في حوار خصّ به الأستاذ عبد الله حمودي جريدة «الاتحاد الاشتراكي»:

قضية اللغات في التعليم طرحت بطريقة مغلوطة وبدون أساس علمي مقنع 

حاوره: مصطفى النحال

بمناسبة النقاش الجاري اليوم حول الوضعية اللغوية ببلادنا ومكانتها في إصلاح التعليم، وبعيدا عن لغة العنف، يعتبر حمّودي أن الندوة المنظمة من طرف عيوش طرحت مشكلة حقيقية هي إشكالية اللغات. وهذا أمر مهم في حد ذاته، وقد طرحت الإشكالية في إطار التشخيص الذي قام به، في أعلى مستوى، والمتعلق بإفلاس النظام التعليمي ببلادنا، مع ما يترتب عن ذلك من نتائج. ويعتبر حمودي أن النقاش في هذه الأمور ينبغي أن يكون هادئا ومسؤولا، وأن يندرج في إطار الإصلاح الحقيقي للتعليم، وهو إصلاح يتطلب مراجعة جذرية للبرامج وللغات، سواء كلغات أو كأدوات لتدريس العلوم.

من خلال ندوة نظمت مؤخرا في الدار البيضاء، اعتبر رئيس مؤسسة زاكورة للتربية، نور الدين عيوش، أنه ينبغي مراجعة تدريس اللغات في المغرب والاعتراف بالأمازيغية والدارجة كلغتين وطنيتين. وتولدت عن هذا التصريح ردود فعل قوية، خاصة من طرف الإسلاميين والعروبيين. ما هو رأيك حول الموضوع؟

أشكرك على منحي هذه الفرصة للتعبير عن رأيي، والتي تبدو لي ضرورية وملائمة من حيث توقيتها. لقد سبق لي التعبير عن رأيي حول المشكلة اللغوية بمناسبة ندوة نظمت مؤخرا. لكنني سأقدم التوضيحات التالية. لقد انبثقت هذه التوصيات، أولا، عن ندوة سأعود لها لاحقا، وهي التوصيات التي أثرتها والمتعلقة بالدارجة على وجه الخصوص، وكذلك بالعلاقة بين العنصرين الديني واللغوي. إنهما إذن معطيان وظاهرتان أساسيتان يطرحان إشكالية اللغة عندنا. أود أن أقول في البداية إن الندوة المنظمة من طرف السيد عيوش طرحت مشكلة حقيقية هي إشكالية اللغات. وهذا أمر مهم، وقد طرحت الإشكالية في إطار التشخيص الذي قام به، في أعلى مستوى، عاهل البلاد، والمتعلق بإفلاس النسق التعليمي عندنا، مع ما يترتب عن ذلك من نتائج. ويبدو لي مهما، في هذا الإطار، الإشارة إلى أن الندوة طرحت إشكالية حقيقية تتعلق بوضع اللغات لدينا وبوضعها ضمن المنظومة التعليمية.
يبدو لي مهما أيضا أنها المرة الأولى التي تطرح خلالها بوضوح إشكالية العلاقة بين الدارجة، التي تتحدث بها أغلبية المغاربة وفق ما أعتقد، والعربية الفصحى، وكل ذلك في سياق الثلاثية مع الأمازيغية. إنها ظاهرة إيجابية في حد ذاتها. علي الآن أن أقول إن هناك العديد من الأشياء التي لست متفقا عليها والتي سأقدم توضيحات حولها، وسأنطلق في البداية من ملاحظة عامة.

لقد تابعتُ ردود الفعل التي تولدت عن تصريحات السيد عيوش، خاصة من طرف ممثلي العدالة والتنمية وحزب الاستقلال، وهي ردود الفعل التي تميزت بعنف كبير من الصعب تبريره. إنه من اللازم، خلال النقاش، تفادي مثل هذا العنف، والعبارات المفرطة والاتهامات. يجب تفادي سلخ جلد الناس، ذلك أن الأمر يتعلق بسلخ فعلي لجلد الآخر. وبالمقابل، فمن اللازم تقديم براهين عقلانية لكي يتقدم النقاش، وذلك في إطار الاحترام المتبادل لآراء ومقترحات كل طرف.
إنني أؤكد على هذه النقطة لأننا في مرحلة الأمل في إقامة الديمقراطية لدينا، وأحد مبادئ الديمقراطية هو الحوار في إطار الاحترام والحجج العقلانية. إنني أتساءل عن أسباب هذا العنف، خاصة أن بعض التيارات السياسية، مثل حزب الاستقلال، كانت مسؤولة جزئيا على الفوضى السائدة اليوم في التعليم.
أتساءل، ثانيا، إذا لم يكن الأمر يتعلق بمناورة قصد منع الرأي الآخر، مثل السيد عيوش وآخرين، من التعبير، ربما لأسباب سياسية، مما سيجعل مسار النقاش يدفع ثمن أوضاع غير مصنفة من هذا القبيل.

