين. كل مجتمع، كل تنظيم، يسعى إلى البحث عن توازن من خلال قيم مشتركة، ورؤى للعالم واحدة. فالدين عند كونت، وعند دوركايم كما سنرى، هو إرضاء حاجة عميقة عند الإنسان، حاجة من النمط المعرفي والسلوكي، تمكنه من تحقيق انسجام ضروري لبقاء الحياة، وفي مرحلة معينة من تطور حياته. هذا الفهم الوضعي للدين، هو الذين أدى بكونت، في أواخر حياته، إلى الدعوة لدين جديد، يلم شمل المجتمع الأوروبي، الذي كان يهدده التمزق، دين أساسه العلم.

ـ دوركايم والوظيفية:

منذ كتابه الانتحار (1897)، اكتشف دوركايم الدين، من خلال الدور الذي يلعبه في حياة ومواقف وسلوك الأفراد والجماعات. لذلك نجده سنة 1912، يكتب بحثا هاما حول الموضوع، عنونه بـ: Les formes élémentaires de la vie religieuse(الأشكال الأولى للحياة الدينية). يعرف دوركايم الدين في هذا الكتاب قائلا: “الدين هو منظومة متلاحمة من الاعتقادات والممارسات المرتبطة مع أشياء مقدسة، بمعنى مفصولة، ممنوعة، معتقدات وممارسات تجمع في جماعة أخلاقية واحدة، تسمى الكنيسة، كل أولئك الذين ينخرطون فيها” (ص65، طبعة سنة 1985). ويمكن تلخيص خاصيات المقدس عند دوركايم على الشكل التالي:

1) انفصال الشيء أو الفكرة عن الواقع لتصبح مختلفة جذريا عن المدنس الواقعي. إن المقدس عنده هو المدنس الذي تغير طبيعته ودلالته بفضل إرادة الإنسان. من هنا فإن الإنسان هو الذي يخلق وينتج المقدس.

2) هذا الانفصال ناجم عن سيرورة اجتماعية.

3) يخلق النظام الاجتماعي، في اللحظة التي يستطيع فيها الإنسان أن يعزل، داخل المجتمع، “مكانا للقوة” (Un lieu de puissance)، وذلك لغرض شرعنة القواعد والقيم الجماعية التي تفرض لضمان حد أدنى من الانسجام الاجتماعي.

هكذا، فإن الدين عند دوركايم، هو الشكل المنظم، والمؤسساتي للمقدس، من جهة، وهو نمط لإنتاج المعايير الجماعية والوعي الاجتماعي، من جهة ثانية. وهو بالتالي، ما يضمن ويحقق الاندماج الاجتماعي. من هنا أهمية الطقوس الدينية، التي تبقي على الوعي الجمعي في حالة صحو دائمة.

ويمكن أن نشير إلى التمييز الذي يقيمه دوركايم بين الدين والسحر. فإذا كان هذا الأخير، هو مجموعة من الطرق، غير العقلانية من وجهة نظر العلم والتقنية، والتي من خلالها يبحث الأفراد للوصول، أو لتجنب، بعض العقلانية من وجهة نظر العلم والتقنية، والتي من خلالها يبحث الأفراد للوصول، أو لتجنب، بعض نتائج نشاطاتهم (M.Mauss: 1983) فإن هذه الطرق والسلوكات، لم تستطع أن تنتج مؤسسات مثل الكنيسة، بل فقط تكتفي بإنتاج علاقة بين الساحر وزبونه، على عكس الدين الذي استطاع إنتاج مؤسسات وتنظيمات (E.Durkheime:1985، ص61).

ـ تلكوت بارسونز وتطور الوظيفية:

من المعروف أن الدين لا يحتل مكانة مركزية في ابحاث بارسونز السوسيولوجية. ويمكن القول إن نظريته تتأرجح باستمرار، بين محاولة فهم الواقع من وجهة نظر الفرد الفاعل، وضرورة فهم الإمكانية التي تتوفر عليها المنظومة الاجتماعية للاشتغال المنظم رغم تعقدها. ففي كتابه: (La structure de l’action sociale :1937)، وهو أول عمل ممنهج لبارسونز، يبين أن العلاقات بين الفعل الفردي والمنظومة، هي علاقات ممكنة، نظرا لوجود مرجعية مشتركة، بين توجهات الفرد الأخلاقية والقيمية، والأطر الموجود قبله، والتي من داخلها يتصرف الفرد. إن التوجهات الذاتية، والأنماط الموضوعية للفعل، كلاهما ينتميان، إلى ما يسميه بارسونز المنظومة (Le système). الفعل إذن ممكن كمنظومة. هذا الطرح سوف يجد شكله الواضح في كتابين أساسيين لبارسونز: الأول هو Le système socialeسنة 1951، والثاني هو: Théorie de l’action et condition humaineسنة 1978. ويمكن تلخيص أطروحة بارسونز كالتالي:

