تأملات في مسار الثورات العربية.. ديمقراطية الآخرين

من الضروري تعميم الممارسة الديمقراطية، بشرط أن لا يتم ذلك بفرض نموذج غربي ينصب نفسه نموذجا كونيا ووحيدا.

عن صحيفة العرب

د. فتحي التريكي [نُشر في 10/12/2013، العدد: 9405،

في كل دول الربيع العربي أصبح الجميع يتجادلون حول المعنى الدقيق للديمقراطية وما تستوجبه من شروط وآليات وما تنتجه من مستتبعات. وقد تنوعت الأفكار والآراء والمواقف حتى أن البعض أصبح يردد أن الديمقراطية ذات معاني متعددة حيث لا يمكننا إيجاد تحديد موحد ومقبول.

لا ننكر أن النسبية قد تلعب دورها في تحديد الديمقراطية التي تصبو إلى أن تكون كونية في معناها نظرا وتطبيقا. والحقيقة أن الكثير من فلاسفة العصر قد استأنفوا طرح إشكالية الديمقراطية لأنها انحصرت في صبغتها الإجرائية القانونية في كثير من البلدان الغربية، ففقدت بذلك كنهها وغايتها لتصبح آلة سلطة قد تقود إلى نوع من الكليانية قد يلبس ثوبا ديمقراطيا مزيفا. زد على ذلك أن عولمة الحياة السياسية قد أنتجت نماذج متعددة للحكم تزعم أنها تعتمد الحرية وحقوق الإنسان.

ليس من السهل معالجة إشكالية الديمقراطية في هذا الظرف العربي والعالمي المتقلب والموسوم بالعنف المتواصل جراء التحولات التي نعيشها الآن سياسة واجتماعا وثقافة، ولا يمكن أن تكون هذه المعالجة دقيقة وصائبة إلا إذا أخذنا بعين الاعتبار في الآن نفسه الثورات والمتغيرات في دول الربيع العربي، وحركية التثاقف الحالية التي بعد الثورة التكنولوجية المهيمنة أصبحت تحدد نمط حياتنا اليومية. ونعني بالتثاقف تلاقح الأفكار والعادات والتقاليد والرموز والعقائد المتواجدة في عالمنا من خلال قنوات التواصل المتعددة بين البشر في كل أنحاء المعمورة. ولعلنا نستطيع التأكيد على الحلّ الذي قدّمه الفيلسوف الهندي أمرتيا سن (Amartya Sen). الحاصل على جائزة نوبل للاقتصاد سنة 1998 عن أبحاثه المتطورة في اقتصاديات الرفاه، فهو يحاول إيجاد نمط للديمقراطية متأصلا في الثقافات المحلية حتى لا تكون هناك ردّة فعل متكررة ضد معطياتها الأساسية.

أبرز أمرتيا سان في كتابه «ديمقراطية الآخرين»، أنّ الديمقراطية في نشاطها وحركيتها الاجتماعية، من حيث هي تعبير عن الفضاء العمومي، ليست ملكا للغرب ولا ترتبط بحضارة معينة، فلقد وجدت دائما بأشكال مختلفة في عديد الثقافات الأخرى غير الثقافة الغربية، على غرار الثقافة الهندية أو الثقافة الإسلامية أو الثقافة الصينية، لأنّ الديمقراطية، كما يؤكّد على ذلك، تقليد شرقي قديم يقوم على التسامح والحرية، لذلك هناك طرق مختلفة لممارسة الديمقراطية يجب أن تأخذ بالاعتبار.

لست على خلاف كبير مع وجهة نظر أمرتيا سان، ولكنّني أعتقد، أنه إذا ما قبلنا بهذه النظرية بحذافيرها فإننا قد نقبل كل أنماط الأنظمة على أنها ديمقراطية، بما أنها كلها تقريبا تعتبر نفسها، بطريقة أو بأخرى، «ديمقراطية محليّة». ومع ذلك أعتقد أنه من الضروري تعميم الممارسة الديمقراطية، بشرط أن لا يتم ذلك بفرض نموذج غربي ينصب نفسه نموذجا كونيا ووحيدا عن طريق القنابل والمذابح أحيانا، وعن طريق غطرسة الدبلوماسية أحيانا أخرى.

