الحركــــات الإسلاميـــة وســـلاح التكفيـــر

توطئــــة:

عرف واقعنا السياسي المعاصر مجموعة من الحركات والجمعيات الإسلامية التي تجمع بين ماهو ديني وماهو سياسي، تحمل خطاباتها ومؤلفاتها وأوراقها ورسائلها وبياناتها التأسيسية شعارات التغيير والإصلاح والتنوير والتهذيب والإنقاذ، وتحرير المجتمع من شوائب البدع الضالة، وتطهيره من الكفر والزندقة والإلحاد والمروق، بعد أن تفشى الفساد في مجتمعنا على جميع الأصعدة والمستويات، حتى أصبح هذا المجتمع يعيش في جاهلية ثانية أكثر خطورة من الجاهلية الأولى، وقد سماها المفكر المصري الشيخ محمد قطب (جاهلية القرن العشرين) . ومن ثم، فقد كثرت الفرق والحركات والجمعيات الإسلامية الداعية إلى الإصلاح والتغيير. ولم تقف بعض الجمعيات عند البعد الحركي السياسي والديني فقط، بل وصلت إلى الحكم والسلطة، بعد أن تحولت إلى أحزاب سياسية لها برامج إصلاحية شاملة، كما هو شأن جماعة الإخوان المسلمين في مصر، وحركة النهضة في تونس، وحزب العدالة والتنمية في المغرب، وحزب العدالة والتنمية في تركيا. وينضاف إلى هذا، أن ثمة حركات إسلامية معتدلة ووسطية، مثل: حزب العدالة والتنمية في المغرب وحركة النهضة في تونس في مقابل حركات متطرفة، مثل: جماعة التكفير والهجرة، والسلفية الجهادية، والقاعدة الأفغانية مع أسامة بن لادن وأيمن الظواهري …

لكن ما يميز هذه الحركات المتطرفة الإسلامية اعتمادها على سلاح التكفير في زمن التفكير على حد عنوان كتاب (التفكير في زمن التكفير) لنصر حامد أبو زيد .إذاً، ما مفهوم التكفير؟ وما أنواعه؟ وما سياقه التاريخي؟ وما أهم الجمعيات والحركات الإسلامية المعاصرة التي استخدمت سلاح التكفير في وجه الآخر والحاكم والمجتمع على حد سواء؟ هذه هي الأسئلة التي سوف نحاول الإجابة عنها في موضوعنا هذا.

 

مفهــــوم التكفيـــــر:

يشتق مصدر التكفير من فعل كفر وكفر (بالتضعيف). ويعني التكفير اتهام الآخر بالإلحاد والزندقة والمروق والجحود، خاصة إذا كان هذا الآخر قد أشرك بالله، وارتد عن الإسلام، أو لم يؤمن نية أو قولا أو فعلا بأصول الدين، ولم يتمثل ما أوجب الله عليه من أركان الإسلام الخمسة، أو جعل مع الله ندا كأن يكون ولدا أو شريكا في الألوهية. وغالبا ما يرتبط الكفر بدار الحرب. في حين، يقترن الإيمان بدار الإسلام. وفي هذا الصدد، يقول ابن منظور في (لسان العرب) في مادة كفر:” كفر: الكفر: نقيض الإيمان، آمنا بالله وكفرنا بالطاغوت، كفر بالله يكفر كفرا وكفورا وكفرانا . ويقال لأهل دار الحرب: قد كفروا أي عصوا وامتنعوا . والكفر: كفر النعمة، وهو نقيض الشكر . والكفر: جحود النعمة، وهو ضد الشكر . وقوله تعالى: إنا بكل كافرون. أي: جاحدون . وكفر نعمة الله يكفرها كفورا وكفرانا وكفر بها: جحدها وسترها . وكافره حقه: جحده . ورجل مكفر: مجحود النعمة مع إحسانه . ورجل كافر: جاحد لأنعم الله، مشتق من الستر، وقيل: لأنه مغطى على قلبه . قال ابن دريد : كأنه فاعل في معنى مفعول، والجمع كفار وكفرة وكفار مثل جائع وجياع ونائم ونيام …

ويعني التكفير الذل والخضوع . وأكفرت الرجل: دعوته كافرا . يقال: لا تكفر أحدا من أهل قبلتك. أي: لا تنسبهم إلى الكفر. أي: لا تدعهم كفارا، ولا تجعلهم كفارا بقولك وزعمك. وكفر الرجل: نسبه إلى الكفر…”

ويتبين لنا، مما سبق ذكره، بأن التكفير هو اتهام الآخرين بالكفر والإلحاد إما ظلما وجورا وظنا، وإما حقيقة وتبينا وتوقفا. وقد اتخذ التكفير عند بعض الجمعيات والفرق الإسلامية السياسية والدينية، قديما أو حديثا، سلاحا مضادا لمواجهة السلطة وحكامها والمتعاونين مع أنظمة الجور والبغي والفساد، كما اتخذ أيضا سلاحا حادا ضد المجتمع والأفراد والملل والنحل والمجتمعات الغيرية المقابلة.

 

أسبــاب التكفيــر:

ثمة مجموعة من الأسباب والدواعي التي تدفع الإنسان إلى تكفير الإنسان الآخر منها: عدم فهم الدين فهما حقيقيا بمراعاة مقاصده القريبة والبعيدة، أو التوقف عند ظاهر النص دون استنطاق دلالاته العميقة. علاوة على الاختلافات السياسية بين الفرق والجماعات الإسلامية، وتناقض مصالحها، وتضارب أهوائها الإيديولوجية، وفهم الأمور الدينية والواقعية والسياسية فهما سطحيا، دون التعمق في حيثياتها الحقيقية، والغلو والتطرف في الدين، وعدم التسامح والتعايش مع الشعوب المخالفة للمسلمين، والإسراف في التحريم، والتباس المفاهيم، والاشتغال بالقضايا الجانبية بدلا من الاهتمام بالقضايا الكبرى، والتسرع في الأحكام الدينية والفقهية، وعدم التروي في ذلك، وضعف البصيرة بالدين، ناهيك عن الجهل، والابتداع، واتباع الهوى، ومنع حرية التدين، والغلو في فهم معنى الجهاد… 

 

سيــــاق التكفيــــر:

من المعروف، أن ظاهرة التكفير قديمة في تاريخنا العربي الإسلامي، فقد بدأت بتكفير المشركين والمنافقين في عهد رسول الله (صلعم)، وتكفير مانعي الزكاة والمرتدين في عهد أبي بكر الصديق، وتنامت هذه الظاهرة مع ظهور الفرق الكلامية سيما فرقة الخوارج التي كانت تكفر الناس، بعد رفضها لمبدإ التحكيم حين الانتهاء من موقعة صفين، فخرج هؤلاء عن علي بن أبي طالب، وأسسوا فرقة خاصة بهم تسمى الحرورية، وكان أميرهم هو عبد الله بن وهب الراسي. بيد أنهم انقسموا إلى عشرين فرقة، وقد كان تكفيرهم ذا طابع سياسي أكثر مما كان طابعا دينيا، لأنه يتعلق بقضية الإمامة أو الخلافة. وقد كفروا عثمان بن عفان، وطلحة، والزبير، وعمرو بن العاص، وأبا موسى الأشعري، ومعاوية بن سفيان، و” كل من رضي بالتحكيم وصوب الحكمين أو أحدهما، وأوجب الخوارج الخروج على السلطان الجائر وقتاله.وعلى هذا فإن آراءهم هذه، إنما تجعل منهم فرقة سياسية، ولكنهم أضافوا إليها نظرات حول حقيقة الإيمان وشروطه فقالوا: إن الأعمال جزء مكمل للإيمان.فمن يرتكب ذنبا (أي كبيرة من الكبائر) يعتبر مرتدا وكافرا، بل لقد أوجبت الأزارقة قتله مع أولاده ونسائه.”