إن المنظومة الاجتماعية تنظيم معقد تتم فيه تبادلات مكثفة ومستمرة بين الغريزة والإخبار، بين الطاقة والضبط، بين التشتت والنظام. وينظم التبادل على مختلف المستويات، من البسيط حتى الأكثر تعقيدا: من المستوى الذي يسود فيه الضبط المباشر، إلى المستوى ذو الآليات المعقدة للضبط، حيث مفروض على الفرد أن يتمثل أنماطا وقيما أخلاقية، والتصرف وفق أفعال محددة ومحدودة. إن التنوع اللامتناهي للاختيارات الفردية، تنوع قائم على أولوية المصالح، أمام القيم المشتركة، هو تنوع محدود فقط بوجود المؤسسات الاجتماعية التي تنسخ، بتعبير بورديو، في وعي الأفراد، منظومات رمزية معممة للفعل.

وهكذا، فإن الدين يأخذ دورا حاسما بمجرد ما يمنح للمنظومة موردا للشرعنة الفعالة التي لا ترقى أية منظومة أخلاقية أخرى لأن تمنحها. إنه يلعب وظيفة مهمة وعالية في ضبط المنظومة الاجتماعية.

ولعل هذا ما يجعلنا نفهم، دفاع بارسونز، في أواخر الستينات، عن الدور الذي لعبته المسيحية في تطور السيرورة الديمقراطية، خاصة في المنظومة السياسية الأمريكية. ثم قوله بأن الدين لن يعرف الزوال، وأن التحولات مهما وقعت، سوف لن تؤدي سوى إلى تغيير مضامينه الاجتماعية. إن الدين، في نظر بارسونز، إذا كان لا يعرف النهاية، فلأنه بنيويا يقوم بإشباع حاجيات توازن المنظومة في جميع مظاهرها.

ـ بورديو والحقل الديني:

في دراسة حول الحقل الديني، يحاول بورديو (1971) أن يوفق بين وجهة نظر كل من ماركس وفيبر حول الدين. الفكرة الأساسية لهذه الدراسة يمكن عرضها على الشكل التالي: الحقل الديني هو مجموعة من الخيارات الرمزية التي تهم مجال المقدس. حول هذه الخيراات تمارس سلطة الإنتاج، التعريف،وإعادة الإنتاج لفائدة جماعة مختصة في المقدس. هذه السلطة، ذات الطابع الاعتباطي، تؤدي إلى خلق تراتبية معينة، تقوم على سلطة-معرفية تحدد ما هو أجدر بالاعتقاد. نتيجة كل هذا، يوجد اختلاف دائم، في المواقع، بين المتخصصين في المقدس، وغير المتخصصين. هؤلاء هم الأوائل الذين تنسخ فيهم منظومة من التصورات والقيم والاستعدادات التي تمكن، من جهة، ضمان الشرعية الداخلية للحقل الديني، ومن جهة أخرى إعطاء الأفراد منظومة من الدلالات، بغرض أن تفسر لهم “كيف ينقدون أرواحهم”، وكيف “ينجحون في الحياة”.

إن اختلافات الحقل الديني الداخلية، تحمل نزاعات خفية، يمكن أن تظهر، مثلا، عندما تحاول جماعة من غير المختصين في المقدس، أن تعطي تعريفا بديلا عن تعريف المتخصصين في المقدس، تعريفا مغايرا، يخص الرأسمال الرمزي الذي يتسرب، مع مرور الزمن، من الحقل الديني. بالطبع، إن استقلالية هذا الحقل، ليست مطلقة، إذ أنه مرتبط بعلاقات مع الحقول الأخرى، ومع البنية الاجتماعية ككل.

ـ الدين والتغير الاجتماعي:

لم يهتم علم الاجتماع فقط بما يمكن أن يفعله الدين، بعد أن يشرعن النظام الاجتماعي القائم. بل اهتم كذلك، بما يمكن أن يساهم به في إنتاج تغيرات اجتماعية ونزاعات، يمكن أن تلعب دورا تجديديا في خلق أوضاع ومنظومات اجتماعية جديدة.