ما هي ملاحظاتك في هذا الشأن؟ وهل تقترح حلولا عملية للخروج من هذه الوضعية السلبية؟

لديّ شخصيّا ملاحظتان، تتعلق أولاهما بكيفية تنظيم الندوة. لم تكن هذه الندوة عبارة عن حوار جمع كل الأطراف. أنا ربما هامشي، لكنه يبدو لي أن الندوة انعقدت بشكل سري في الواقع. ذلك أننا علمنا ذات يوم أن ندوة ما قد انعقدت، رغم أن مؤسسة زاكورة تهتم بعض الشيء ببعض قضايا التعليم وبدعمه، فنحن لم نخبر بهذه الندوة التي نظمت في إطارها. كل ما قرأناه في الجرائد هو مشاركة بعض المسؤولين السامين المقربين من عاهل البلاد فيها، وباستثنائهم، فنحن لا نعرف من كان حاضرا، قيل إن اختصاصيين دوليين شاركوا في الندوة، لكن من هم هؤلاء؟ وما هي كفاءاتهم العلمية…؟ يبدو لي أنه من اللازم مناقشة كل هذه الأمور وأنه من المشروع مطالبة المنظمين بتقديم بعض التوضيحات، كما أنه من الواجب إخبار الرأي العام بشكل ديمقراطي. أما على المستوى التقني، فأعتقد أن الموضوع طرح بطريقة مغلوطة، رغم أن طرحه يظل مشروعا.

لكن المهمّ بالنسبة لك أنّ المشكلة طُرحتْ في الوقت المناسب؟

أجل، لقد طرحت المشكلة، لكن الطريقة التي طرحت بها تفتقد إلى مبررات في اعتقادي، إذ هي تشكو من خصاص في أساسها الوطني والعلمي وفي أسس أخرى مقنعة. أعتقد، أولا، أن الازدواجية بين الدارجة والفصحى قد ضُخّمت كثيرا، والحال أن اللغتين قريبتان من بعضهما البعض بالقدر الكافي. لا أريد تقديم حكم حول نظرية اللغة، حول ما إذا كانت العربية الدارجة تشكل انحطاطا للعربية الفصحى أم لا.
لدي آراء حول هذه الموضوع يمكنني مناقشتها في إطار مناظرة علمية رصينة. أسجل فقط أن اللغتين قريبتان جدا من بعضهما البعض، وأنه خلال السنوات الدراسية الأولى، وذلك حسب تجربتي حين ولجت المدرسة في سنة 1952، أن أستاذ اللغة العربية ، وقد كان متمكنا جدا من المادة، بدأ بشرح العربية الفصحى وقواعدها، وبإعطاء أمثلة مثل دخل الولد وخرج الجمل. لقد سمعت حينها منه كلمات هي نفسها المستعملة في دارجتي، منطوقة بأشكال مختلفة ووفق تصريفات مختلفة، لكنني لم أصادف، وأنا طفل صغير، أية صعوبة في الانتقال بين اللغتين. هذا، وأعتقد أنني لم أتعرض إبانها لقطيعة. هذا سؤال مختلف عن سؤال آخر هو: لتعلم المواد خارج اللغة، الرياضيات مثلا، بمستوى عال في المدرسة الابتدائية أو قبلها، هل ما نسميه اللغة الأم تطرح مشكلة؟ أنا لا أعتقد ذلك شخصيا. أظن أن المستوى في المدرسة الابتدائية جد أولي نظرا للشبه بين اللغتين في البنية والقاموس. ليس هناك مجال للقطيعة إذن. وبالإضافة إلى ذلك، ليس ثمة عيب في أن يشرح المعلمون الدروس بالدارجة، بل بالعكس، فهذا سيمنح للتلاميذ تمرينا في الانتقال من لغة إلى أخرى، وهو تمرين مهم بالأحرى. الجوهري هو كيفية تقديم اللغتين. إذا تم تقديمهما بأسلوب غير عقلاني، بأسلوب الحفظ عن ظهر قلب، بقوة وعنف، إذا تم تقديمهما وتدريسهما بالاعتماد على الذاكرة، فهذه أساليب لن تجعل لا الواحدة ولا الأخرى محبوبة من طرف التلاميذ الصغار.

