هل المغرب نموذج أم وهم؟

ديفيد بولوك

عن معهد واشنطن

أل- مونيتور

12 آذار/مارس 2013


يعتبر المغرب البلد الوحيد الذي أسفرت فيه الاحتجاجات الواسعة التي حدثت خلال بداية “الربيع العربي” من مطلع عام 2011 عن قيام إصلاحات جوهرية بصورة سلمية، لكن دون تغيير النظام. ففي حزيران/يونيو من ذلك العام، تم التصديق في استفتاء شعبي على دستور جديد لم يعُد يطلق فيه على الملك لقب “مقدس”، ويتوجب فيه على العاهل المغربي تعيين رئيس وزراء من الحزب الذي يتمتع بأغلب المقاعد البرلمانية. وفي تشرين الثاني/نوفمبر، أسفرت انتخابات تنافسية عن فوز المعارضة، ومجئ حزب سياسي اسلامي لرئاسة الحكومة للمرة الأولى وهو «حزب العدالة والتنمية»، وتعيين رئيس الوزراء الحالي عبد الإله بنكيران.

ومنذ ذلك الحين، كان البلد هادئاً إلى حد كبير. لكن في بعض الأحيان تستمر الاحتجاجات على نطاق صغير في مختلف المدن والبلدات في المحافظات. إلا أنه قبل أسابيع قليلة، وفي الذكرى السنوية الثانية لـ “حركة 20 شباط/فبراير” التي جلبت مئات الآلاف من المتظاهرين إلى شوارع المدن المغربية الكبرى في عام 2011، شارك بالكاد ألف شخص للاحتجاج في العاصمة الرباط.

وقد ألهم هذا المزيج غير العادي من التغيير والاستقرار الواضحان، إلى حدوث حالة انفلات كلامي من قبل بعض المسؤولين المغاربة ومثقفين أمريكيين بارزين حول قيام “طريق ثالث” مفترض في المغرب مكون من ديمقراطية إسلامية تدريجية. وكما يقولون، ربما يمكن للمغرب أن يكون نموذجاً لممالك عربية أخرى، أو حتى أبعد من هذا. ومع ذلك وفي تناقض حاد هناك مغاربة مطلعين آخرين — التقيت بهم في زيارة بحثية قمت بها مؤخراً — يتمسكون بنظرة مفادها أن الإصلاحات هي إلى حد كبير شئ زائف — وأن البلاد لا تزال مهيأة للثورة، إن كانت إسلامية أم غير ذلك، بمجرد استيقاظ شعبها على هذا الواقع.

ولا يكون أي من هذين الرأيين القطبيين المعاكسين منصفاً للصورة المختلطة الفريدة في المغرب وللتوقعات المستقبلية. إن الإصلاحات حقيقية، على الرغم من كونها حتى الآن متواضعة للغاية. إن حركة المعارضة الإسلامية الرئيسية هي في الواقع غير مشاركة في السلطة، ولكن تعتمل تحت الأرض. ومع ذلك، لا يُظهر البلد أي علامة تؤدي إلى الغليان من جديد في أي وقت قريب. وباختصار، إن المغرب هي “نموذج أو مثال” أقل من كونها حالة خاصة. ويتطلب فهمها إلقاء نظرة أقرب إلى: أولاً، الدرجة المحدودة للإصلاحات، ثانياً، كيف أن المعارضة الإسلامية الرئيسية لا تزال غير متوائمة مع هذه الإصلاحات، وثالثاً، إلى أي درجة يرجح أن يتحلى عامة السكان بالصبر في مواجهة هذه التناقضات .

وفي البداية، إن «حزب العدالة والتنمية» “المعارض” إسمياً — الذي يترأس الآن الإئتلاف البرلماني الحاكم وكذلك مجلس الوزراء في المغرب–، يعترف بوضوح أن البلاط المالكي هو الذي يحتفظ بالسلطة العليا. وكما أخبرني أحد الوزراء خلال زيارتي الأخيرة، “نحن هنا ليس لغرض العمل ضد جلالة الملك.” وما زالت معظم سياسات البلاد والأنشطة الاقتصادية الرئيسية وشؤون الأمن الداخلي تعمل تحت العين الساهرة للمخزن (الديوان الملكي والعديد من مستشاريه الأقوياء والتابعين له).

وهناك حالة معبرة في هذا الصدد وهي السجل المتواضع لـ «حزب العدالة والتنمية» في مكافحة الفساد، وهو ما ركز عليه الحزب بصورة رئيسية في المظاهرات التي قام بها في وقت سابق ونجاحه الانتخابي لاحقاً. وقال لي أحد المتحدثين بصورة فخورة، بأن مجرد دخوله إلى الحكومة قام الحزب بنشر قائمة طويلة من أسماء الأشخاص الذين استفادوا من المحسوبية الرسمية في العديد من الأنواع المختلفة من الصفقات التجارية. ولكن عندما سألتُ عما إذا كانت قد تمت معاقبة أي من هؤلاء الأشخاص نتيجة هذا الفضح، أو حتى إن تم استبعادهم من عقود الحكومة الجديدة، فكان الجواب: “نحن نفضل ببساطة — بدلاً من ذلك — فتح صفحة جديدة.”

ثانياً، إن أجندة الحزب الإسلامية معتدلة جداً — وحتى هذه قد تم مراجعتها بين الحين والآخر من قبل المخزن. على سبيل المثال، في الوقت الذي وضع فيه «حزب العدالة والتنمية» إلى حد كبير مسؤولية الدعوة إلى الصلاة على وسائل البث الإعلامي المغربية المملوكة للدولة، رفض القصر طلبه تغيير لغة بث نشرة الأخبار الرئيسية من الفرنسية إلى العربية. وبالمثل، تمكن الحزب من الحد من إعلانات المقامرة في الإذاعة والتلفزيون، لكن دون أن يستطبع منعها.