لقد كان ماكس فيبر أول من طور، سوسيولوجيا، هذه الرؤية للدين. إذ نجده، أكثر من غيره، قد محور جزءا كبيرا من أعماله على فهم الدين، كعامل أساسي في الدينامية الاجتماعية.

لم يهتم فيبر بالدين في حد ذاته، بل اهتم به في سياق البحث عن جواب ملائم للسؤال الذي شغل علم الاجتماع منذ بدايته: لماذا ظهرت الحداثة في أوروبا وليس في مكان آخر؟ وإذا كان معروفا أن الحداثة عند فيبر، هي العقلانية في أرقى مراحلها، وهي التي أعطت بالتالي، على المستوى الاقتصادي، الرأسمالية، فإن السؤال الذي انبثقت منه كل أبحاثه في هذا الموضوع هو: ما هي الظواهر العقلانية، غير اقتصادية، التي تستطيع أن تؤثر بجلاء في العقلانية الاقتصادية؟ لقد انصبت كل أعمال فيبر على عامل واحد هو الدين، وكانت تتخذ مسارين اثنين: الأول، تبيان المساهمة الإيجابية للمسيحية، أو لإحدى تأويلاتها، في تشكيل مصير الرأسمالية. الثاني تبيان، المعوقات التي ساهمت بها الديانات الأخرى، في منع بروز الرأسمالية، في مناطق أخرى غير أوروبا.

نستطيع أن نلخص أطروحة فيبر حول دور الدين في التغير الاجتماعي على النحو التالي: توجد ميولات متوافقة بين نموذجين مثاليين: الرأسمالية من جهة، والمسيحية في تأويلها الكلفيني، وما ترتب عن هذا التأويل من أخلاق، من جهة ثانية. لا يتعلق الأمر بعلاقة سببية، بقدر ما يتعلق بوجود عناصر أخلاقية في الكلفينية، يمكن أن تكون قد ساهمت، في ولادة عقلية تلائم المقاولة الرأسمالية الحديثة. إذن هناك علاقة ترابط، وليس علاقة السبب بالنتيجة.

فإذا كانت خاصيات النموذج المثالي للرأسمالية، هي من جهة، التراكم الدائم، ومن جهة أخرى، وجود سلوك عقلاني للعمل وللمقاولة، سلوك يهتم باستمرار بعلاقة الوسائل بالغايات، كما يهتم بعلاقة الادخار بالاستثمار، بالربح، ثم بإعادة الاستثمار، فإن هذا النموذج من التصرف الاقتصادي قد وجد في بعض بقاع أوروبا، الأرضية الخصبة للتطور، حيث يسود نموذج من الدين مشتق من البروستانتية الحديثة: إنه الكلفينية. إن روح الرأسمالية، سوف تكون منسجمة، مع نوع من نمط الحياة، مع إيمان ديني، ومع أطر أخلاقية للتلقي (M.Weber: 1964).

هكذا بين فيبر، أن ظهور الرأسمالية في جزء مهم من أوروبا، هو أمر لم يكن نتيجة توفر ظروف مادية فقط، بل نتيجة توفر ظروف “روحانية” كذلك. وبالتالي، يمكن أن نستخلص أن الدين قادر على أن يلعب أدوارا طلائعية في التغير الاجتماعي والتجديد الحضاري. وليس فقط في تسويغ وتبرير النظام الاجتماعي القائم. أي أنه ليس بالضرورة وهما واستيلابا ووعيا مغلوطا، كما أشار ماركس. فبالنسبة لهذا الأخير، يعد الدين، من إنتاج علاقات اجتماعية محددة، ولا يمكنه أن يتغير إلا بتغير هذه العلاقات الاجتماعية. فهو، أي الدين، مظهر استيهامي للحياة الاجتماعية، تمثل وهمي للبنى الخفية للعلاقات الاجتماعية وللطبيعة، وهو بالتالي، مجال لاستيلاب الإنسان. هكذا، فدور الدين، باعتباره بنية فوقية، وشكلا من أشكال الإيديولوجية، محدد بالبنية التحتية، أي علاقات الإنتاج (K.Max: 1960). لهذا يمكن للدين أن يعكس النزاعات الاجتماعية المطروحة في مجتمع ما، سواء لتبرير سيطرة الحاكمين، (الدين “عفيون الشعوب” كما قال ماركس)، أو كتعبير سياسي رافض ومتمرد في يد القوى الاجتماعية، التي لا لغة سياسية لها (الدين “زفرة المضطهدين” دائما حسب تعبير ماركس).