ما هو الشيء الأهم في نظرك؟

المهم هو كيف الوصول إلى تدريس الفصحى في مناخ بيداغوجي يدفع التلاميذ إلى حب هذه اللغة? إنه مشكل حقيقي ولا وجود لأيّ تناقض بين لغتنا ولغة أخرى كلاسيكية وقديمة هي الفصحى? على العكس، إن اللغة العربية في حد ذاتها تطورت كثيراً وهناك شيء ما قيد النشأة هو العربية العصرية? ليست لها مع الأسف كل المواصفات، ولكنها مسألة الاشتغال جيداً على هذه اللغة? ما الذي يقع في ممارسة التواصل بين الدارجة والفصحى؟ إنها مسألة يجب مناقشتها بين اللسانيين والأنتربولوجيين وعلماء النفس اللسانيين وعلماء الاجتماع إلخ? فعندما يقول أناس، لغتنا هي الدارجة، أتساءل، ما هي لغتنا؟


أولا هناك الأمازيغيون وغيرهم، ثم ماهي دارجتنا؟ هل هي دارجة الجنوب الغربي أو دارجة المناطق الجبلية، أم دارجة فاس أو طنجة إلخ، في الواقع اللغات، وهذا شيء يعرفه اللسانيون، هي لهجات بما فيها العربية الفصحى أو الفرنسية أو الانجليزية، هي لهجات تلتحق بشكل مثالي بمجموعة من القواعد المجردة في النحو والصرف، إلخ، نسميها لغة. من الأفضل الحديث عن ممارسة التواصل بدل إصدار حقائق في المجرد حول اللغات.

برأيكم، ما هو المشكل في العلاقة بين العلمي واللساني والديني؟

في ما يتعلق بمشكل العلاقة بين العلمي واللساني والديني، أنا مقتنع بأننا لن نميز بما يكفي بين المجالات الثلاثة? العربية الفصحى يجب أن تدرس في حد ذاتها كلغة عظيمة، لغة جميلة ويجب أن تدرس في اتجاه تعلم اللغة والثقافات والأدب والفن والعلم، وأن نتحاشى ما أمكن أن نقحم الكثير من النصوص الدينية في مناهج تعليم اللغة? شاهدت مقررات القراءة وهي كذلك مناهج فيها الكثير من النصوص الدينية بنسبة لا تقل عن%40 %50 وهنا لا أفهم . لأن هناك كذلك التربية الدينية. وفي الوقت الذي تكون لدينا التربية الدينية في المدرسة بدل ندوة وطنية، يجب أن نتفق حول الوقت المخصص للبرامج في هذه المادة، وحسب علمي أعتقد أن هذا الوقت مبالغ فيه وأنه يتعين تدريس التربية الإسلامية، ولكن في المستوى الأعلى، المستوى الملكي، سيكون هناك تحكيم خلال ندوة وطنية حتى نجد التوازن بعد أن تعبر مختلف مكونات الأمة عن رأيها في القضايا التي تلزم المشاركين في المجال رجال التعليم، الأحزاب السياسية، النقابات، مختلف الحساسيات الايديولوجية والدينية ومن الضروري مراجعة حجم الساعات المخصصة للتعليم الديني بالمقارنة مع حجم الساعات المخصصة لباقي المواد.
ثانيا عندما يتعلق الأمر بتدريس اللغة والأدب إلخ، يجب تفادي ما أمكن العودة إلى النصوص الدينية، ووضع النصوص الأدبية والفلسفية والنصوص الفكرية بطريقة منفتحة على العالم، ولكن الأهم هو العمل على تحبيب اللغة، الأدب حتى يجد أبناؤنا متعة في التعبير من داخلها بكل حرية- أن يتمكنوا من قول كل ما يريدون من داخلها- يجب عقلنة تعليم اللغة، وتدريسها من طرف أساتذة أكفاء ومؤهلين بشكل جيد، ومن خلال مقررات حقيقية وجدية، لأن المقررات الموجودة كارثية للأسف، وحتى الرسوم والصور المصاحبة تكون بشعة وفظيعة، وبالتالي كيف يمكن أن نتعلم ونتملك معنى للواقع وللجمال. إنها كارثة.