وقد ناقشت الفرق الكلامية قضية تكفير مرتكب الكبيرة هل يخلد في النار أم لا؟ وتباينت آراء الخوارج والشيعة والمرجئة في ذلك بين متشدد كالخوارج، ومتساهل كالمرجئة. بل قد ناقشته المعتزلة والأشاعرة حينما تناولتا قضية مرتكب الكبيرة وموقف الشرع منه. وفي هذا الصدد، يقول الدكتور محمد علي أبو ريان:” وعلى هذا فإننا نرى كيف أن نشأة هذه الفرق الأولى في الإسلام إنما كانت بسبب سياسي أولا، ولم تلبث هذه الفرق أن كفرت بعضها بعضا نتيجة لتفسير كل منها لمدلول الإيمان، وعما إذا كان أمرا قلبيا محضا أم مرتبطا بالعمل. فكفرت الخوارج مرتكب الكبيرة بل أباح بعضهم دمه، وأرجأت المرجئة الحكم عليه إلى يوم القيامة.أما المعتزلة، وإن كانت معظم مباحثهم تدور حول مسائل الأصول، إلا أنهم اتخذوا موقفا معينا بصدد مشكلة مرتكب الكبيرة، فقالوا: إنه في منزلة بين منزلتي الكفر والإيمان.”

ويتبين لنا، من هذا كله، بأن نشأة الفرق الكلامية في تاريخ الفكر الإسلامي كان منطلقه التكفير السياسي الذي غلف بقناع التكفير الديني.

هذا، وثمة حديث نبوي يشير إلى ما يسببه الخلاف من مشاكل سياسية ودينية بين الفرق والملل والنحل في منظومتنا الفكرية العربية الإسلامية، خاصة مشكل التكفير الذي يتخذه الفرد أو الجماعة سلاحا يوجه ضد الآخر على أساس أنه على حق وصواب، وآن الآخر على كفر وضلال وخسران. وفي هذا الصدد، يقول النبي صلى الله عليه وسلم:” افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي. وفي بعض الروايات: هي الجماعة. 

وهناك من يشك في صحة هذا الحديث، لأنه يوجد أيضا لدى اليهود والمسيحيين بهذا التحديد، كما يثبت ذلك الدكتور محمد علي أبوريان في كتابه( تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام) .

هذا، وقد استخدم الغزالي مبدأ التكفير في كتابه (تهافت الفلاسفة)، حيث كفر الفلاسفة المسلمين في ثلاث مسائل، وبدعهم في سبع عشرة مسألة. وهذه المسائل الثلاثة هي: قولهم بأزلية العالم، وإنكارهم لمعرفة الله للجزئيات، وإنكارهم لحشر الأجساد. بيد أن ابن رشد قد فند ماذهب إليه الغزالي، ودافع عن الفلاسفة في كتابه(تهافت التهافت)، وبرأهم من تهمة التكفير.

ولم يقتصر التكفير على الفلاسفة فحسب، بل كفر الناس كذلك المتصوفة سيما الفلاسفة منهم، مثل: الحلاج الذي قال بالحلولية، بل كفروا كذلك الأدباء والمفكرين الزنادقة من أهل الفرس الذين ينتمون إلى الطائفة المانوية إبان العصر العباسي، ومنهم: بشار بن برد، وأبو نواس، وأبو العتاهية، وابن المقفع، وابن الراوندي، وأبو عيسى الوراق…

هذا، وقد تردد مصطلح الزندقة والإلحاد في العصر العباسي أكثر من مصطلح التكفير . ويلاحظ أنه كان يمس الأدباء والشعراء والفلاسفة والمتصوفة والمثقفين أكثر مما كان يمس عامة الناس. وقد اتهم ابن رشد في الأندلس بالإلحاد والزندقة، لأنه كان يشتغل بالفلسفة والمنطق، ومن ” تمنطق تزندق” كما يقول الغزالي. لذا، شن الفقهاء على ابن رشد حملة شعواء، فأحرقوا كتبه ومؤلفاته باسم التكفير. وفي الوقت نفسه، كانت أوروبا تقرأ الفلسفة الرشدية باعتبارها دعامة أساسية لبناء نهضتها الحضارية في ضوء العقلانية المنطقية والبرهانية .

بيد أن الزندقة قد تحولت في عصرنا هذا إلى تكفير للأعلام والمثقفين والأدباء في زمن التفكير، كما هو الحال مع حسن الترابي، وأحمد البغدادي، وحمزة المزيني، وأحمد الحبيشي، وفوزي الشيبي، ونصر حامد أبي زيد، ومحمد أركون، وجمال البنا، والروائي حيدر حيدر، وأدونيس، ومحمد شكري، ونجيب محفوظ… واللائحة طويلة جدا.

 

موقف الشرع الإسلامي من قضية التفكير:

نهى الإسلام، قرآنا وسنة، عن تكفير الناس إذا لم تكن القرائن واضحة، والأمارات جلية وملموسة، فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم:” من قال لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما ” . ومعنى هذا أن الذي يتهم الآخر بالكفر فقد يكون صادقا في حكمه أو كاذبا، فإن كان كاذبا، فيعود عليه ذلك الاتهام.

ولابد من الاحتراس في إطلاق الأحكام على الآخرين، فقد قال أبو ذر (ض) أنه سمع رسول الله (صلعم) يقول:” من دعا رجلا بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه” . وأكثر من هذا، يغفر الله جميع الذنوب إلا الشرك به مصداقا لقوله تعالى:” إن الله لايغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء. “

وعليه، يحذر الله الناس من عاقبة التكفير في حالة عدم التبين والتوقف، وغياب الدليل والحجة والبرهان، فإن ذلك إفكا وبهتانا وجورا. وفي هذا، يقول الله تعالى:” يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا، ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا، تبتغون عرض الحياة الدنيا، فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرا .”

وعلى العموم، فإن الإسلام، قرآنا وسنة، ينهى عن الغلو في الدين، ويحذر من مغبة التكفير، ويدعو إلى الوسطية والاعتدال مصداقا لقوله تعالى:” وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدا. “. كما يدعو إلى التفقه في الدين تفقها عميقا مصداقا لقول النبي (صلعم):” من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطي، ولا تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله” .

