فقه المالات بين التفسير الفقهي والممارسات الحكومية …

مصطفى المتوكل

تارودانت الاربعاء 27 نونبر 2013

 

 ان التامل في سياسة  تدبير  الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام وطريقة تعامله مع الواقع ومستجداته سنجده يعتمد فيها  العديد من المقاربات المتسمة بالمرونة والحركية والرحابة وقوة التواصل التي تفتح افاقا جميلة ممكن تصورها وتوقع حدوثها بالنسبة للذين يخاطبهم مباشرة او سيصلهم كلامه  …كما ان المتامل لمناهج تدبير الشان العام في جدلية السياسي والديني عند الخلفاء الراشدين وعند العديد من الصحابة والتابعين سيقف على اشارات قوية وضعت قواعد عامة لما يعرف  بفقه الأولويات وفقه الموازنات وفقه الواقع وفقه المقاصد وفقه السنن،… والتي  لها أهمية خاصة في بناء ثقافة  الحكمة والاعتدال  والتوازن  والتسامح بما يحقق مرتكزات  الشرع… دون  اهمال مقتضيات و متطلبات العصر التي تتجدد باستمرار وبوثيرة قوية على جميع المستويات …

وما سنركز عليه في هذه المقالة المختصرة هو فقه المالات   والذي يسميه  بعض العلماء  بفقه التوقع…الذي يقرب ان فهم جيدا لروح الشرع التي تسعى في الحال والمال  لصالح البشرية ومنهم الامة الاسلامية بروح اشتشرافية نحو المستقبل القريب والمتوسط والبعيد

 ان الحديث والتقرير في الحاضر بما هو عليه وما سيؤول اليه على مستوى الاقوال والافعال والممارسات أمر  مطلوب شرعًا  يجب ان يرقى الى مستوى الضرورة وهو بنفس القوة  في الفكر  والعمل الوضعي … كما ان مسالة المالات تعتبر   من المقاصد المهمة   التي يجب مراعاتها  ذلك لأن إعلان الأحكام  والحديث في الشرع دون استحضار ها  يعتبر تخبطا وعشوائية لاتولد الا قرارات واحكاما تزيد الامور غموضا وتعيدا وتعطل روح المقصد الشرعي في شموليته وتخلق مفاسد متعددة …

و نسوق هنا مثالا يستدل به  عند الحديث عن فقه المآلات من مثل  قوله  تعالى:( ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم “) (الأنعام: من الآية 108)…

 

ولقد كتب  الإمام الشاطبي  في مؤلفه الموافقات واقفا على  أهميتها ما يلي : “النظر في مآلات الأفعال مُعْتَبَرٌ مَقْصُودٌ شَرْعًا، سواءٌ كانت الأفعال موافقةً أو مخالِفَةً، وذلك أنّ المجتهد لا يحكم على فعلٍ من الأفعال الصادرةِ عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلاّ بعد نَظَرِهِ إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل، فقد يكون مشروعًا لمصلحةٍ فيه تُسْتَجْلَبُ، أو لمفسدةٍ تُدْرَأُ..، ولكنّ له مـآلاً على خلاف ما قُصِدَ فيه، وقد يكون غيرَ مشروعٍ لمفسدةٍ تنشأ عنه، أو مصلحة تندفع به، ولكنَّ له مآلاً على خلاف ذلك، فإذا أُطْلِقَ القول في الأول بالمشروعية، فربما أدى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدة تساوي المصلحة أو تزيد عليها، فيكون هذا مانعًا من إطلاق القول بالمشروعية، وكذلك إذا أُطْلِق القول في الثاني بعدم المشروعية، ربما أدى استدفاع المفسدة إلى مفسدةٍ تساوي أو تزيد، فلا يصحُّ إطلاق القول بعدم المشروعية، وهو مجالٌ للمجتهد صَعْبُ الْمَوْرِد، إلا أنه عَذْبُ المذاق، مَحْمُودُ الغِبِّ، جارٍ على مقاصد الشريعة”

 

ان  الاهتمام بهذا الفقه او الالية المعرفية  يجعلنا نمتلك  رؤية  مستقبلية  تتجلى بها  مصداقية وجدية وصحة ما سنقدم عليه من افعال أو تصرفات او اجراءات وتاثيراتها السلبية والايجابة على الفرد او الجماعة او الامة  مما يكسبنا سلطة متعقلة تتحمل كامل المسؤولية تجاه المستقبل في علاقته بالحاضر مع اجتناب فعلي وعملي  للمفسدة.

