العَربيةُ بين المُقدِّسين و المُتَربِّصين!!

البحث عن هوية قاتلة

 بقلم ..  ذ.محمد العمري

ــ1 ــ
نقطة نظام:
الخروج من مهرجان «بني دَالَانَ
«
1ـ 1ــ من أعطاب الحياة السياسية الموروثةِ عن سنوات الرصاص، في المغرب، أنَّ جميعَ الأطراف تُفضِّل اللعبَ خارجَ الملعب، لتُمرِّرَ ما يُمكن تمريرهُ بعيدا عن الأنظار، وفي غِيابِ الآخرين، حتى ولو كان خيرا، أو صادراً عن حُسنِ نِيَةٍ، كقضية «القَسَم على المـُصحف» المشهورة. هذا هو المأخذُ الأولُ الذي أخذَهُ الجميعُ على السيد نور الدين عيوش الذي «كَمَّسَ» ما دار في ندوتِه وتوجه به إلى القصر الملكي. وهي ندوةٌ مُهرَّبة بالنظر إلى موضوعها؛ غاب عنها ذَوُو الاختصاص، وأصحابُ الحقوق: جلس المتنادون لتفويتِ تركة الفصحى في غياب القضاة والورثة. (ومن فلتات اللسان الكاشفة قول السيد عيوش للأستاذ عبد الله العروي: لو عرفتُ أنك ستتفق معي، أو تؤيدني، لاستدعيتك!!). ولذلك فربما تكون هذه أكبرَ محاولةٍ للسرقة السياسية عرفَها ما بعْد الدستور الجديد. فقد اعتقدنا أن سلوكَ الفاعلين السياسيين سيتغيرُ تدريجيا بعد هذا الدستور الذي حددَ بعضَ قواعد اللُّعبة برغم غموضها، وإن كان هو نفسُه قد «خَرجَ من الخيمة» على الحالة التي تَرَوْن، بعدَ أن سُرقت منه، في اللحظة الأخيرة، مَدَنيةُ الدولة بنفس المنهجية الاختلاسية.
ولا شك أن السيد عيوش (ومَن مَعَه) ما كانَ ليَجْــرُأ على هذا القَفز العُلوي لو لم يَسْتأنِسْ بسلوك الحكومة اليمينية الحالية التي تُقايضُ التأويلَ الديمقراطي الحداثي للدستور بالمقاعد و»التمكين» وتمرير بعض أفكارها المعادية للحداثة بعيداً عن أنظار المعارضة والمجتمع المدني. وقد وصل بها الأمر إلى حد تقديم هَدايا مفضوحة رُدَّتْ في وجهها، كما وقع في قضية «القوانين التنظيمية» التي اختطفتْها الحكومةُ بفجاجة وسوء تأويل من البرلمان وأعادها الملك إليه.
هذا النوع من الغِش في اللعب لن يخدُم المصالح العليا للمغرب، وسيُعقِّد أموراً معقَّدةً بطبيعتَها، مثل قضيتي اللغة والوحدة الوطنية. ومَن يُثيرُ الغبار قَصْدَ استغفال شُـرَكائه (في العصر الحديث خاصة) سُرْعانَ ما ينكشفُ عنه الغبارُ ويَكتشفُ بنفسه أنه أكبرُ المغفلين. ولعل هذا هو الانطباع الذي خرج به السيد عيوش من هذه التجربة، فقد انهال عليه الطوب والحجارة من كل صَوْبٍ وحَدَب. وقدْ بَينتْ محاولةُ بعض خبرائه الدفاع َعن مشروعه أنه «كَـانْ مْـحَزَّماً بَالْـ كَــرْعَةِ الدكالية!». بمثل هذا السلوك الاستغفالي يتحول الأذكياء إلى موضوع للتَّندُّر. نتمنى أن يستمر الملكُ في رد مثل هذه الهدايا الملغومة، حتى يقتنع مُـــوَرِّدُو تلك البضائع ومصدِّروها أن المغرب دَخَلَ منطقةَ الضوْء والسوق الحرة.