ويمكن أن نوضح الاختلاف الكامن بين ماركس وفيبر، فيما يخص مسألة الدين والتغير الاجتماعي، في الإجابة التي يقدمها كل منهما على السؤال التالي: كيف يحدث، في لحظة معينة من التطور التاريخي، أن تنتج في المجتمع، تحولات عميقة في النظام الاجتماعي؟ ما هي الظروف التي تسرع عملية التغير التاريخي؟

بالنسبة لماركس، عامل الدينامية يتمثل في التناقض السوسيو-اقتصادي الذي يضع طبقتين في المواجهة، ويؤدي إلى التغير السياسي، الأمر يتعلق بعامل بنيوي. أما فيبر، فإن الإجابة عن هذا السؤال تقوده في اتجاه آخر: إذا كان المجتمع يتغير، فذلك لأن عوامل الأزمة الاقتصادية الاجتماعية السياسية وجدت من يؤولها ويفهمها بشكل تجديدي. أي وجدت فاعلين اجتماعيين مجددين، اجتماعيا وسياسيا، ولهم القدرة على معرفة وقراءة علامات زمنهم، والاستجابة لحاجيات التغيير التي تعبر عنها اللحظة التاريخية.

وتزداد أهمية دور الدين في التغير الاجتماعي، عند فيبر، عندما يصنف هؤلاء الفاعلين الاجتماعيين ويضع على رأسهم النبي، كنوع من القيادة الكاريزمية التي تقود نحو التغير الاجتماعي والأخلاقي والسياسي. إذن فرجل الدين (وليس رجل العلم وحده)، قادر على أن يحدث تغيرات مهمة داخل المجتمع.

وهكذا، فالدين، مع فيبر، لا تنحصر وظيفته في تحقيق الانسجام الاجتماعي فقط، مثلما ترى الوظيفية، بل هو كذلك، وعلى الخصوص، عنصر قادر على إنتاج التجديد والتغير الاجتماعي. وبالفعل، فلقد استطاع الدين أن يشكل الأساس الحقيقي للمعايير الاجتماعية السائدة في الولايات المتحدة الأمريكية (R.Bellah: 1985). كما شكل منظومة مضادة لدى المجتمعات المهددة من طرف حداثة معيشة كغزو حضاري (المجتمعات الإسلامية مثلا).

لهذا وجب التخلي عن الرؤية التي تقابل بين الدين والمجتمعات الحديثة. إذ أن هذه الأخيرة، ليست هي المجتمعات التي لا تكترث بالدين، وتتخلص من المقدس، بل هي التي تحقق فيها التطور المقترن بتأكيد شخصية الفرد، وبمقاومة تدمير هوية الأفراد والجماعات (A.Touraine: 1992، ص356). فالدين، بهذا المعنى، وخاصة في المجتمعات المصنعة، أصبح يحيل على الفرد ضدا على الأجهزة الاقتصادية والسياسية المركزية المسيطرة (نفس المرجع السابق، ص250). من هنا نستطيع أن نقول إن للدين إنتاجات اجتماعية، مثل التضامن، كشكل من التنشئة الاجتماعية، وكالشعائر والطقوس الدينية، التي لها تأثيرات كبيرة على الحياة الاجتماعية والاقتصادية للفرد والجماعة (شعائر كالأضحيات والصلاة وزيارة الأماكن المقدسة…) (Huber et Mauss: 1899) وكالاعتقادات التي تلعب أدوارا على غاية من الأهمية في الحياة الاجتماعية، سواء على المستوى العملي، أو على المستوى النظري. فهي تقوي التوازن النفسي والاجتماعي للفرد والجماعة، وتحفز على للإنتاج وتنشط العواطف. كما تقوم كقواعد للحياة الخاصة والعامة، وتنظيم العلاقات الاجتماعية والسياسية. وهكذا، يكون الدين، موردا مركزيا لتطور الحياة الاجتماعية.