برأيكم، كيف يمكن أن نخرج من هذه الوضعية الكارثية؟

أوّلا، لابد من إعادة النظر في أساليب التعليم، لابد من مراجعة المناهج والبرامج، يجب تدريس العربية كلغة لا تقصي الدارجة. لايجب خلق عداوة غير موجودة بين اللغتين، فاللغة العربية مع الأمازيغية، تبقى اللغة الوحيدة المُعَيَّرة والقادرة على تدريس بقواعدها في تطور متواصل، ولكن يجب التمييز بين اللغوي والديني ومنذ زمان، خلطنا بين المجالين ولابد من فتح نقاش جدي في هذا الموضوع ورغم الانتقادات التي يمكن أن أوجه إلى هذه الندوة وإلى السيد عيوش، فإن طرح المشكل وإمكانية الحديث حوله يبقى أمرا جيدا في حد ذاته، اقتراحي لايدعي، خلافا لهؤلاء الخبراء الدوليين وغيرهم، بلوغ المطلق، وأشك في أن هؤلاء الخبراء الذين نتحدث عنهم، أعدوا فعلا وبجدية القضية عندما يتحدث عن صدمة عن قطيعة. لم أر أبدا دراسة نفسية لغوية جدية بنصوص وبإحصائيات وفئات عمرية محددة ومراقبة لمعرفة الكثير من الكثير من الامر ولكن الحديث عن صدمة أو قطيعة فهذا شيء لا آخذه على محمل الجد، وأنا لا أدعي أنني خبير لغوي نفساني، ولا أنني خبير في السوسيو- لسانيات، ولكن استطيع القول أني لم أر كثيرا من الناس من جيلي مصدومين لكونهم عندما يدخلون السنة الأولى من التعليم الابتدائي. إنّ القطيعة الحقيقية كانت مع اللغة الفرنسية، لأن الأمر هنا يتعلق بلغة أجنبية كليا لم نكن نسمعها، ولم تكن لها علاقة لا بالفصحى ولا بالدارجة. لم تكن هناك قطيعة كبيرة إذن.

هل حقا هناك اغتراب وشعور بالصدمة عند انتقال التلميذ من العامية إلى الفصيحة؟

إذا اشتغلنا بصورة جيّدة على اللغات، من طرف مدرّسين أكفاء، ونجحنا في التمكّن منها، فإننا لنْ نشعر لا بالصدمة ولا بالاغتراب، بل بالعكس تماما، سيكون ذلك متعة كبيرة في الانتقال من لغة إلى أخرى. وإذن، فإن اقتراحي هو التالي، وهو يستند إلى ما يحدث ويجري أمامي. عمري اليوم يتجاوز الستين سنة، الأمر الذي يسمح لي بفهم ما يجري في مجال التربية والتعليم منذ أواسط المرحلة الثانوية من تعليمي الثانوي. فضلا عن أنني درّستُ بمعهد الحسن الثاني للزراعة والبيْطرة طيلة عشرين سنة، كما أنني أعطيت دروسا بمعهد الزراعة بمكناس، ودرّست الأنثروبولوجيا السياسية بكلية الحقوق. إضافة إلى كوْن عائلتي منخرطة في التعليم الإعدادي والثانوي الخ. وخلال عملي في مجال البحث الأنثروبولوجي، التقيت وأنا أجوب المغرب، معلمين وأساتذة تحدثت معهم في قضايا التعليم بالمناطق التي يشتغلون فيها. كل هذا يسمح لي بالقول أنه إذا بقينا نخلط بين الأمور، أي تدريس مواد باللغة العربية وأخرى باللغة الفرنسية، وتدريس مواد أخرى باللغة العربية إلى حدود البكالوريا، ثم العودة إلى الفرنسية لكي يتابع الطلبة تعلّم العلوم في التعليم العالي. إنه خليط عجيب ليس من شأنه إنتاج سوى ركام فاسد ومهلهل من المعارف. ما أقتره يندرج ضمن المدّة الطويلة التي تتجاوز الخمسين سنة، وسوف أشرح لماذا. أعتقد أنه لا بدّ من العودة إلى تعليم جدّي وفعال للغتيْن العربية والفرنسية. بالنسبة للأمازيغية، أظنّ أن الأمازيغيين يعرفون ماذا يريدون ولي ثقة فيهم. يجب العودة إذن إلى جدي وجيّد ومراقَب، وذلك وفق بيداغوجية جدّيّة، وبمدرّسين أكفاء لهم تكوين قويّ جدّا. وبالنسبة لتدريس اللغة الفرنسية، مغاربة أكفاء، لا بدّ من الاعتماد على أساتذة فرنسيين لتقديم تكوين فرنسي جيّد، أو على أساتذة مغاربة منتقين بصورة دقيقة وصارمة. والشيء نفسه بالنسبة للغة العربية، لا بدّ من اختيار جيّد لمدرّسين أكفاء يعتمدون على نحو عقلاني وغير تقليدي. ولا ينبغي أن يقول لي أحد بأنني أسعى إلى إعادة المستعمر الفرنسي إلى المغرب، هذا أمر لا يمكن أن أفكّر فيه. ما يهمني هي الكفاءة ولا شيء غير الكفاءة.