وفي قناعتي، من الذكاء والجدوى أن نعمم الدّيمقراطية بواسطة ما أطلقت عليه فلسفة التّآنس، وهي فلسفة تثاقفية مؤسسة على المبادئ المشتركة بين كلّ الثقافات: مثل الغيرية ومستتبعها التسامح، والفردية ومستتبعها الحريّة، ثمّ التضامن ومستتبعه المساواة، وهكذا فإن الشكل الإجرائي للديمقراطية أي التقنية التي تصنع القرار أو الاختيار الذي يحترمه ويطبّقه كلّ عضو في المجتمع مهما كانت وجهة نظره، هو شكل غير كاف للوصول إلى المرحلة الكونية، لأن هذا الشكل الإجرائي يرفض كل تدخّل آخر سواء كان إيديولوجيّا أو إيتيقيا وأخلاقيالا محالة يكون الاقتراع العام والانتخاب والتصويت الديمقراطي، من الوسائل الأكثر جدوى لحماية الذات والمجتمع من خطر الحكم المطلق، ومن العوائق التي تمنع عجلة الدّولة من الدّوران، أي تلك العوائق التي تضعها مجموعات ذات مصالح مالية اقتصادية أو أيديولوجية أو دينية، وهي من ثمة تحمي الحرية في معناها الأساسي الذي يجب أن نذكّر به وهو غياب الضغط والإكراه. ولأجل ذلك، فإنّ هذه الوسائل يجب ممارستها في إطار بناء يحدّد القواعد الإجرائية التي وفقها تتّخذ القرارات العامّة ويضمن ممارسة الحريّات السياسية الأساسيّة. ولكن لابد من التأكيد في الآن نفسه على بعض مساوئ الديمقراطية الإجرائية ومن بينها احتمال إفراغ نظرية الدّيمقراطية من محتواها الحقيقي، بما أنّ هناك اختزالا لمفهوم الديمقراطية في مجرّد عملية إجرائية تخضع النّخب السياسية إلى مراقبة صارمة، وهذه الحالة من شأنها أن تثير الصّراع المتواصل من أجل السّلطة.

معنى ذلك أنّ الديمقراطية لا تتعلّق فقط بحريّة كلّ شخص. يجب عليها أن تهتمّ بالمشترك الذي يعبّر عن نفسه بعدّة طرق ومؤسّسات مختلفة. فالتّوازن بين المشترك والخاص يمنح للدّيمقراطية حضورا فاعلا وجدوى حقيقية. والدّيمقراطية الفاعلة تنخرط بداهة في روح الدّيمقراطية الإجرائية، ولكنّها تعترف للشّعب، أي للمشترك بأن يشغل الفضاء العمومي ويستخدم وسائل أخرى للتّعبير عن رأيه.

والهدف الأولي والمهم من إرساء هذه الديمقراطية الفاعلة، أي ديمقراطية النضال المتواصل يكمن في الكرامة التي كانت المحور الذي قامت عليه الثورة التونسية وأعني تنمية المؤهّلات الطبيعة الخاصة بالإنسان من حيث هو «مخلوق متعقّل» بثقافة ابتكاراته وإبداعاته، ومن حيث هو حر لا لذاته فقط بل وأيضا داخل المجتمع ضمن علاقاته المختلفة مع الغير وتحت سلطة القوانين، ومن حيث أنه يصبو إلى السعادة والرفاه وهو صانع سعادته بتأسيسها على مبادئ الخير الكوني الأسمى.

ليس ثمة شك أن الهدف الأسمى للديمقراطية يتمثل في محاولة تحقيق شروط العيش المشترك في كنف الكرامة والاحترام والمحبة. فلابدّ من تأكيد حركيّة هذه التصورات للديمقراطية وصيرورتها، لأنّها تآنسية جوهرا، واستمراريّة أصلا تتّسم بتداول الإحداثيات والمستجدات في المعارف والممارسات. وقد لا نبالغ إذا ما قمنا بالتعمق في الديمقراطية التآنسية عندما نزعم أن هذا النوع من الحكم الديمقراطي هو الذي يمكن لثقافتنا العربية والإسلامية أن تقترحه من حيث هو ديمقراطية محلية حسب تعابير أمرتيا سان، ولكنه سيكون أفقا كونيا لكل ديمقراطية حقيقية ممكنة.

كاتب ومفكر تونسي