1ـ 2 ــ أما الفوضى التي وقعتْ بعْدَ انتشار «شائعة» استبدال الفُصحى بالعامية، نتيجة تدخل كثير من الـمُفْتين المتطفلين على الموضوع، وأشباه المتعلمين، وأصحاب الحسابات الخفية، فقد ذكَّـرتني بجمْع، أو تجمُّع، «بني دَالانَ» في قول الشاعر:
كَأنَّ بَـني دَالانَ إِذْ جَاءَ جَـمْعُهُمْ فَرارِيجُ يُلْقَـى بَيْنَهُنَّ سَوِيـقُ
السَّويقُ: «الزَّمِّيطَة»، بكل بساطة، دقيقٌ من حبوب مُـحَمَّصة (مـَكـلية). والفراريج: جمع فَرُّوج، صغارُ الديوك، ودُونَـها الفَلاليسُ، جمع فَـلُّوس. هل تعرفون ما يقعُ حين يُلقى السَّويقُ بين الفراريج؟ أبناء المدن لا يعلمون: تتطايرُ مُتصايحة في نفس الوقت، وتضربُ بأرجلها وأجْنِحَتها فتُبعثر السويق، فلا هي انتفعتْ به، ولا تركته لغيرها ينتفع به. وبنو دالان يَضِجُّون جميعاً في نفس الوقت، فلا يسمعُ أحدُهم ما يقوله الآخرُ، ولا ينتفعُ بكلامه. وزَمِّيطةُ السيد علوش تَنازعَها الفراريجُ والفلاليسُ قبلَ أن يقتربَ منها الديوكُ شبهُ العُقلاء مثلي مطالبين بشيء من النظام. ومعروف أن الفروج الأعرج هو الذي يَقْلبُ الشَّـ?ْـفة فيُريق الماء ويحرم الآخرين منه.
أمامَ هذا الهجوم العنيف الذي اُسْتُغِلَّت فيه أصواتٌ حادةٌ، ومخالبُ جارحة، أصبحَ بُوبُــولْ، وهو كبيرُ دُيوك السيد عيوش ورائدها، يَــفِــرُّ بتاجه الأحمر الطري ليجد نفسه وجها لوجه مع قُرون تُيوسِ الرمال القادمة حالاً من الثُّلث الخالي (خالي من العقل في الغالب) لنصرة لغة «مقدسة»! يَعتقدون أنها كانتْ هكذا منذ الأزل؛ لم يُـــزَدْ فيها حرفٌ، ولم يُنقصْ منها حرف! وستبقى كذلك ليتفاهَمَ بها أهلُ الجنة، حسَبَ حديثٍ أجمع المدققون الثقاة على أنه موضوع.
ورغم أن الحوارَ بين العربية الدارجة، أي الرائجة، والعربية الفصحى، أي الممعيرة، كان يبدو شأنا «عُروبيا» «أعرابيا» في خطاب الإخوة المنشغلين ببناء الأمازيغية المعيار وتمكينها في التعليم والإعلام ــ وفَّقَهُم اللهُ إلى سواء السبيل ــ فقد رحَّبَ الكثيرُ منهم بدعوة السيد عيوش، وتحدثوا عن الطبيعة الوطنية للدارجة المشبعة بالروح الأمازيغية، المندمجة في نظامها النحوي، بخلاف الفصحى التي سيُشدد عليها الخناق حتى تَعودَ إلى جُحرها الضيق في جزيرة العرب، حسَب أكثر التعليقات تشاؤما. هكذا قال فراريج الأنتيرنيت وفلاليسُها الذين ينطحون أيَّ لَوْنٍ يخالف لونَهم الوحيد المحبوب قَبْل أن تُنبههم الديوكُ العاقلة، التي حنكتها التجاربُ، إلى أنَّ تعميمَ الدارجة لا يُشكل خطرا على الفُصحى فحسب، بل هو خطر على الأمازيغية أيضا. فلا ينبغي الانجراف مع التيار، إذ الوقوف في وجه الفصحى التي «لا يتحدثُ بها أحد» ــ وهذه أمنية أخرى ــ أهونُ من الوقوف في وجه دارجة يتحدث بها أغلبُ السكان، ويكاد يفهمها الجميع، ومن هنا بدأوا في مراجعة قولهم بأن الدارجة «لغة مغربية» لأنها بنت الأمازيغية أيضا. ولا شك أن الأمازيغية هي خالةُ الدارجة المغربية، والخالةُ رحيمة كالأم، ولذلك يظهر أن من يريدون تمزيق الطفل في تجاذب مع أمه الطبيعية البيولوجية يحملون توكيلا مزيفا من الخالة.