 

هناك مجموعة من أنواع التكفير التي يمكن حصرها في الأصناف التالية:

التكفيـــــر الدينــــي:

لهذا التكفير أوجه عدة قد بينها الفقهاء وعلماء الشريعة الإسلامية ومصنفو كتب التوحيد والعقيدة وأصول الدين، وأجملوها في الكفر بأصول الإيمان، وهي: الكفر بالله، والكفر بالملائكة، والكفر بالكتب السماوية، والكفر برسل الله، والكفر باليوم الآخر، بله عن الكفر بنعم الله، وكفر الردة، والكفر بأركان الإسلام، مثل: الكفر بالصلاة، والكفر بالزكاة، والكفر بالصيام، والكفر بالحج. وقد حارب أبو بكر الصديق مانعي الزكاة، فاعتبرهم مرتدين عن الإسلام، ولو كانوا موحدين، إذ تمثل أبو بكر (ض) قوله تعالى:” خذ من أموالهم صدقة” . وفي هذا السياق نفسه، قال عمر (ض):” ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم ولا تمنعوهم حقهم فتكفروهم لأنهم ربما ارتدوا إذا منعوا عن الحق . “

وهناك من العلماء من يصنف الكفر إلى أربعة أنواع: كفر إنكار، وكفر جحود، وكفر معاندة، وكفر نفاق. وفي هذا الصدد، يقول ابن منظور:” قال بعض أهل العلم: الكفر على أربعة أنحاء: كفر إنكار بأن لا يعرف الله أصلا ولا يعترف به، وكفر جحود، وكفر معاندة، وكفر نفاق، من لقي ربه بشيء من ذلك لم يغفر له ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء . فأما كفر الإنكار، فهو أن يكفر بقلبه ولسانه، ولا يعرف ما يذكر له من التوحيد، وكذلك روي في قوله تعالى: إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون. أي: الذين كفروا بتوحيد الله، وأما كفر الجحود، فأن يعترف بقلبه ولا يقر بلسانه فهو كافر جاحد ككفر إبليس وكفر أمية بن أبي الصلت، ومنه قوله تعالى: فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به يعني كفر الجحود، وأما كفر المعاندة فهو أن يعرف الله بقلبه ويقر بلسانه ولا يدين به حسدا وبغيا ككفر أبي جهل وأضرابه، وفي التهذيب: يعترف بقلبه ويقر بلسانه ويأبى أن يقبل كأبي طالب حيث يقول:

ولقد علمت بأن دين محمـــد

                من خير أديان البرية ديــنا

 

لولا الملامة أو حذار مسبة

                لوجدتني سمحا بذاك مبيـنا

وأما كفر النفاق، فأن يقر بلسانه ويكفر بقلبه ولا يعتقد بقلبه.”

وقد صنفه سعيد بن جبير إلى أنحاء، مثل: الكفر بالله، والكفر بكتاب الله ورسوله، وكفر النفاق، والكفر بوحدانية الله. كما ورد في ( لسان العرب) لابن منظور”كتب عبد الملك إلى سعيد بن جبير يسأله عن الكفر فقال: الكفر على وجوه: فكفر هو شرك يتخذ مع الله إلها آخر، وكفر بكتاب الله ورسوله، وكفر بادعاء ولد لله، وكفر مدعي الإسلام، وهو أن يعمل أعمالا بغير ما أنزل الله ويسعى في الأرض فسادا ويقتل نفسا محرمة بغير حق، ثم نحو ذلك من الأعمال كفران: أحدهما كفر نعمة الله، والآخر التكذيب بالله”.

ويعني هذا أن التكفير الديني يتعلق بقضايا الدين والإيمان والعقيدة وأصول الدين.

 

التكفيـــر السياسي:

يتعلق هذا التكفير بأمور السياسة، كتكفير الحاكم، أو تكفير السلطة الحاكمة، أو تكفير الديمقراطية، أو تكفير الفرنجة وأنظمتهم السياسية أو القوانين الغربية، وقد يكون هذا التكفير راجعا إلى اختلاف الفرق والحركات والجمعيات والتيارات السياسية على مستوى المرجعيات والمنطلقات الإيديولوجية والأهواء والمصالح.

 

التكفيــر الفكـــري:

يمس هذا النوع من التكفير ما يتعلق بماهو فكري وثقافي. بمعنى أن هناك من يكفر العلماء والمثقفين والمبدعين والفنانين بسبب كتاب أو مؤلف أو رأي أو قولة أو دور فني …وقد انتشرت هذه الظاهرة في العصر العباسي بكثرة، حينما اتهم مجموعة من الشعراء ذوي النزعة الفارسية بالزندقة والإلحاد والكفر، كما اتهم الفلاسفة والمتصوفة بالحكم نفسه، بسب تأويلاتهم وآرائهم الجريئة في مجال الميتافيزيقا أو العرفان الصوفي. ولم يقتصر هذا النوع على مثقفي العصر العباسي، بل امتد ذلك إلى عصرنا هذا، وانتشر بشكل لافت للانتباه، فقد كفر الفلاسفة والأدباء والنقاد والعلماء ورجال الدين والفنانون…

 

الحركات الإسلامية وسلاح التكفيـــر:

من المعلوم، أن الحركات الإسلامية السياسية متنوعة. فهناك حركات متطرفة تغلو في الدين، وحركات حداثية تأخذ بتلابيب الحداثة الغربية، وحركات معتدلة في أفكارها وقيمها ومبادئها. ومن ثم، فقد ارتبط مبدأ التكفير ببعض الحركات الإسلامية التي تعرف بالغلو والتطرف والتشدد.

 

أبو الأعلى المودودي والجماعة الإسلامية:

أسس أبو الأعلى المودودي الجماعة الإسلامية بالهند سنة 1939م، ثم في باكستان سنة 1941م، وقد تأثرت كثيرا بجماعة الإخوان المسلمين في مصر. ويعد أبو الأعلى المودودي رأس التكفيريين، وقد شكك في كثير من الأحاديث النبوية الصحيحة. وتقوم فكرته على تكفير المجتمع والحاكم على حد سواء. ويذهب محمد عمارة إلى أن أبا الأعلى المودودي هو أول من بعث فكرة التكفير من مرقدها بعد فرقة الخوارج. وفي هذا السياق، يقول الدكتور محمد عمارة:” من بين الدعاة الإسلاميين المحدثين انفرد أبو الأعلى المودودي ببعث قضية تكفير المسلم التي ظهرت في الإسلام لأول مرة مع الخوارج.

ولكن ما حقيقة ما قاله المودودي حول هذه القضية الخطيرة والشائكة؟ في التراث الإسلامي، انفرد “الخوارج” دون فرق المسلمين وتياراتهم الفكرية بالقول بـكفر مرتكب الذنوب (الكبائر)، إذا مات دون توبة نصوح.. وبعض هؤلاء الخوارج جعل هذا “الكفر” كفر شرك بالله، يخرج به العاصي عن إطار الملة، أما البعض الآخر، فلقد قل غلوهم فاعتبروه: كفر نعمة.. فهؤلاء العصاة، بنظرهم، قد كفروا بأنعم الله، دون أن يشركوا به أحدا.

