النساء الاتحاديات في حلقية نقاش حول المساواة وقيم الحداثة

مراسلة خاصة


التخوفات التي يبرزها واقع صعود حركات «الإسلام السياسي» للحكم ببعض دول المنطقة العربية وقيادة حزب «العدالة والتنمية» للحكومة بالمغرب والذي لم يتردد في الإجتهاد في انتاج خطابات مناهضة لحقوق النساء، عبر اختيار الخط النكوصي في التعامل ومع الوثيقة الدستورية المغربية التي تقر بالمساواة بين الجنسين وسمو المواثيق الدولية، هو ما جعل لجنة المقرر التوجيهي والسياسي عن اللجنة التحضيرية للمؤتمر السابع لنساء الإتحاد الإشتراكي، تختار تنظيم حلقة للنقاش حول موضوع يطرح نفسه بحدة ألا وهو المساواة وقيم الحداثة.


حلقة شارك فيها كل من عبد المطلب عمير، رئيس حركة اليقظة المواطنة، وفاطمة بالمودن، عضو المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وحضرت فيها محاولات الإجابة عن سؤال : هل لدينا مشروع مجتمعي حداثي تقدمي واضح المعالم يجعل من المساواة واحدة من ركائزه؟


«المساواة وقيم الحداثة»، عنوان حلقية النقاش الذي اختارته عضوات لجنة المقرر التوجيهي المنبثقة عن اللجنة التحضيرية للمؤتمر الوطني السابع  لنساء الإتحاد الاشتراكي ان نظتمها يوم السبت 16 نونبر الجاري، وقالت مسيرة حلقية الأستاذة أمينة بنعمر في كلمة افتتحت بها النقاش «يهمنا كنساء بأن ندافع عن شكل المجتمع الذي نريد، ونناضل فيه من أجل الحفاظ على مكاسبنا والدفاع عن الحقوق التي نص عليها الدستور. 


وأكدت أمينة بنعمر أن الغرض من طرح هذا النقاش هو نابع من وضع عام يعيشه المغرب اليوم كباقي دول الحراك، والذي يعرف نوعا من الارتباك والتخبط والتراجع في تعامل الحكومات الاسلامية مع قضايا المجتمع و من بينها قضايا النساء. قبل أن تفتح حلقة النقاش :

المساواة :  سلطة الفقيه والسياسي والفيلسوف

الناشط السياسي والحقوقي عبد المطلب عمير، رئيس حركة اليقـظة المواطنة وعضو ببيت الحكمة والمعروف بمواقفه من التيارات المحافظة، وهو يقارب التساؤلات المطروحة للنقاش، اختار أن يؤكد على أن قضية المساواة تكشف صراعا بين مشروعين: أصولي محافظ وتقدمي حداثي، ولا يمكن لقضية المساواة بين الجنسين أن تطرح بمعزل عن قيم الحداثة وعن باقي الحقوق المدنية.
« لهذا نجد أنفسنا في دوامة لا يمكن الخروج منها إلا بإرادة قوية وتيار مجتمعي حداثي ، وإلا سنبقى وسط غمة ووضعية عامة هشة» يقول عبد المطلب عمير، الذي يرى أن قضية المساواة معطلة ما بين سلطة الفقيه و السياسي والفيلسوف.
وملامسة موضوع المساواة وقيم الحداثة، يمر حسب عبد المطلب عمير عبر عدة مقاربات وهي كالآتي:
– مقاربة الفقيه المتخلف: أي المتخلف عن التاريخ، ينتصر للنقل و يقتل كل قيم العقل و الاجتهاد، فتعاطيه مع قضية المساواة لا تاريخي.
– مقاربة الفقيه المتنور: يتدخل بتأويلات و في سياقات بكثير من الاحتراز و يظل دائما خارج الزمن.
– مقاربة السياسي: في تدخله دائم لغة موازين القوى خاضعة لمنطق التقاطبات و التوافق.
– مقاربة الفيلسوف: مقاربة تتوق إلى الانعتاق، يحتاجه السياسي للتنبيه أن القيم لا تتدخل فيها الحسابات السياسية.


واعتبر عبد المطلب عمير أن القضية النسائية كانت دائما حاضرة في صلب نضالات القوى الديمقراطية والحداثية و التحررية ليس فقط في المغرب بل حول العالم، إلا أنها عرفت بعض الانتكاسات عبر التاريخ راجعة بالأساس الى موازين القوى المجتمعية، و بروز قوى أصولية تناهض قيم المساواة و الحداثة و تعتبرها مصدرا للفتنة. 


وأكد عمير، أيضا، أن الصراع بين المشروع الأصولي الرجعي و المشروع الديمقراطي الحداثي سيظل قائما ويتطلب توحيد الصف الديمقراطي الحداثي التقدمي لتحصين المكتسبات وتطويرها والدفاع عنها.