هذه نقطة نظام مقلوبة، وإن عدتم عدنا. وسنحاول في النقط التالية استشكال بعض القضايا التي تعامل معها الطرفان باستسهالٍ أو تجاهلٍ ضارين. وكلامنا مجرد اجتهاد يخاطب العقول والنوايا الحسنة، مهما قست لغته.

ـــ 2 ــ
العربية الفصحى كائن تاريخي متطور

من الطبيعي أن يرى الأصوليُّ أنَّه ليس هناك مُشكلٌ أصلا، لأن نمطَ العيش الذي يَعيشُه، ومُستوى الفكر الذي يُفكرُه لا يَستهلكُ حتى لغةَ القرن الثالث والرابع الهجريين. وقد عانينا من هذا العطب الأصولي، في العقود الثلاثة الأخيرة، ونحن نُحاول تجديدَ مناهج البلاغة والدرس الأدبي: فكل اقتراح جديد يُشكل لديهم خطرا على الهوية العربية الإسلامية، ويُكوِّن استلابا أو مؤامرة خبيثة. وإذا أعوزهم الفهم والتحليل والمقارعة بالحجة فلا يعوزهم الكيدُ والهجاء. ولذلك فأيُّ توسُّع في اللغة يجعلهُم يثورون ويحتجُّون بالشعر الجاهلي ولغة أعراب الجاهلية. ولِستْــر عجزهم يسحبون المقدس على التاريخي؛ فاستعمالُ الدارجة بالنسبة إليهم استهانةٌ بلغة القرآن الكريم ومعصيةٌ لربِّ العالمين. أما الديوك «بوبول وأصدقاؤه» فحين يسمعُون هذه اللغة المتعصِّة للجاهلية يُصابون بالرعب، ويختلط عليهم الأمر فيرون أن الداء كلَّه في اللغة العربية، وأنها أصلُ كل الشرور، وتطويرُها مستحيل لأنها مُشتركةٌ مع أقوام رُكِّبتْ عيونهم في ظهورهم، وعقولهم وحواسهم، تحت أحزمتهم، وَ»الوَجْهْ الـمـَـشْروكْ مَا يَتّْغْسَلْ». فيَسْعَوْن للتخلص منها بشتى الحيل والمكايد، ولو خنقاً في الظلام.
للخروج من هذه الثنائية المـُسمِّمةِ التي لن تخدُم اللغة العربية، ولا التلاحم الوطني، نقترح تأمل بعض الحقائق التاريخية والمعضلات الواقعية، وعلى رأسها تقعيد اللغة العربية، وعلاقتها بالمقدس. وبعد ذلك يفعل الله ما يشاء.
اللغةُ العربيةُ الفصحى التي نكتبُها اليومَ ليستْ كُلَّ «كلامِ العربِ» في الجاهلية، ولا في صدر الإسلام، أي أنها ليست اللغةَ الأبديةَ التي يخافُ الأصوليون الدينيون والقوميون من دخولها في حوار وتفاعل مع الدوارج، ولا هي تلك التي يريد «الآخرون» التخلصَ منها. هي كائن جديد حي متطور. تتطور بالإيقاع الذي يتطور به أصحابُها الذين لا يقرؤون من بين خلق الله أجمعين. اللغةُ ليستْ أقراصاً تُشربُ فيقعُ التقدمُ، ومَن يَعتقدُ غيرَ ذلك فما عليه إلا أن يقتني «حبةْ لَفْهامَة» ويشربَـها، وهي بأقل من ثمن التراب، ومن الأحسن أن يقتنيها من مدينة مراكش التاريخية.