والذين يتتبعون مسار الدعوات والحركات الإسلامية الحديثة والمعاصرة، يلفت انتباهم أن الأستاذ أبو الأعلى المودودي… أمير الجماعة الإسلامية بباكستان، انفرد من بين الدعاة الإسلاميين المحدثين ببعث هذا الشعار … ولم يكن ذلك بسبب انحياز فكري منه إلى فكر الخوارج، فرفضه لأفكارهم الأساسية واضح لاشك فيه وإعجابه بابن تيمية يفوق إعجابه بأي من المجددين الذين عرفهم تاريخ الإسلام.. ولابن تيمية موقف صريح وحاد ضد الخوارج ومقولاتهم…

لقد نظر المودودي إلى الإسلام تحت هيمنة الحضارة الغربية الجاهلية، التي خلعت سلطانه القانوني، وأحلت محله، فلسفة قانونها الوضعي وتشريعاتها التي لا تتسق مع الشريعة في كثير من المبادئ والأصول.. نظر إلى هذا الواقع فرأى “أن دين الله قد رزئ وغلب على أمره بيد الكفر وأهله، وأن حدود الله ما انتهكت واعتدي عليها فحسب، بل إنها تكاد تنعدم من الوجود لأجل غلبة الكفر، وأن شريعة الله قد أهملت ونبذت وراء الظهور، لا عملا فقط، بل بموجب القانون أيضا، وأن أرض الله قد اعتلت فيها كلمة أعداء الله”. فالكفر، هنا هو الحضارة الغربية المادية الإلحادية، غلبت وغلب أهلها- أعداء الله- على الإسلام وشريعته وأمته وحضارته. إنه حكم ذو طابع حضاري وسياسي وقومي ووطني، يواجه به المودودي هيمنة الغرب “الاستعمارية- الحضارية” مواجهة ترفض هذه الهيمنة رفضا جذريا.”

وعليه، يكفر أبو الأعلى المودودي مجتمعنا المعاصر، ويصفه بالجاهلية والكفر، كما يكفر كل من لايحكم بشريعة الله، وينساق وراء الغرب في تطبيق قوانينه الجائرة. ومن هنا، يرتكز فكر أبو الأعلى المودودي على مبدأين أساسيين هما: الجاهلية والتكفير.

 

 جماعة الإخوان المسلمين:

ظهرت جماعة الإخوان المسلمين في مصر مع مرشدهم حسن البنا، وكانت رؤيتهم قائمة على التصحيح، والتغيير، والتوجيه، والتنوير، وبناء الذات المسلمة، والمشاركة في بناء المجتمع المدني، والدخول في غمار السياسة، كما هو شان الحركة في السنوات الأخيرة حينما وصلت إلى الحكم، وصار الدكتور محمد مرسي رئيسا لجمهورية مصر العربية. لكن العسكر سرعان ما انقلبوا عليه، وأسقطوه مع حكومته.

هذا، وقد عرفت حركة الإخوان مبدأ التكفير مع التيار القطبي نسبة إلى السيد قطب الذي تأثر كثيرا بأبي الأعلى المودودي، وقد قال سيد قطب بالجاهلية والتكفير، مما أدى بجمال عبد الناصر إلى إعدامه سنة 1966م. ولم يقتصر التكفير على المجتمع والحكام عند جماعة الإخوان، بل تجاوز ذلك إلى تكفير المناوئين والخصوم السياسيين والحركيين.

 

أيمن الظواهري وقاعـــدة التكفير:

 تبلور مبدأ التكفير مع أيمن الظواهري الذي يعد من أهم قياديي القاعدة بأفغانستان، فقد كفر الديمقراطية، واعتبر كل من لم يحكم بشريعة الله كافرا، لأن الديمقراطية حكم الشعب. في حين، تتميز الشريعة بربانية مصدرها. وقد عبر أيمن الظواهري عن أفكاره في كتابه ( الحصاد المر، الإخوان المسلمون في ستين عاما). وفي هذا الصدد،يسرد أيمن الظواهري مجموعة من الأدلة ويحصرها فيما يلي:” توافرت أدلة الكتاب والسنة وأقوال العلماء من السابقين والمعاصرين على أن تبديل الشريعة الإسلامية بغيرها كفر، وبالذات بهذه الصورة الشنيعة التي نراها في بلاد المسلمين الآن، وأن هذه الأنظمة المستبدلة لشرع الله خارجة عن الملة الإسلامية للأسباب الآتية:

أولاً: عدم الحكم بشريعة الله، واستبدالها بقوانين مختلطة ملفقة سمّاها الشيخ أحمد شاكر رحمه الله بـ “الياسق العصري”  .

ثانياً: الإستهزاء بالشريعة:

وهل هناك استهزاء أكبر من أن تؤخر الشريعة، أو يقدم عليها غيرها، أو تجعل ورقة تعرض على هذا الهراء الذي يسمى مجلس الشعب فيوافق عليها من يوافق، ويعترض من يعترض، ويعتبر هذا هو الطريق الوحيد للحكم بها.

ثالثاً: الحكم بالديمقراطية:

وهي كما وصفها أبو الأعلى المودودي، “حاكمية الجماهير”، و”تأليه الإنسان” في كتابه “الإسلام والمدنية الحديثة”.والديمقراطية شرك بالله.الفاصل بين الديمقراطية والتوحيد، أن التوحيد يجعل التشريع لله والديمقراطية هي حكم الشعب لصالح الشعب، المُشَرِّع في الديمقراطية، هو الشعب والمشرِّع في التوحيد هو الله سبحانه وتعالى… فالديمقراطية شرك بالله لأنها نزعت حق التشريع من المولى عز وجل وأعطته للشعب.

رابعا: إستحلال المحرمات وتحريم الحلال:

وأصل هذا المبدأ عندهم موجود في الدستور المصري في المادة السادسة والستين، حيث تقول: (لا جريمة ولا عقوبة إلا بقانون)، يعني كل مالم ينص عليه الدستور وبالتالي القانون أنه جريمة فهو ليس جريمة، وإن اجتمعت عشرات الآيات ومئات الأحاديث على أنّ هذا العمل جريمة… وما لم يكن جريمة في الدستور ولا القانون فهو حلال في الدستور والقانون، ومن حق أيّ مواطن يظله الدستور والقانون أن يفعل هذا الفعل ولا يستحق أيّ عقوبة… بل ومن يحاول أن يمنعه يكون مجرماً في نظر الدستور والقانون، وإن كان ممدوحا مثاباً مأجوراً في الشريعة، ويكون هو المستحق للعقوبة.

يقول الدكتور محمد نعيم ياسين: (ويكفر من ادعى أن له الحق في تشريع ما لم يأذن به الله، بسبب ما أوتي من السلطان والحكم فيدعي أن له الحق في تحليل الحرام وتحريم الحلال، ومن ذلك وضع القوانين والأحكام التي تبيح الزنى والربا وكشف العورات أو تغيير ما جعل الله لها من العقوبات المحددة في كتاب الله وسنة رسوله…” .