ويعتبر عبد المطلب عمير رئيس حركة اليقـظة المواطنة، أن الحقوق والمكتسبات تعيش وضعية الهشاشة رغم كل مظاهر التقدم النسبي، «هذه الهشاشة تجعل ضعفا في الثقة في المؤسسات وفي التجربة، هناك شعور عام بعدم الثقة»، منبها إلى أن هناك من يقوم بإعادة تشكيل المفاهيم ويعطيها معاني أخرى غير تلك الأصلية، «وهذا أمر خطير، فقد يأتي وقت لا يصبح للحرية والمساواة نفس معناهما الحالي، بل حتى معنى المواطنة بدا البعض يزوره ويربطه بالعقيدة، هناك محاولة التفاف على المكتسبات الديمقراطية «.


عبد المطلب عمير، رئيس حركة اليقظة المواطنة خلص إلى أن الحركات النسائية كانت تتلاقح مع كل الحركات الديمقراطية داخل المغرب و خارجه، مما جعل الحركة الديمقراطية المغربية حركة منفتحة، و بالتالي كان من الطبيعي مع تجربة التناوب وما تلاها من محطات أن تكون الحركة النسائية على موعد مع جيل جديد من المتطلبات للبناء الديمقراطي، لأنه كان للمغرب ما يكفي من التراكمات لمواكبة هذا الجيل الجديد من المتطلبات، فالحركة النسائية هي جزء من البناء السياسي الديمقراطي الحداثي إذ لا يمكن أن تبقى النساء على هامش الدورة السياسية.


كما ربط عمير شكل الدولة بالمساواة، واعتبر أن « المرأة تستحق المساواة بإنسانيتها «. من هذا المنطلق فتحقيق المساواة – حسب عمير –  يمر عبر الدولة المدنية الفاصلة بين الدين والسياسة يكون فيها الدين مسألة أساسية ترتبط بحرية الفرد.

المساواة وقيم الحداثة معركة القوى اليسارية

بعد أن أعلنت أننا نعيش إلى اليوم هموما صاحبتنا منذ سنين، ولم تستطع الإجابة عنها. وإن فعلت فلكي تخالفها و تعارضها، باسم الخصوصيات والموروثات والماضي التقلداني. لماذا نكرر إلى اليوم ذلك السؤال الموجع:  لماذا تأخرنا في ترسيخ قيم المساواة والحداثة بوطننا؟ هذا بدأت فاطمة المؤدن مداخلتها ضمن حلقية نقاش نظمتها اللجنة التوجيهية والسياسية المنبثقة عن اللجنة التحضيرية للمؤتمر الوطني السابع للنساء الاتحاديات. 


عضو المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي، لم تتردد في تأكيد على أن ما يسمى – الربيع العربي- الذي أعطى أملا كبيرة للنساء، انقلب على تلك الآمال وحولها إلى كابوس قاتل لمكتسبات النساء، رافضا للحرية والمساواة.


فالترسيخ القيمي للمساواة، لا يمكن أن يكون إلا هما للحركات التقدمية اليسارية تقول بالمؤدن «نتذكر معركة سنة 2000 بمناسبة المسيرة الوطنية للنساء المغربيات دفاعا عن الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية، ومن شارك في المسيرة المناهضة لها بمدينة الدارالبيضاء، من دعم القوى الاسلاموية المحافظة التقلدانية في معركتها ضد الخطة ادماج المرأة في التنمية..» تتحدث فاطمة بالمؤدن، التي قاربت موضوع المساواة في بعدها القيمي من خلال طرح تساؤلات تفتت بنظرها، حالة العودة المستمرة إلى ذات النقاش الذي فتح فيه الاتحاد الاشتراكي وقوى التقدم الكثير من أوراش تفكير. 


وأكدت فاطمة بالمؤدن أن المساواة وقضايا النساء بشكل عام لا يمكن إلا أن تكون في طليعة نضالات القوى اليسارية، فبالنسبة لعضو المكتب السياسي، فإن مقاومة الفكر المتنور المدافع عن قيم المساواة والحداثة لا يقودها الاسلاميون الرجعيون فقط، لكن الأمر تعدى ذلك، فالجريمة اليوم تكمن في أن الكثير من القوى اليبرالية تبرر الموقف التقليداني والمحافظ من قضايا المرأة ، والأكثر من ذلك لا تدين ما يقع يوميا من مساس واضح ومفضوح بالمكتسات التي حققتها المرأة المغربية.


وتقول بالمودن إن هناك مؤسسات في العمل الحزبي أو النقابي دافعت عن اطروحات مناهضي الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية سنة 2000 اعتبرته مقاومة للاديولوجية اليسارية. وأصدرت بيانات في الدفاع عن هذه الطروحات.


«أذكر أن بعض  السياسيين من الأحزاب الليبرالية دافعو بقوة عن مواقف الردة عن المكتسبات التي حققتها المرأة المغربية، وهم أنفسهم من يمتهنون الصمت أمام ما يقع عن ردة حقوقية تمس بشكل مباشر تراكمات الفعل التحريري الذي تناضل من أجله المرأة المغربية بتأطير من قوى سياسية وحركة نسائية وحقوقية وبدفاع لا يمكن إنكاره من قبل المثقفين والمفكرين المغاربة». 