اللغةُ العربيةُ كائنٌ تاريخيٌّ متطوَرٌ، هذا ما يشهد به العلماءُ الذين وضعوا التصميم الأولي (الكروكي) لما عُرف بالفصحى. ولم ينتهوا من وضع هذا التصميم إلا بعدَ أكثرَ من قرن من هجرة الرسول! أي من بداية تكوين الدولة التي طلبتْه ورعتْه.
لا تستغربْ هذا الكلام! وتَوَقَّفْ عن نتْفِ لِـحْيتك، ولطْم صلعَتك! اِستمعْ إلى هذه الشهادة، من بين شهادات أخرى: سأل رجلٌ أبا عمرو بن العَلاء (وقد مات حوالي سنة 157ه) قائلا:
«أخبرني عَما وضعتَ مما سميتَه عربية، أيَدخلُ فيه كلام العرب كُلُّه؟
فقال: لا.
فقال الرجل: «كيف تصنع فيما خالفتْك فيه العربُ، وهم حجةٌ؟
فقال: أعْملُ على الأكثر، وأسمي ما خالفني لغاتٍ».
(تنوير: أبو عمرو بن العلاء خبيرٌ لغوي بالمعنى الحديث للخبرة، أي مَرجِعٌ في اللغة، هو أحد أشهر قراء القرآن السبع، وأحدُ أكابر أئمة اللغويين الذين ساهموا، قبْل سيبويه، في وضع أُسس النحو العربي. النحو الذي سيتعامل به الناسُ في الحواضر الإسلامية الجديدة. وهو صاحبُ القولة المشهورة: «ما انتهى إليكم مما قالتْه العربُ إلا أقلُّه، ولو جاءكم وافراً لجاءكم علمٌ وشعرٌ كثيرٌ»). كال: «ماقلته العرب»، دون استثناء.
وقد عَلَّقْتُ على الحوار أعلاه، منذ حوالي عقدين من الزمان، بالعبارة التالية: «النص صريح في أن «العربية» اسمٌ جديدٌ لشيء جديد ( «ما وضعْتَ مما سميتَه عربية»)، ثم هُناك ما قبل العربية، وهو «كلام العرب» الذي شُطر شطرين..» (انظر كتابنا : البلاغة العربية أصولها وامتداداتها. ط2. 122).
إذن، أولُ درسٍ ينبغي أن يتعلمَه هؤلاء اللاعبون الشاردون خارجَ الميدان هو أن «العربية» ليست لغةَ الأعراب، بل هي لغة حضارة، هي زُبدةُ ما استُخلصَ من «لغات العرب» التي غُرْبِلتْ صوتيا (فأُهملتْ أصواتٌ)، ومُعجميا (فأهملت ألفاظٌ، وأضيفت ألفاظ)، وتركيبيا (فأهملت تراكيب: مثل أكلوني البراغيث)، ونُطقيا وتنغيميا (فأهملت لكنات وتنغيمات وكشكشات). وبعد ذلك كله أُعْمِلتْ آلياتٌ كثيرةٌ لاستيعاب النص القرآني والشعر الرفيع، ضمنَ هذه اللغة الجديدة، فنُسب بعضُ تراكيبهما إلى التوسع والمجاز والحمل، وبعضُها إلى «القراءات» و»اللغات»…الخ.
وينبغي الانتباه إلى أن أكابرَ من قاموا بهذه العملية (وعلى رأسهم سيبويه) ليسوا عربــاً، ولم تَـجرِ هذه العملية داخل الجزيرة العربية، بل في الحواضر الجديدة التي تفاعلت فيها الأجناس والحضارات. وعليه فالفلاليس الذين يطالبون العربية الفصحى بالعودة إلى جزيرة العرب مخطئون.