وهكذا، يتبين لنا بأن أيمن الظواهري يكفر كل من لم يحكم بشريعة الله، أو يسخر منها حينما يحكم بغير شريعة التوحيد. كما يكفر الديمقراطية بكل مظاهرها وتجلياتها، سواء أكانت إيجابية أم سلبية، ويكفر أيضا المجالس النيابية سيما مجلس الشعب والقوانين المعاصرة التي تحرم الحلال، وتحلل الحرام.

هذا، ويعتمد أيمن الظواهري في ذلك على مجموعة من الاستشهادات النصية التي تكفر الأنظمة القانونية الغربية وأحكامها التشريعية المعاصرة. بمعنى أن من يحكم بالقوانين الأوروبية فهو كافر، فمن لم يتب، فهو مرتد عن الإسلام، ويجب فيه حد القتل، كما علق ” العلامة محمد حامد الفقي رحمه الله على كتاب (فتح المجيد شرح كتاب التوحيد) قال: ومثل هذا وشر منه من اتخذ من كلام الفرنجة قوانين يتحاكم إليها في الدماء والفروج والأموال، ويقدمها على ما علم وتبين له من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فهو بلا شك كافر مرتد إذا أصر عليها ولم يرجع إلى الحكم بما أنزل الله، ولا ينفعه أي إسم تسمى به ولا أي عمل من ظواهر أعمال الصلاة والصيام والحج ونحوها…” .

ويرى أيمن الظواهري أنه إذا لم يحكم الحاكم بحكم الله، لا تجوز طاعته، ولابد من مجاهدته والخروج عليه. وفي هذا الصدد، يقول:” يقول الحافظ ابن حجر في شرحه لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إلا أن تروا كفروا بواحا عندكم من الله فيه برهان) [وهو متفق عليه]، قال: (وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه، وأنّ طاعته خير من الخروج عليه، ولم يستثنوا من ذلك إلاّ إذا وقع من السلطان الكفر الصريح، فلا يجوز طاعته في ذلك بل يجب مجاهدته لمن قدر عليها، لحديث رواه البخاري عن جنادة قال: دخلنا على عبادة بن الصامت وهو مريض، قلنا أصلحك الله حَدِّث بحديث ينفعك الله به سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم، قال: دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه، فقال فيما أخذ علينا: أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان.”

هذا، وقد صب أيمن الظواهري جام غضبه على حركة الإخوان المسلمين التي كانت تهادن السلطة الحاكمة. وقد أشار الظواهري إلى أن حسن البنا قد شهر سلاح التكفير في كل من يرتكب جرائم في حق وطنه، في بيان تحت عنوان(ليسوا إخوانا وليسوا مسلمين). ويعني هذا أن مبدأ التكفير قد استخدمه الإخوان المسلمون على غرار أبي الأعلى المودودي. وفي هذا النطاق، يقول الدكتور محمد ظريف في كتابه (الدين والسياسة في المغرب):”يمثل تكفير الديمقراطية التعبير النظري لخيار المقاومة، تعبير نظري يجد مصدره وأصوله في أدبيات أبي الأعلى المودودي كمرجعية مركزية وسيد قطب كمرجعية فرعية.

يعتبر أيمن الظواهري المنظر الإيديولوجي لتيار الأفغان العرب ومؤسس تنظيم (طلائع الفتح) وريث أبي الأعلى المودودي وسيد قطب حيث يؤسس تصوراته النظرية على تكفير الديمقراطية.”

وعلى الرغم من ذلك، يبدو أن جماعة الإخوان المسلمين أكثر اعتدالا مقارنة بجماعة الجهاد المتطرفة التي تستعمل مبدأ التكفير إلى درجة الغلو. وأكثر من هذا، تكفر جماعة الجهاد الإخوان المسلمين، وتطالبهم بالتوبة وإلا فهم كفار. وفي هذا، يقول أيمن الظواهري:” ماذا تريد جماعة الجهاد من الإخوان ومن أمثالهم ممن ارتكب مثل انحرافاتهم؟

نريد أن يعلن الإخوان توبتهم من جميع هذه الانحرافات على الملأ، فالتوبة السر بالسر، والعلن بالعلن، وقال تعالى: {إلا الذين تابوا وأصلحوا وبيَّنوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم}، فلابد لصحة التوبة من الإصلاح والبيان.

– ويكون ذلك بإعلانهم ردة الطواغيت الحاكمين بغير شريعة الله، بالقوانين الوضعية التي غرسها المستعمر الصليبي في بلادنا، ورعي المرتدون من أبناء المسلمين غرسه الخبيث.

– وأن يعلنوا براءتهم من هؤلاء الطواغيت وشرائعهم الكافرة، قال تعالى:” قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا بُرَآَءُ منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده”.

– وأن يعلن الإخوان كفرهم بالدساتير والقوانين الوضعية والديمقراطية والانتخابات البرلمانية، ويتخلوا عن جميع الممارسات المتعلقة بهذا.

– وأن يؤمن الإخوان بوجوب جهاد هؤلاء الطواغيت، ويدعوا أتباعهم لهذا، ويعدوا الجهاد فريضة عينية واجبة على كل مسلم يحكمه هؤلاء الطواغيت.

– وأن يعلم الإخوان أن هذا الذي ندعوهم إليه ليس من النوافل أو المستحبات،وإنما هو أحد أركان عقيدة التوحيد وأحد ركني شهادة “لا إله إلا الله”، وهو ركن الكفر بالطاغوت الذي لا يتم إيمان العبد إلا به، قال تعالى:” فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقي لا انفصام لها.”

–  وأن يعمل الإخوان بالقواعد الشرعية التي ذكرناها في صدر الباب الأول من وجوب العلم قبل العمل، ووجوب الرد عند التنازع إلى الشريعة لا إلى أعمال المرشدين السابقين كاستدلالهم على جواز الترشيح للبرلمان بأن البنا قد فعله، ووجوب النزول على حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ورد كل ما خالف الشريعة من أقوال وآراء مهما كانت منزلة قائلها.

–  وأن يحيي الإخوان فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر داخل الجماعة، فهي من العواصم التي تحول دون الانحراف والتمادي فيه، وعليها عُلقت خيرية هذه الأمة، قال تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله}، وإهمال هذه الفريضة موجب لسخط الله ولعنته، قال تعالى: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسي بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، لبئس ما كانوا يفعلون”” .

هذه هي أهم المواقف التي يرتكز عليها فكر أيمن الظواهري التكفيري، وتتسم بالغلو والتطرف والتشدد والعنف.

 

جماعة التكفير والهجرة:

تعتبر جماعة التكفير والهجرة من أهم الحركات السياسية الإسلامية التي التجأت إلى مبدإ التكفير لمحاسبة خصومها. وقد تشكلت الحركة في سجون مصر سنة 1965م بقيادة الشيخ علي إسماعيل ماهر، وعبد العزيز زناتي، وشكري أحمد مصطفى، بعد مجموعة من الاعتقالات التي أدت إلى إعدام سيد قطب. وقد تبلورت الحركة في صفوف طلبة الجامعات سيما جامعة أسيوط. وقد كثر أتباعها في الوطن العربي، مثل: اليمن، والأردن، والمغرب، والجزائر…

هذا، وقد كفرت الجماعة مرتكبي الكبائر الذين لم يتوبوا منها، كما كفرت الحكام والمحكومين والعلماء الذين يتمادون في الضلالة، واختارت الهجرة مسلكا للهروب من عالم الجاهلية والفساد، حيث هجر أصحابها المساجد، وتخلوا عن صلاة الجمعة، وهجروا التعليم والمدارس، وهجروا الوظائف الحكومية، وهجروا المجتمعات الإسلامية بمن فيها. ويعني هذا أن هذه الحركة تنبني على مرتكزين أساسيين هما: التكفير والهجرة إلى الله. وهي قريبة من فرقة الخوارج من حيث آراؤها ومبادؤها السياسية.