وبالمثل، إن محاولات «حزب العدالة والتنمية» أسلمة المناهج التعليمية ما تزال معلقة؛ وبدلاً من ذلك، أوضح أحد كبار المسؤولين أن الحزب يركز الآن على الإصلاحات “الإدارية” مثل تحسين مستوى تدريب المعلمين وإعلاء الرواتب، وحظر العمل الإضافي من قبل موظفي المدارس الحكومية وزيادة المنح الدراسية للطلاب المحتاجين. وفي الزيارة الرسمية الأولى التي قام بها وزير السياحة من «حزب العدالة والتنمية» إلى مراكش، حمل بشدة على الانطباع الذي تركته باعتبارها “مدينة الخطيئة” — ولكن، في ضوء وجود معارضة حازمة من قبل أرباب السياحة وأولئك الذين يقفون وراءهم في المخزن، لم يفعل الوزير شيئاً حيال تغيير تلك الصورة . وقد أوضح لي ذلك وزير آخر من «حزب العدالة والتنمية» بصورة شخصية قائلاً، “ليس من وظيفتنا أسلمة المجتمع المغربي، لأنه بالفعل مسلم”.

لكن هناك في المغرب حركة إسلامية أخرى مع أجندة أكثر طموحاً، إلا أنها غير ممثلة في البرلمان، وحتى ليست قانونية بحتة على الإطلاق؛ ويكاد يكون من المؤكد أن لديها مئات الآلاف من الأتباع — أكثر بكثير من مؤيدي «حزب العدالة والتنمية» المعتدل، ألا وهي «جماعة العدل والإحسان» التي تأسست من قبل صاحب الشخصية المؤثرة الداعية الصوفي الشيخ عبد السلام ياسين في أواخر سبعينيات القرن الماضي. وقد قاد الشيخ ياسين الحركة حتى وفاته في كانون الأول/ديسمبر 2012. وقد شارك في جنازته ما يقرب من نصف مليون مغربي.

وعندما التقيت مع اثنين من قادة الحركة الجدد من الشباب لنقاش طويل باللغة العربية في مقهى هادئ في الرباط، اكتشفت بسرعة كيف أن الجماعة تختلف بشكل كبير عن «حزب العدالة والتنمية».

فقد أوضحا هذا القياديان أنه “عندما دخل «حزب العدالة والتنمية» الحكومة، أدى ذلك إلى اتخاذ القرار من جانبنا بالاستمرار وحدنا في المعارضة”.

“إذاً،” سألت، “هل ترفضون هذه الحكومة تماماً؟”

أجاب المتحدث الأقدم، “نحن لا نستخدم شعار ‘إسقاط النظام’. ولكننا نريد نظاماً جديداً تماماً، لا يوجد فيه للملك سلطة حقيقية على الإطلاق، إن كانت سياسية أو اقتصادية أو دينية. يمكنك تسمية ذلك ما تشاء.”

وجاء تفسير أوضح لبرنامجهم خلال تبادل الحديث حول الإسلام والديمقراطية.

“من حيث المبدأ”، قال زعيم «جماعة العدل والإحسان»، إن “الإسلام والديمقراطية متناقضان تماماً: فالأول يمنح السيادة إلى الله، والثاني إلى الشعب. ومع ذلك، فمن الناحية العملية، يمكننا تطبيق الإسلام تدريجياً، كما يفضل الناس”.

فسألت، “هل تعني تطبيق الشريعة؟”

فكان جوابه: “لماذا تنتابكم الهواجس إلى حد كبير مع أشياء مثل قطع يد السارق؟ ولماذا تهتمون كثيراً بصغار اللصوص، في الوقت الذي هناك عاهل المغرب، أو ملك المملكة العربية السعودية، اللذين هما أكبر اللصوص في بلادهما؟ “

سألت، “هل يعني ذلك أنكم ستقطعوا أيديهما؟”. لكنه لم يجيب على السؤال.

وفي حين أن إهانة الملك علانية لا تزال تعتبر من المحرمات، إلا أنه ليس هناك دليل على أن معظم المغاربة يدعمون مثل هذا البرنامج المتطرف. فالإصلاحات التي أدخلها الملك، بغض النطر عن مدى تواضعها، قد أعطت بعض المغاربة الأمل في التغيير التدريجي — وربما أكثر من ذلك لأولئك الـ 45٪ من الأميين من إعطائها الأمل لأوساط الشباب الأكثر تعليماً، الذين ما زالوا يعانون من معدل بطالة قدره 30٪. إن الاقتصاد برمته مستقر نسبياً بفضل خطوط الائتمان  التي منحها المجتمع الدولي كحالة طوارئ وكذلك منح خاصة من الملوك العرب الأشقاء في دول “مجلس التعاون الخليجي” الغنية بالنفط. إن “الربيع العربي”، الذي تحوّل الآن إلى اضطرابات في تونس أو ليبيا أومصر أو اليمن أو سوريا، ربما له تأثير عكسي على العديد من المغاربة اليوم. وبالنسبة لأفراد الأقلية الذين ربما ما يزالون يميلون إلى الاحتجاج على الأوضاع، لم تخفف الإصلاحات حتى الآن من القيود الانتقائية على حرية الصحافة، أو التجمع، أو القيود المفروضة على كامل المعارضة السياسية في البلاد.

ديفيد بولوك هو زميل كوفمان في معهد واشنطن حيث يركز على الديناميكيات السياسية لدول الشرق الأوسط.