ولكي يُريحَ كُلُّ تِـيسٍ نطَّاحٍ قرونَه قليلاً يلزَمُه أن يتذكرَ أن هذه «التصفية» و»التفصيح» كانت تأخذ بعين الاعتبار الحديثَ النبوي الميسِّر: «إن هذا القرآنَ أُنْزلَ على سبعة أحْرف، فاقرؤوا ما تيسِّر منه». وتلافيا لأي لَـجاجةٍ أترك للقارئ أن يتتبع الأخبار َ المتواترة المتصلة بهذا الحديث، ما صح منها يقينا، وما حامت حوله الشكوك، (فالدلالة واحدة) ليعلمَ أن القرآنَ الذي عَمِلَ النحاةُ على استيعابه في القالب الجديد الضيق (بعدَ قرن ونصف من وفاة الرسول صلوات الله عليه) مرت عملية تسجيله بمراحل، بعضُها جرى في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي سَنةِ وفاته خاصة (عَرْضُ القرآن سنويا على جبريل)، ثم بعد وفاته، آخرها ترجيحُ الخليفة عثمان (ض) للمصحف الذي استخرجَهُ وعُـرف باسمه، وإحراقُ ما سوى ذلك. وقد تحدثَ العلماءُ المسلمون في هذا الموضوع، عبْر التاريخ دون حرَج.
فلماذا لم يقف رجالُ ذلك الزمان، وفيهم الصحابةُ والتابعون، الثقاةُ الصالحون الورعون، في وَجْه هذه العملية التاريخية التي تعاملت مع «الأحرف السبعة» في ضوء تقارب «لغات العرب» بفضل الإسلام نفسِه، حيث أصبح من الممكن، بعد عقود، أن يُقرأ القرآنُ بحرف واحد مُلقح بباقي الحروف؟
الجوابُ بسيط: يتلخصُ في أنَّ أولئك الناس كانوا مُقبلين على الحياة، يعيشون حركة التاريخ باعتبارهم صُناعاً فاعلين؛ لا يُرعبُهم التطورُ، لأنهم كانوا ينظرون إلى الأمام. من المعروف أن هناك أصواتاً خرجت من صفوف ورثــة الماضي، والمتضررين من ذلك الحاضر لتصيح: أوقفوا هؤلاء العجم! إنهم يختزلون كلام العرب في قوالب منطقية قادمة من لغات المجوس وفلسفة الوثنيين! ومنطقُ العربية غيرُ منطق اليونان. كانت حربا بين القياس المختزِل والسماع المنتشِر، ولا علم بدون اختزال. لم تَصمُد الأصواتُ القليلةُ التي أصرَّتْ على استمرار القراءة بكل الأحرف. هذه الدينامية التي أَدمجت «لغاتِ العرب» و»أحرفهم» و»قراءاتهم» في خطاطة سيبويه ليست إلا موجة من موجات المد الذي أطلقه عمر بن الخطاب لهيكلة الدولة الجديدة ابتداء بإنشاء الدواوين على نمط وخبرة الأمم المجاورة التي تمتلك خبرات ومهارات تفوق ما كان بِـيَـدِ عرب الجزيرة حيث البداوة غالبة…الخ. وهي نفسُها التي جعلت الحجاج ومعاوية يقتحمان البحر الأبيض المتوسط، لا يلتفتان إلى بكاء من يبكي على تركة الجاهلية، أو ما توهمه من امتيازات صدر الإسلام. والحَجَّاجُ هو نفسُه الذي أمَــرَ بِـ»توقيف» نص القرآن عن طريق إحصاء أحْـرُفه صونا له من كل عبث. وما كان ليفكر في ذلك لو لم تكن لتفكيره دواعيه. (انظر جدولا لإحصائه في كتابنا تحليل الخطاب الشعري البنية الصوتية ص. 102).