وتعتمد على المستوى المنهجي والتكتيكي على ثلاث خطوات أساسية هي: الدعوة إلى أفكارهم السياسية، والاستضعاف باعتباره نوعا من التقية أو هجرة إلى الجبال والصحاري والمفاوز والأماكن الخالية والمنعزلة بعيدا عن مجتمع الجاهلية، والتمكين من أسباب البقاء والتواجد في الساحة الدينية والسياسية.

وهكذا، يتبين لنا بأن هذه الجماعة متطرفة في الأخذ بمبدإ التكفير على الرغم من اشتراط البينة والتوقف. بمعنى التوقف في أمر مجهول الحال من غير جماعتهم من المسلمين، ولا يحكمون عليه إلا بعد التبين والتثبت. والأخطر في هذه الحركة هو إسقاط بعض التكاليف الشرعية كصلاة الجمعة مثلا، والدعوة إلى الأمية، لأن النبي (صلعم) نبي أمي. وبالتالي، من الصعب التوفيق بين أمور الدنيا وأمور الآخرة، فيكتفى الواحد بالنزر اليسير من العلم في هذه الحال.

 

 السلفية الجهادية:

 

ظهرت السلفية الجهادية في السعودية، وقد رفضت التواجد الأمريكي في أرض الحرمين أثناء الحرب الخليجية الأولى، وقد اعتبرت قوات العدو كافرة، فتصدعت مؤسسة الدين الرسمية السعودية إلى فئتين: فئة تدافع عن قرارات السلطة، وفئة رافضة لهذا التواجد. ومن بين الرافضين أسامة بن لادن الذي غادر السعودية متجها حيال أفغانستان. وقد أسس هناك قاعدة جهادية واسعة، انضم إليها مجموعة من المتطوعين السلفيين الذين كانوا يقاتلون الروس في أفغانستان. وقد كان لهذه الحركة أتباع كثيرون في العراق والجزائر والشيشان والمغرب وتونس واليمن والصومال ومصر… ويحضر عندهم مبدأ التكفير بشكل لافت للانتباه، كتكفير القوات الأجنبية الغازية، وتكفير مرتكبي الكبائر، وتكفير الحكام التابعين للغرب والمتعاونين معهم.

 

  الطليعة السلفية الجهادية:

تشكلت جماعة أخرى في مصر تحت قيادة أحمد عشوش، تسمى بالطليعة السلفية الجهادية (أنصار الشريعة) التي أعلنت في بيانها التأسيسي بأنها تهدف إلى تصحيح الوضع الإسلامي، بالدعوة إلى توحيد الله، وعدم الشرك به، والحكم بما أنزل الله، وتحذير المسلمين من نواقض التوحيد، ومحاربة البدع وأهلها، وحث المسلمين على التمسك بالإسلام وآدابه وأخلاقه، وتجرير الوطن العربي من قبضة الاستعمارين: الأمريكي والصهيوني، ومحاربة الشرك السياسي الذي يتمثل في الليبرالية والشيوعية، ومحاربة الأنظمة الباغية التي لاتحكم بالشريعة الإسلامية، ونبذ القوانين الأجنبية الكافرة، ومناصرة القوى الثورية والمجاهدين الذي يدافعون عن الحق، وأسلمة المنظومة التربوية، ومحاربة عمليات التنصير، وإشاعة الشرع السلفي، وفك الأسرى المسلمين، ودعم القضايا العربية والإسلامية في الخارج، والوقوف في وجه المناهج الوافدة من الغرب، والتفاعل الإيجابي مع المطالب المشروعة للشعوب المسلمة.

وعليه، فللحركة أهداف رئيسية كما ينص على ذلك بيانها الذي صدر سنة 2012م. وفي هذا الإطار، يقول البيان: ” الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى وبعد، ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ”، وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ، يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ”، وَ”مَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ”.

انطلاقا من هذه الآيات المباركات تنطلق الطليعة السلفية كحركة وتيار دعوي يجد ويجتهد ويقاوم باللسان والسنان، والدعوة والبيان، كل مشاريع الاستعمار والهيمنة العالمية لدول الاستعلاء والكفر وأذنابهم في العالم الإسلامي، الذي صار هدفا للاستعمار الصهيوصليبي – النظام العالمي الذي تقوده أمريكا- .

وتتغيى الطليعة السلفية بيان الحق، ورد البهتان، ودحض الافتراءات التي يطلقها أعداء الإسلام، وتبيين حقائق الإسلام الناصعة البينة، وذلك تحقيقا لأهداف نبيلة، نصرة لدين الإسلام، وإقامة لخلافة إسلامية راشدة، تكون ملاذا لجميع المسلمين على وجه البسيطة . فنحن تيار إسلامي أصيل يعمل على إحياء العمل بالكتاب والسنة وتجديد شباب الأمة، وإقامة دولة الخلافة الإسلامية بكل الوسائل والسبل المشروعة والمتاحة، ونؤكد على الدعوة والجهاد كجناحين لا غنى عنهما لنشر الإسلام والحفاظ عليه، فقوام هذا الدين كتاب يهدي وسيف ينصر، وجماع ذلك يكون بخلافة إسلامية راشدة،

إذ أننا نعتقد أن التغيير الكامل والإلتزام التام بالكتاب والسنة لا يتم إلا بسلطة إسلامية راشدة وعادلة، وقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم، مع أنه الداعي الأول إلى هذا الدين، على إقامة سلطة قوامها العدل والرحمة التي جاء بها الإسلام، وفهم أصحابه رضي الله عنهم ذلك وعملوا به، فلم يدفن صلى الله عليه وسلم إلا وقد بايعوا لأبي بكر رضي الله عنه، وذلك يؤكد على أهمية السلطة ودورها البالغ في القيام بأمر الإسلام، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: “من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية “، وهذا الذي جعل الصحابة رضي الله عنهم يُعجّلون ببيعة أبي بكر قبل دفن النبي صلى الله عليه وسلم.

ومن ثم، فقد أجمعت الأمة على وجوب نصب الخليفة، ولم يخالف في ذلك إلا نفر قليل من أهل البدع ممن لا يعتدّ بقولهم، وذلك لأهمية السلطة في الإسلام، فبها تقام الحدود، وبها تحمى الثغور، وبها يقام الجهاد، ولذلك أجمع العلماء على إثم المسلمين متى تركوا هذا الواجب، وهو نصب الخليفة .