وبالنسبة للعلوم، هل سنواصل تدريسها باللغة العربية؟

بالنسبة للعلوم، أعتقد أنه يجب العودة إلى تدريسها باللغة الفرنسية في جميع الأسلاك. تدريسها بلغة فرنسية جيّدة، بموازاة تدريس العربية من طرف مغاربة مكونين بصورة جيّدة، وذلك بهدف أن يتمكّن المتعلمون من التحكم في اللغتين معا ومن العلوم. قد يقول قائل: إن دعوتك هذه لتدريس جميع المواد العلمية بالفرنسية، من شأنها أن تحدث تفاوتا بين العربية والفرنسية، هذا صحيح، لأننا نستعمل الفرنسية في الدرس اللغوي وباعتبارها وسيلة لتدريس العلوم. هناك تفاوت، ولا أظن أنه يمكن حلّ المشكلة بكيفية أخرى. غير أنه إذا درّسنا اللغة العربية بحصص ملائمة، ومن طرف مدرّسين لهم تكوين جيّد وقوي، وإذا نجحنا في تحبيب هذه اللغة، فإنّ التلاميذ سيتمكّنون من القيام بأبحاث علمية بالعربية والتدريس بها. بموازاة هذا، ينبغي الانكباب على تدريس التربية الإسلامية بلغة عربية جيّدة، كمادة مستقلة بذاتها، وبتوزيعزمني معقول. وفي مستوى الثانوي، يجب القيام بانتقاء التلاميذ المتفوّقين الذين أبانوا خلال مسارهم عن كفاءات. وهنا لا بدّ من القطع النهائي مع زمن الرشوة والعلاقات الزبونية والعائلية.

على أيّ أساس ومعيار يتمّ اختيار التلاميذ النجباء؟

نعم، انتقاء تلاميذ متفوقين، منهم من يتجه نحو العلوم في التعليم العالي أو المعاهد، ومنهم من يتجه نحو الأدب العربي أو الفرنسي، في البحث أو التدريس، بحيث لا تشكّل لهم اللغة العربية مركّب نقص. صحيح أنّ هذا قد يستغرق 20 أو 50 سنة، لكن لا بدّ من الإقبال عليه وإلاّ أدت بلادنا ثمنا باهظا في ما بعد، وهو التأخر العلمي واللغوي. هذا أمر في غاية الأهمية. بعد ذلك يجب الانكباب على تعليم لغة هامة وعالمية هي الإنجليزية، وهي خطوة جبارة ويمكن التغلّب عليها بكل سهولة، الغاية منها أن يتمكّن أبناؤنا من التواصل بها والكتابة بها بكل سهولة.
أما حين يقول السيد عيّوش بأنه ينبغي الاعتراف بالدارجة كلغة وطنية، فإنني لا أدري ماذا يقول، لأنها مسبقا لغة وطنية. إنها لغة لها رأسمال ولها ثقافة وتاريخ من الفن والشعر الخ. والشيء نفسه يصدق على الأمازيغية. لذلك علينا الابتعاد عن الخلط والمزج بين المستويات. وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أنه حين يهرب بعض الناس إلى التعليم الفرنسي ومدارس البعثات، فأنا لا ألومهم، بلْ اعتبر أنه بفضل ذلك نحن نتوفر اليوم على كفاءات ونخب علمية كبيرة. وأنا معجب بنخبة من الشباب المغرب التي نجحت بالاعتماد على نفسها في الوصول إلى مراكز عالية، الأمر الذي يجعلنا نتوفر على بنية صغرى من الكفاءات في المغرب، والتي تسمح للقطاع الحديث في بلادنا بالتطور والتدبير الجيّد. وهنا أقول بأنّ الكثير ممّن ينتقدون نور الدين عيوش، من العدالة والتنمية، لا يتوفرون على مثل هذه الكفاءة.

11/27/2013