لقد تطلبتْ عمليةُ توليد اللغة العربية من «كلام العرب» و»لغاتهم» و»قراءاتهم» حوالي قرن ونصف من الزمن. وتَولَّـد عن الحوار في الموضوع مدارسُ نحوية، أشهرها مدرسة البصرة التي رجَّح أكثرُ شُيوخها القياس، ومدرسة الكوفة التي غلَّب أكثر شيوخها السماع. وسيبويه الذي صار رمزا للنحو العربي، بمثل ما كان أرسطو، وما يزال، رمزا للمنطق اليوناني، مات حوالي 180ه، عن عمر دون الأربعين سنة. «غِيرْ أَجِي وَصْنَعْ لُغَه مَنْ لَـهَجَاتْ!!!». كان توحيد المصحف وتوحيد اللغة يسيران جنبا لجنب. (ومع ذلك ففي القرن السادس عشر أرسل المنصور الذهبي بعضَ المرابطين إلى إيران لإحضار نسخة من القرآن الذي يدعي الشيعة الاحتفاظ به، ويسمونه مصحف فاطمة، ويدعون أنه أوسعُ من مصحف عثمان. (انظر سيرة أنطونيو دي صالدانيا، وما زالوا يتهمون بها بإخفائها إلى اليوم).
خروجُ لغة عالمة «فصحى» من لهجاتٍ وكلامٍ شفوي مسألةٌ مُعقدةٌ تتعاضدُ فيها السُّلطتان: السلطة السياسية الصاعدة الجذابة غير الخائفة من المستقبل، والآخذة بزمام المبادرة، والسلطة العلمية النشيطة المندمجة في مشروع علمي شمولي: في جميع المجالات. أما فصلُ اللغة عَنِ العلم والمال وادعاءُ الرغبةِ في تطويرها (كما في مشروع السيد نور الدين عيوش) فَمحضُ عبثٍ، إن لم يكن شيئا آخر! فهل اللغةُ عنصرُ تخلُّف أم ضحيةٌ له؟
تنوير: حاول الأستاذ عبد الله العروي أن يُـبسِّط قضيةَ الفرق بين الشفوية والكتابية ويُحسِّسَ بخطورة السعي لتكريس شفوية مجتمع خارجٍ لتوه من الشفوية، فلمْ يجدْ مِن مُحاوِريه، ولا مِن مُتتبعيه، مُعيناً لتطوير النقاش. وكنتُ أتمنى لو اسْتحضرَ التجربةَ التي وصفَها جاك ـودي في كتابه: العقل الكتابي (أو التصويري) La raison graphique وقَصَّها على المستمعين ليفهموا الفرقَ بين عقلية «الكتابي» الذي يتَصورُ ويُـخطط، أي يعمل عمل المهندس، وعقلية «الشفوي» الذي يتصرف فيما يقع بين يديه، أي يعمل عَمل المرقِّع. الفرق بين العقل الكتابي والعقل الشفوي هو الفرق بين كفاءة المهندس ingénieur وكفاءة المرقِّع bricoleur . وقد كان الغرض من العملية التي وصفها كودي إقامةَ الدليل على فساد النظرية التي تتحدث عن وجود عقلية بدائية غير سببية، حيث ثبت بالدليل القاطع أن الفرق بين البدائي وغيره هو الكتابة. فالأطفال الذين أخذوا من قبيلة شفوية بدائية بغانا وكُتِّبوا (عُلِّموا الكتابة) تخرجوا من الجامعات الغربية مهندسين.
هذا عن الدرس الأول، أما الدرس الثاني، فهو أنَّ خُروجَ العربية من «كلام العرب»، أو «لغاتهم»، أو «حروفهم» أو «قراءاتهم»لم يؤدِّ إلى انقراض ذلك الكلام، أو موت تلك اللغات والحروف والقراءات، بل استمرَّ كل ذلك موجودا بقوة في بوادي الجزيرة العربية، وفي كل مكان استقرت فيه كُتل قبلية عربية كبيرة إلى زمن قريب، وبِدَرجات متفاوتة إلى الآن. وظهر بجانب ذلك، في البيئات الجديدة، مثل شمال إفريقيا، «كلامٌ جديد»، أي لهجات جديدة متأثرة بمعطيات البيئات المحلية (الأمازيغية) والشرقية (هجرات القبائل) والغربية (الاستعمار، خاصة في المدن الشاطئية). استمرت هذه اللهجات القديمة والطارئة والمختلطة على هامش اللغة المعيار التي كانت منزوية في أضيق الأماكن الدينية والإدارية: في عقود النكاح والأملاك المحفوظة عن ظهر قلب، وفي الخطب المكرورة المحنطة في الجُمَعِ والأعياد، خطب ابن نباتة مثلا، وفي المكاتبات السلطانية والعهود والمواثيق.