كما أن من شأنه أن يضبط  توجيه حركة الدولة و المجتمع، واجتهاد الفقهاء، واختيار الآراء، وترجيح الأقوال، وترشيد التخطيط الإستراتيجي، والتفكير المستقبلي بما يمثل وقاية من الجنوح إفراطًا أو تفريطًا في اتجاه ضمان  بناء الغد الافضل …

وقوله صلى الله عليه وسلم  في تعليل انصرافه عن قتل المنافقين المشهود عليهم بالكفر والذين يعرفهم حق المعرفة  : “دعه؛ لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه” -أخرجه البخاري- فترك الرسول صلى الله عليه وسلم  قتل أهل النفاق المعروف كفرهم.. لما فيه من المصلحة للاتي من الايام والسنوات  منها تجنب   تنفير الناس من الإسلام وتخوفهم منه ..كما فيه من الدروس الكثير لمن يريد الاستنباط … 

…يقول الامام ابن القيم رحمه الله ..” والتحكيم في هذا الباب للقاعدة الكبرى التي يكون عليها مدار الشرع والقدر واليها يرجع  الخلق والامر وهي ايثار اكبر المصلحتين واعلاهما وان فاتت المصلحة التي هي دونها . والدخول في ادنى المفسدتين لدفع ما هو اكبر منهما فتفوت مصلحة لتحصيل ما هو اكبر منها. ويرتكب مفسدة لدفع ما هو اعظم منها “…ذلك  ان اعمال النظر في المصلحة والمفسدة قبل الاقدام على امر ما له علاقة بالمستقبل القريب او البعيد يتطلب فقها ومعرفة بالمآلات….إنه نظر اجتهادي يجمع بين الواقع والمتوقع أثناء تنزيل الأحكام الشرعية..إنه يجنب المسلم التطبيق الآلي المفضي إلى سوء النتائج والعواقب،..

فكيف تدبر الحكومات حالها وواقع الناس ؟  وما الذي تعده لمستقبلهم ؟ وعلى اي اساس او مقصد شرعي تخطط  للمقبل من السنوات  ؟ واية مصلحة راتها او تراها في قراراتها المتعددة رغم ان اضرارها استشعرها واحس بها عامة الناس ومثلهم من الخاصة  ؟…

ان الفرق كبير بين الحديث بمنطق سياسي  دعوي سطحي  بمخاطبة المؤمن الذي يسعى للاستزادة الروحية  والصفاء القلبي من خير الدنيا والاخرة .. وبين جوهر الدعوة الحقة التي تبني ولا تهدم وتنصف ولا تظلم وتسامح ولا تتعسف ..وبين ان يقوم  المتحدثون ممن يظنون انفسهم سيبسطون خلافتهم واماراتهم  باسم الدين بكل ما من شانه ان يجعلهم  من اهل الحل والعقد الذين يحكمون ويفرضون وصايتهم على الناس بهدف الاجهاز على  الارادة العامة  تحرم عليهم سلطة  اتخاذ القرارات التي تخص شؤونهم .. مهيئين انفسهم  ليحلوا محل الشعب في كل اموره ويقطعوا مع كل المقاصد النبيلة التي وضعها ودافع عنها سيد الانام والتي لخص احد قواعدها بقوله ” الناس عند شروطهم” وبما قاله  سيدنا عمر رضي الله عنه  ” متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم احرارا” …

وكاننا بهم لايستحضرون ان الاسلام جاء للناس كافة وان امور المسلمين والشعب شورى بينهم وان لافضل لاحد على احد الا بالتقوى واين هم من  احاديث متعددة للنبي العظيم عن مكانة الفقراء وحقوقهم وارتباطه بهم  والتي منها: «ابغوني في ضعفائكم فإنما تنصرون وترزقون بضعفائكم»  و  «إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها: بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم».

واين هم مما رواه ابو هريرة عن الرسول الكريم ” ثلاث دعوات يستجاب لهن لاشك فيهن دعوة المظلوم ” وزاد بعضهم ” ودعوة المظلوم يررفعها الله دون الغمام ويفتح لها ابواب السماء ويقول لها الرب بعزتي لانصرنك ولو بعد حين “

ان المآلات التي يؤسسون لها  اينما كانوا في مشارق الارض ومغاربها بعيدة -وفق القرائن التي يسجلونها بايديهم والسنتهم وقراراتهم – عن  جوهر فقه الواقع والمسقبل كما يفترض ان تكون لبناء الدولة العادلة الصالحة المنتجة القدوة …

فليجب سكان العالم المغاربي والعربي والاسلامي جميعا على  سؤال بسيط ..هل نحن فعلا مطمئنون لكل مايقع  وما  يعلن عنه ويصدر ويطبق في واقعنا  من المحيط الى الخليج بدون فقه ولاوضوح في المقصد ؟؟

نسال الله ان يفقهنا جميعا في امور ديننا ودنيانا …