فمن الواجب على الأمة القيام بأمر الخلافة، وبنصب خليفة مستوف لشروط الإمامة لتحقيق الأهداف المبتغاة لهذه الأمة.

وبما أننا دعوة شاملة نأخذ الإسلام بشموله وعمومه، فإننا ندعو المسلمين إلى القيام بأمر الإسلام عقيدة وشريعة، وذلك لا يكون إلا بكتاب هاد وسيف ناصر، وجماع ذلك لا يكون إلا بخلافة إسلامية راشدة لكي تتحقق الأهداف المأمولة لهذه الأمة، ومن ثم فإننا ندعو ونعمل على إقامة خلافة إسلامية راشدة تحقيقا لهذه الأهداف التي نعتقدها، ونبذل قصارى جهدنا في تحقيقها . “

ونستشف من هذا البيان التأسيسي بأن سلاح التكفير حاضر بشكل من الأشكال، وبالضبط حين الدعوة إلى حكومة إسلامية راشدة. ويعني هذا أن الجماعة تكفر كل الأنظمة التي لاتحكم بشريعة الله، كما تكفر الحكام والتابعين لهم، وكل من يقلد الغرب في أحكامه ونظمه وقوانينه الجائرة.

 

جمعية العدل والإحسان:

ظهرت جمعية العدل والإحسان في المغرب مع قائدها عبد السلام ياسين سنة 1987م، وقد اتخذت التكفير مبدأ أساسيا في دعواتها وبياتها ورسائلها، وأكثر من هذا فقد كفرت الفرق السياسية المناوئة، مثل تكفير كثير من أعضاء حركة عشرين فبراير الذين خرجوا منددين بالأوضاع المتردية في البلاد ضمن ثورة الربيع العربي الكبرى. كما كفرت علماء السلفية . وفي هذا الصدد، يقول عبد السلام ياسين: ” ورغم أن الحرب المعلنة على طاغوتية البدع والشرك والقبور لم تعد إلا ملهاة تمولها وتخرج مسرحيتها، اليد الماكرة، يد الطاغوت السلطاني، لتحظى الدولة العشائرية في عين العامة بالذكر الطيب، يحمل مباخر السلطان زعماء السلفية السائرون في الركاب الشديد البطش والبأس على عباد الله.”

 ويقول عبد السلام ياسين أيضا: ” كان المصلحون السلفيون، ولا يزال أتباعهم ومقلدوهم، كمن يحاول أن يطفئ نارا ويخمد لهيبها، مستجيرين بالحاكم ومستظهرين به، أو ساكتين عنه، وفي أحسن الأحوال تمهد فرَق الإطفاء الطريق أمام الطاغوتية الحكمية . “

ومن المعلوم أن المغرب يعرف مجموعة من الحركات الإسلامية الدينية والسياسية المتطرفة والمعتدلة. ومن أهم هذه الحركات: حركة التوحيد والإصلاح التي تشكل العمود الفقري لحزب العدالة والتنمية، وجماعة العدل والإحسان، والبديل الحضاري، والحركة من أجل الأمة، وجماعة الصراط المستقيم التي اتهمت بتنفيذ تفجيرات الدار البيضاء، وجماعة التكفير والهجرة، وجماعة السلفية الجهادية. وقد ساهمت هذه الجماعات في مجموعة من العمليات الإجرامية في مدن، مثل: الدار البيضاء، وفاس، ومكناس، وسلا، وطنجة، وتطوان، والناظور، واليوسفية.

 

الحلول المقترحة للحـــد من ظاهرة التكفيــر:

يبدو أن التكفير ظاهرة مبالغ فيها في مجتمعنا العربي الإسلامي المعاصر، تنم عن غلو وتطرف وجمود فكري، فكيف يعقل اتهام مسلم بالتكفير وهو يؤمن بالله، ولا يشرك به أحدا، ويقيم فراض الإسلام؟ لذا، لابد من الاحتراز والتريث والتروي في إصدار الأحكام الخطيرة كالتكفير. والآتي، أن ثمة مجموعة من الحلول للحد من ظاهرة التكفير، ويمكن حصرها فيما يلي:

– الابتعاد عن الغلو والتطرف في الدين مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم:”إياكم والغلو في الدين فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين”، وقال أيضا” هلك المتنطعون هلك المتنطعون هلك المتنطعون” . وقال الله تعالى: ” ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكِتَابَ الَذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ ومِنْهُم مُّقْتَصِدٌ ومِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الفَضْلُ الكَبِيرُ ”

–  تمثل المنهج الوسطي أو فكرة الاعتدال، ونبذ التشدد، مصداقا لقوله تعالى: ” وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدا. ” وقد قال الرسول( صلعم) ناهيا عن الغلو: ” إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وشيء مِنَ الدُّلْجَةِ  . “

–  نبذ العنف والتطرف، وتمثل منهج السلم الأخلاقي والديني والاجتماعي كما في قوله تعالى: ” يأيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة، ولا تتبعوا خطوات الشيطان، إنه لكم عدو مبين”

–  الانطلاق من شريعة التسامح والتفاهم والعفو والتعايش والتعاون والتكامل مع الآخرين، والدفاع عن الإنسانية قاطبة، والابتعاد عن سياسة الإقصاء والتغريب والكراهية والتكفير. وفي هذا السياق، يقول الله تعالى:” وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون “، وقد قال سبحانه وتعالى أيضا: “وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ”  .

– الانفتاح على جميع الشعوب الأخرى، سواء أكانت قوية أم ضعيفة، على أساس التعارف والتكامل والتفاهم والتسامح مصداقا لقوله تعالى:” يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ.”

–  الاعتراف بالاختلاف مصداقا لقوله تعالى:” ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين”.  

ومن هنا، فالاختلاف نوعان، اختلاف تنوع، فهو مقبول في الإسلام، لأنه اختلاف شكلي في الفروع والتفصيلات. أما اختلاف التضاد، فهو اختلاف مذموم، لأنه اختلاف جوهري يمس أصول العقيدة، والمبادئ الدينية، ويكون اختلافا من أجل الاختلاف والخلاف ليس إلا

ويعترف أيضا بالجدال الحسن مصداقا لقوله تعالى:” ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ”.

–  تمثل الواقعية والعقلانية ومنطق التروي قبل إصدار الحكم بالتكفير، لأن في ذلك ظلما وتجنيا واعتداء على معتقد الآخر مهما اختلفنا معه في الأفكار والمعتقدات والتصورات مصداقا لقوله تعالى:”لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا”.

–  المصالحة بين جماعات العمل الإسلامي والتيارات الوطنية والقومية، والمصالحة بين المؤسسات الرسمية والشعبية، والمصالحة بين الشعوب والأنظمة، مع الابتعاد عن الغلو والتشدد والتطرف، وعدم الاحتكام إلى سلاح الإقصاء والعدوان والعنف والإرهاب والتكفير، مصداقا لقوله تعالى:” إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ”.

–  فهم الإسلام فهما عميقا بمراعاة مصالحه وواقعيته ومقاصده الشرعية القريبة والبعيدة، ومراعاة الظروف والأحوال والعادات والتقاليد والأعراف، والتدرج في إصدار الأحكام، والاجتهاد في استنباط الأحكام في التعامل مع الآخر أو الغير الأجنبي. وقد قال الله جل وعلا:”كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْك مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ.”