يجب أن ننظر إلى الموضوع نظرةً تاريخية تطورية. إن لغةَ واحــــةِ سكورة بورزازات، التي وُلدت فيها (واحة النخيل والقصبات التي تمر بجانبها وأنت خارج من ورزازات في اتجاه الشرق على بعد حوالي 30كلم) كانت قُبيلَ مُنتصف القرن الماضي (أي قبل دخول الراديو والمدرسة، والدراجة العادية والنارية، وطاحونة الحبوب، والعمل المأجور…الخ) قريبةً في معجمها، غيرِ الفلاحي، من لغة الشعر الجاهلي، في حين كان المعجمُ الفلاحي مشوبا بالأمازيغية. أما نظامها الصرفي والنحوي فقد تغير قليلاً في اتجاه الاختزال والتسكين. من ذلك الوقت إلى الآن وقع تغيرٌ في المعجم فحسبُ، حلت الكوكوت محل الحماس وبقي الكسكاس هو الكسكاس.
وهل كان بالإمكان ألا تستمر لهجات وتظهر أخرى؟
الجواب عندي هو أن استمرار الدوارج كان أمراً حتميا، فهي مجرد تَوسُّع جديد في اللغة، أي خروجٌ عن ضوابطها التي وُضعتْ في ظرفٍ خاص، في القرن الثاني الهجري: من الممكن أن تختفي أصواتٌ وتظهر لُكنات، وتختفي ألفاظ وتضاف أخرى…الخ. بل من المفروض أن تُقتبسَ صيغ تركيبية من الأمازيغية. وأشهرُ الأصوات التي اختفت، دون أن يحزن لاختفائها أحد، حرفُ «الضاد» الذي تُنسب إليه العربية، حيثُ يُـقال: «لغة الضاد»! لقد ذهبَ الضادُ (أو ذهبت الضاد) وبقيت العربية. وذهبت حروف أخرى من النطق وظلت جثثها في الكتابة أو التجويد، مثل «الذال» و»الثاء» في المغرب.
(فسحة: ذات مساء من الموسم الدراسي 1995 جلستُ مُرشداً، استمع إلى عروض طلبة الدراسات العليا بجامعة الملك سعود بالرياض، في إطار تهييئ التسجيل في الدكتوراه. وعندما جاء دور الطالب س (أستاذ بالثانوي)، وهو متميز عن بقية زملائه الطلبة الباحثين بسنه المتقدم ولحيته العريضة، ومظهره الفخم، شرعَ يقرأُ بهدوء وأبهة وفخامة مُطبِّقا قواعدَ التجويد في احترام المخارج، وكلما نطق الضاد ينتفخُ لسانُه حتى يسُد ممر الهواء بين شفتيه. ظهر لي أنه يتكلف قلْبَ الضاد ظاء. لا أدري كيف «شَالَتْ نَعامتي» فنبهتُه لذلك، فاستوى متحفزا للمناظرة، مُحتجًّا بأن نُطقه هو النطق العربي الصحيح الذي ينبغي التمسُّك به. تذكَّرتُ وقتَها ما كتبه المرحوم حسان تمام من صعوبة التعرف على ذلك الحرف، فلم أحرمهُ لذة الانتصارِ. ومن يومها كسرتُ عصا «فظيع» فصارت «فضيع» حتى أنسى ذلك الموقف. انتهت الفسحة، وعاد النكد).
والخلاصة هي أن محاولة تفصيح الدوارج بصورة اصطناعية، وفي أجل قريب، وهمٌ يُـجافي منطق التطور، لا ينافسه في «ضلاله» غيرُ محاولة تحجير الفصحى وقياس صيغها الحالية والمحتملة الظهور على لغة أعراب الجاهلية التي أقصاها النحاة.

..عن جريدةالاتحاد الاشتراكي ..10/12/2013