ـ مشكلة قياس التدين في علم الاجتماع:

قبل التطرق لهذه المشكلة، وجب أولا تحديد تعريف للتدين. ذلك أننا لا يمكن أن نقيس ظاهرة ما دون أن نعرفها، ودون الدخول في نقاشات طويلة أملاها تعدد الاتجاهات والمناهج في علم الاجتماع يمكن الاكتفاء بالتعريف الذي يعتمده C.Y.Glock. إذ يقسم التدين إلى خمسة أبعاد تسمح بتعيينه: بعد الاعتقاد، بعد الممارسة، بعد المعرفة، بعد التجربة، بعد الانتماء. إن هذه الأبعاد تترابط وتتضافر فيما بينها، لتنتج، عند الفرد، كما عند الجماعة، التدين (Glock: 1964). هكذا فعندما نفكك التدين إلى أبعاد مستقلة نسبيا، نستطيع توظيف مختلف المناهج. وأهم تقنية تستعمل في هذا الصدد هي الاستمارة التي تضم مجموعة من الأسئلة، منها المنغلقةو المفتوحة والمبنية. وهذه الأخيرة هي التي تترك مجالا أكثر اتساعا للأجوبة. فمن الوجهة التقنية يمكن اعتبار الأجوبة عن الأسئلة على أنها تأكيدات أو آراء تحيل إلى المواقف العميقة للمبحوثين حول التدين. وعلى أساس هذه التأكيدات والآراء نستطيع بناء سلم المواقع الذي يذهب من الاتفاق الكامل إلى حده الأدنى، مرورا بمواقع وسطى. هكذا نحصل على أداة لقياس المواقف بفضل هذا السلم من المواقف (S.Acquaviva et Enzo Pace: 1994). واضح أن تقنية القياس هذه تتخذ لها كخلفية إبيستيمولوجية، فكرة فيبر حول النموذج الأمثل.

إن القياس بالسلم أفضل من القياس بالأجوبة البسيطة. إذ يمكن تقنيا من عزل الأجوبة التي تهم فقط البعد الذي نريد قياسه وتجميع الأجوبة التي تتوافق مع البعد المراد قياسه، ثم إعطاء “نقطة” لكل جواب خاص. (نقطة تفسيرية، سواء فيما يتعلق بالمصطلحات المفاهيمية، أو فيما يتعلق بالإحصاء).

بهذه الطريقة، يكون السلم أكثر نجاعة من الطرق الأخرى لقياس التدين. لكن شريطة أن يخضع لبعض القواعد: أن يكون إجرائيا ، أي أن تكون الأجوبة التي يتضمنها صالحة حتى عندما يتعلق الأمر بعينات أخرى في لحظات مختلفة، وأن يكون صحيحا أي مكننا من قياس ما نريد قياسه. ثم أخيرا، أن يكون قياسيا، أي يمكن استعماله كقياس للظاهرة، بالاستناد على تقنيات، كالقياس الاسمي، والتراتبي، وقياس المسافة، والقياس النسبي (نفس المرجع السابق، ص76 وما فوق)n

المراجع:

Acquaviva (S), Pace (E) 1994 : la sociologie des religions, Paris éd. Cerf, tr ?. de l’italien par : Patrick Michel.

Bellah (R.) 1985 : Habits of the Heart, individualism and commitoment in American life. Berkely, University of California Press.

Bourdiau (P) 1971 : (Génèse et structure du champ religieux), in : Rev.Fran. de sociologie, 3, pp295-334.

Conte (A) 1983, Discours sur l’esprit positif, nouv.éd. Vrin.

Durkheime (E), Le suide, études sociologiques, Paris 1960, PUF.

Durkheime (E), Les formes élémentaires de la vie religieuse, 1985, Paris, PUF

Freud (S), Moïse et le monothéisme, Paris, 1972, Gallimard.

Freud (S), L’avenir d’une illusion, Paris, 1980, PUF.

Glock (C.Y) : Toward a Typologu of religious orientation. New York. Columbia University Press.

Marx (K), Engeles (F) : Sur la religion, Paris, 1960, ed. Social.

Mauss (M), Hubert (H) : Essai sur la nature et la fonction du sacrifice, in. Mauss (M) : oeuvres, 1899, Paris, éd. De Minuit 1968-1969.

Mauss (M) : Sociologie et Anthropologie, 1983, Paris, PUF.

Parsons (T) : The structure of social action, 1937, New York, The Free Press.

Parsons (T) : The social systèm, 195. Glencoe. The free Press.

Parsons (T) : Action theory and the human conditions, 1978, New York, Free Press.

Touraine (A) : Critique de la modernité, 1992, Paris Fayard.

Weber (M) : L’éthique protestante et l’esprit du capitalisme, 1964, Paris, éd. Plon

++++++++++++++++++++++

المصدر : . . موقع رواق الفلسفة

نشر بالمصدر  بتاريخ :25 09 2012 | الساعة 12:42

………………………………..

عن رواق الفلسفة

الاثنين 25 نوونبر 2013