وعلى جانب آخر، أشارت الأستاذة فاطمة بلمودن كذلك إلى ماوصفته في مداخلتها بالتراجعات الخطيرة التي يعرفها المغرب في ظل وصول الأصوليين إلى الحكم وإجهازهم الممنهج على كل المكتسبات التي ناضل من أجلها الشعب المغربي، مطالبة النساء المغربيات وقوى اليسار والتقدم بالتحلي باليقظة والاستمرار في نضالهن العادل من أجل إقرار مجتمع الحداثة والديمقراطي.


وأوضحت فاطمة بالمؤدن أن بناء المجتمع الديمقراطي الحداثي التقدمي، يتطلب أن تتواصل عمليات الإصلاح القانوني التي من شأنها إزالة كل أنواع التمييز ضد المرأة المغربية، ولا بديل عن اعتماد سياسات عمومية تجعل مبدأ المساواة بين الجميع واقعا ملموسا، مع اقرار فعلي لسمو المواثيق الدولية وترك التردد الانفصامي بين المرجعية الحقوقية الكونية والمرجعية الدينية، مع إنتاج ونشر الثقافة المدنية الحديثة، و استئناف عملية تحديث المنظومة التربوية وعملية ترسيخ قيم حقوق الإنسان فيها.

الدستور والقانون لا يكفيان 

في معرض حديثه عن ارتباط المساواة وتحديث المجتمع بالدستور، يشدد عبد المطلب عمير على الفرق بين مفهومي المساواة والمناصفة «المساواة تتعلق بالمجال القيمي بينما المناصفة رقمية عددية كمية، لماذا لا يتكلمون عن المناصفة في الدول التي قطعت أشواطا كبيرة في اتجاه الحداثة؟» الجواب بسيط، يرد عمير»لأنهم ربحوا معركة المساواة في المستوى القيمي الثقافي، لكن لا يمكن للمناصفة أن تكون مساواة لأن صورة المرأة في الأذهان متخلفة جدا، ولهذا لا يجد التيار المحافظ مشكلة في حشد النساء، لأن المرأة عندهم لا تطالب بالمساواة فلا تشكل مشكلا بالنسبة إليهم، الأمر الذي يطرح علينا إنجاح معركة المساواة وألا نستنجد بالمناصفة لنخبئ واقعا متخلفا»
وتساءل رئيس حركة اليقظة المواطنة حول طرق العمل التي قد تمكننا من القراءة الديمقراطية الحداثية لوثيقة الدستورية، خصوصا فيما يتعلق بالفصل 19 الذي يقر بالمساواة ؟ وكيف يمكن أن ينعكس مبدأ سمو المواثيق الدولية على الإطار المرجعي للقوانين الوطنية؟.


في ذات الوقت أكد عمير أن الطريقة التي صيغ بها الفصل 19 تقيده بعدة قيود، منها «أحكام الدستور» «ثوابت المملكة» و»قوانينها» والاتفاقيات الدولية «كما صادق عليها المغرب


بدورها، فاطمة بالمودن نبهت إلى أن القوانين وحدها لا تكفي، وأن تحرير المرأة يشكل تهديدا للنسق العام «لهذا يتم توظيف قضية المرأة والاكتفاء بأمور رمزية وسطحية في هذا المجال» تقول القيادة الاتحادية، قبل أن تشدد  على أهمية البعد الثقافي مؤكدة  «باستثناء الحركات الحقوقية والنسائية، نجد أنفسنا في مجتمع يسيطر عليه الاتجاه المحافظ في المستوى الرسمي وفي الأحزاب وفي المجتمع نفسه. المغرب يعيش في مفترق طرق، هناك قوانين تنص على المساواة، وواقع مناقض لذلك».


واعتبرت فاطمة بالمؤدن، أن هناك هوة كبيرة بين الدستور الذي يؤكد على المساواة وسمو المواثيق الدولية، والخطاب الذي تستعمله الحكومة الحالية والذي يتطابق مع خطابات تسود بلدان عرفت ما يسمى بالربيع العربي. 


فالحزب الأغلبي الحاكم اليوم، «يتكلم عن المناصفة فقط ويلغي مبدأ المساواة، ويعطي اليوم مبررا إلى من يرفض إبداء الرأي الصريح في المساواة ويعكس تصورات معينة عن المرأة وموضوع المساواة» تقول القيادية بحزب الاتحاد الاشتراكي.


واتهمت فاطمة بالمؤدن عضو المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي، خطاب الأغلبية الحكومية بكونه يضع فاصلا بين المناصفة والمساواة، ويضع علامة حمراء أمام المساواة لصالح مفهوم المناصفة المفصول عن البعد الكوني لثقافة حقوق الإنسان.

وأكدت أنه على المغرب الانتقال من خطاب الإصلاح إلى فعل الإصلاح عبر إعطاء الأهمية اللازمة لمشاركة المرأة في صنع القرار السياسي وفي تدبير السياسات العمومية . ومع الارتباط الوثيق بين الديمقراطية وقضايا النساء التي تعتبر المحك القادر على إنجاح المشروع الديمقراطي الحداثي التقدمي.

…عن جريدة الاتحاد الاشتراكي ..11/28/2013