– الابتعاد عن حكم الهوى، وتجنب المنطلقات الإيديولوجية والسياسية والحزبية، وعدم الارتكان إلى المصالح الشخصية مصداقا لقوله تعالى:” والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى.”  وقد قال تعالى أيضا:” وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى” .

هذا، وقد ذكر حماد عبد الجليل البريدي في كتابه( التحذير من الغلو في التكفير) مجموعة من الحلول التي تتمثل في: تصحيح الاعتقاد، والرجوع إلى عقيدة السلف الصالح، وتحكيم الكتاب والسنة، وطلب العلم الشرعي والتفقه في الدين، وطلب الحق وتحريه، واتباع الدليل والالتزام به .

 

تركيــــب:

وخلاصة القول، يتبين لنا، مما سبق ذكره، بأن الجمعيات والحركات الإسلامية المعاصرة قد استخدمت مبدأ التكفير سلاحا في زمن التفكير والعقلانية، فوجهته إلى بعضها البعض، مما نتج عن ذلك غلوا وتطرفا وتشددا، وقد تحول هذا الغلو في بعض الأحيان إلى عنف معنوي، وإرهاب دموي. وثمة أسباب كثيرة وراء استخدام هذا السلاح تعود إلى الجهل، والأمية، والفهم السطحي للقرآن، وعدم فهم مقاصد القرآن فهما صحيحا، والغلو في الدين بسبب التوقف عند ظاهر النص، وعدم التعمق في دلالات النص تعمقا حقيقيا.

هذا، وقد اتخذ التكفير عند الحركات والجمعيات الإسلامية طابعا سياسيا في جوهره، وإن كان يظهر في كثير من الأحيان على أنه تكفير ديني. علاوة على ذلك، فالحركات الإسلامية أنواع وأصناف، فيها المتطرفة والمعتدلة والمنفتحة والمغتربة. بيد أن المتطرفة والمتشددة منها هي التي استخدمت سلاح التكفير بكثرة وغلو وتطرف مبالغ فيه، دون تريث أو احتراس أو ترو عميق. ومن هنا، ندعو كافة الحركات الإسلامية المعاصرة إلى الأخوة والتعايش والتفاهم والتعارف، واستبدال الخلاف السياسي الشائن باختلاف حواري بناء وهادف ونافع للفرد والمجتمع على حد سواء، مصداقا لقوله تعالى:” قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله، ولا نشرك به شيئا، ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون. “

…………..

هوامش

[1]- محمد قطب: جاهلية القرن العشرين، دار الشروق، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة1980م.

[2]- نصر حامد أبو زيد: التفكير في زمن التكفير، دار سينا للنشر القاهرة، مصر، الطبعة الأولى سنة 1995م.

[3]- ابن منظور: لسان العرب، مادة الكاف،دار صبح بيروت، لبنان، وأديسوفت، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2006م، ص، 114.

[4]- حماد عبد الجليل البريدي: التحذير من الغلو في التكفير، دار ابن الجوزي، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى سنة 2006م، صص:33-40.

[5]- د.محمد علي ابوريان: تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام، دار النهضة العربية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 1976م، ص:125.

[6]- د.محمد علي ابوريان: تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام، ص:127.

[7]- رواهأبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم.

[8]- د.محمد علي ابوريان: نفسه، ص:115.

[9]- رواه البخاري 8/32، كتاب الأدب باب من كفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال.

[10]- رواه البخاري 8/18 كتاب الأدب.

[11]- سورة النساء، الآية 48.

[12]- سورة النساء الآية 94، القرآن الكريم.

[13]- سورة البقرة، الآية143، القرآن الكريم.

[14]- روى الحديث سعيد بن عفير عن ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن عن معاوية، وقد أورده البخاري في صحيحه.

[15]- سورة التوبة، الآية103، القرآن الكريم.

[16]- ابن منظور: لسان العرب، ص:114-115.

[17]- ابن منظور: لسان العرب، مادة الكاف،ص:114.

[18]- ابن منظور: نفسه، ص:114.

[19]- محمد عمارة: (رؤية إسلامية لقضايا ساخنة .. تكفير المسلم)، مقدمة، كتاب العربي، الكويت، العدد:29، 7-1977م.

[20]- الياسق العصري هو الدستور.

[21]- أيمن الظواهري: الحصاد المر، الإخوان المسلمون في ستين عاما، مطبوعات جماعة الجهاد، بدون تاريخ، ص:6.

[22]- أيمن الظواهري: الحصاد المر، الإخوان المسلمون في ستين عاما، ص:6

[23]- أيمن الظواهري: نفسه، المرجع المذكور سابقا.

[24]- د.محمد ظريف: الدين والسياسة في المغرب، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2000م، ص:109.

[25]- أيمن الظواهري: نفسه، المرجع المذكور سابقا.

[26]- الشيخ أبي نزار أحمد عشوش: ( البيان التأسيسي للطليعة السلفية المجاهدة، أنصار الشريعة)، موقع النصرة والتمكين، 18-11-2012م.

http://al-nusra.com/articles/view/byaan.

[27]- عبد السلام ياسين: الإحسان، ج2، الطبعة الأولى سنة 1997م، ص217.

[28]- عبد السلام ياسين: الإحسان ج 2، ص:222.

[29]- رواه ابن عباس و ابن مسعود.

[30]- حديث صحيح رواه مسلم في كتاب العلم.

[31]- سورة فاطر، الآية32، القرآن الكريم.

[32]- سورة البقرة، الآية143، القرآن الكريم.

[33]- الغدوة : الغداة، والروحة: الرواح، والدلجة جزء من الليل.

[34]- حديث رواه ابن هريرة، و رواه البخاري (39) ومسلم (2816).

[35]- سورة البقرة، الآية 208، القرآن الكريم.

[36]- سورة سبأ، الآية 26، القرآن الكريم.

[37]- سورة الروم، الآية 22، القرآن الكريم.

[38]- سورة الحجرات، آية 13، القرآن الكريم.

[39]- سورة هود، الآيتان 118-119، القرآن الكريم.

[40]- سورة النحل، الآية 125، القرآن الكريم.

[41]- سورة المائدة، الآية 48، القرآن الكريم.

[42]-  د.عصام أحمد البشير: (الحركات الإسلامية وسمات الخطاب الناجح)، الحركة الإسلامية، رؤية نقدية، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 2011م، صص:79-110.

[43]- سورة الحجرات، الآية 10،القرآن الكريم.

[44]- سورة ص، الآية 29، القرآن الكريم.

[45]- سورة النجم، الآيات 1-4، القرآن الكريم.

[46]- سورة النازعات، الآيتان:40-41، القرآن الكريم.

[47]- حماد عبد الجليل البريدي: التحذير من الغلو في التكفير، صص:230-254.

[48]- سورة آل عمران، الآية 64، القرآن الكريم.

 =============

 

عن موقع صحيفة المثقف الخميس 28 نونبر 2013