متابعات

وزيرُ العَـدل، مِن الفِعـل إلى الانفعال والافتعال….

النقيب: عبد الرحيم الجامعي

اغضَبْ متى تَشاء وكيفما تشَاء يا سيادة الوزير، واجرَح أحَاسِيس المحامين نساء ورجالا وشَبابا كيفما شِئت ومتى شئت يا وزير، كَسر إن استطعت متاحف التاريخ وانزع عن المحاماة مَجدها وجَلالها ونياشين القداسة عن صَدرها والتيجان المرصعة من على رأسها، كن عَاصفا أو مُمطرا وكن ما شِئت، فسوف تَحتاج آنـا أو اسْتقبالا لحَنان قلب المُحاماة وعطف وقوة المُحامين، وستندم يوما وسَتَعُود للمحاماة ولو من باب الوفاء.
أخترتَ حَرب دَاحِسَ والغَبراء مثلا ليطول نزاعك مع المحامين، واخترت في كلامِك للإغَارة عليهم من بُحور الشعر، بَحْر « الحٌروب « وهو بحر الرجز، وهكذا أطلقت الغارات داخل حرمات بيوتهم وفي مواقع منتدياتهم وفي أكبر ملتقياتهم داخل جمعيتهم في مؤتمرهم، ونسيت أن عُتاة القَوم من ذوي السلطة والتسلط لم يتمكنوا من إسْقاط قاماتهم أو النيل من تاريخهم أو جرح سمعتهم أو نزع بذلتهم والحَمْلقة إليهم.
يا وزير، كنت أنتظر أن تناقش مع الرأي العام الأزمة العميقة في قطاع العدالة والقضاء وأنت تَعرفها عن قرْب، من خلال القلق المنتشر لدى القضاة والموظفين والموثقين والعدول والكتاب ثم المحامين، ومن خلال قلق المانحين الممولين من الغرب ومن مؤسسات المال والقروض، ومن خلال قلق المستثمرين المغاربة والأجانب، من الخليج إلى البحر ومن شمال الصحراء وجنوبها، وأن تخبر الرأي العام عن هذا العطب العام ومتى سيزول، وحتى لا يكون المسيح بالمغرب هو وزير العدل ويكون موسولوني هم المحامون والقضاة ومن معهم لابد من إبادتهم، حتى ولو أحرقت نار انفعال الوزير طريق المصالحة وباب الهُدنة.
يا وزير، كنت أنتظر وأنت في حوارك التلفزي، وبين يديك وقت الشاشة دون ثمن، ووقت المشاهد الذي أهداك جوارحه وسَمْعه بَصَره بدون ثمن، أنك ستعفينا من سماع التظلم من جديد من المحامين ومن جمعية المحامين ومن المسؤولين عن المحامين، وتعفينا من قذائف الانفعال المتواصل لديك منذ شهور، لتعطينا مقابل ذلك، لتُعطي لنفسك الفرصَة، فرصة راحة فكرية بيولوجية حتى تستطيع تغيير لغة الخشب، ولتسترجع الأنفاس للقول للرأي العام ما لم يسبق لك قوله حول عمل الهيئة العليا للإصلاح وحول أعضاء الهيئة، ولشرح ما لم يسبق لك شَرحه من ملف الإصلاح، ولكشف ما لا يزال سِرا من كَواليس مَسار سَنَة من عمل هيئة الإصلاح، وللإعلان عن أسباب سكوت الهيئة والميثاق عن الحديث في قضايا أساسية ليعرفها الجميع بشفافية، ولتكون كوزير ممتلكا للجُرأة لنقد الذات والتعبير عن الندم عن بعض من السلوك والمواقف التي عبرت عنها أو مارسْتهَا أو سكَت عنها، أو تجَاوزت عنها، أو خَططت لها، أو بَيّــتَ لها، أو هيأت لها أثناء اشتغال الهيئة….فأنت تعلم أنك تعرف منها الكثير…..
كنت أنتظر كملايين المشاهدين أنك ستدعو القضاة والمُحامين والموظفين وكل المُهتمين من مجال القانون والعدالة وبكل إلحَاح إلى إطلاق مسلسل « إصْلاح الإصْلاح « أي إلى فتح بَوابات النقاش والاجْتهاد لتدارُكِ ما أغْفله الميثاق أو تنقيح الزائد والفاسد في الميثاق، أو إضافة ما غفل عنه الميثاق، وكنت أنتظر أنك ستعلن عن آلية المتابعة حتى يستمر الحوار وحتى يستمد قوته ومصداقيته من رأي عام واسع ومتنوع، وأن تحتاط قبل ان تأخذ لنفسك ولوزارتك حقوقا ليس لك حق فيها كلها بالمطلق، انطلاقا من رئاستك للهيئة إلى بسط ذراعك على ملفاتها ووثائقها وتسجيلاتها وطي مذكراتها و صفحاتها بالأرشيف دون قراءة الكثير منها….
أيها الوزير، أنت تدري دون شك، أن آخر ما لحنه بتهوفن وآخر ما أبدعه قبل مماته هو السمفونية التاسعة، فاختار بذلك هذا العبقري أن يترك ما يتذكره به التاريخ، وأتساءل ما سبب اختيارك آخر هذه السنة، مقاما لك لا يليق بك وبماضيك ولا أتمنى أن يُكتَبَ في صحيفة مستقبلك، فقد قرأت من خلال أبْعَاد تصريحاتك أمام الشاشة، أنك أنت الوحيد الذي على حق وأنه مسموح لك استهداف من لا يتفق معك بالضرب من الخلف ومن الأمام و من تحت الحزام دون الخوف من الهزيمة أو كما يقول الشاعر الكبير محمود درويش في قصيدته،» عندما لا نجد من يهزمنا نهزم أنفسنا بأيدينا «، مع العلم أنك أذكى وأرقى من هذا المستوى، ومن هنا لا أدري هل أن انسِدادَ أفق علاقاتك بالمحامين وبالقضاة وبغيرهما، سيكون مما سيخلده التاريخ لك بوزارة العدل والحريات؟ لكنني على يقين أنه سيكون ذا أثر كارثي على سياسة المغرب كله في مجال القضاء، وعلى وضع العدالة به، وهذه وتلك تحتاج اليوم أكثر مما سبق إلى جبهة قوية صلبة بين كل الفاعلين القانونيين وتحتاج إلى حَكَامَة جِدية تستطيع بناء موقع العدالة على قواعد الدستور الجديد كما ينتظره الجميع، وقد كان من المفروض ومن الضروري أن تَقود أنت هذه الجَبهة كوزير، وأن تستفيد من لحَظات التاريخ المُناسب، دون صِراع مُدمر مع الشركاء، ودون حسابات قصيرة حكومية أو حِزبية تفكك مُحيطك، ودون نظرَة ضيقة أو ذاتية، فالذاتية ما هي إلا كرة منفوخة لو ثقبت لا تخرج منها إلا العواصف كما يقول فولتيــر.
أيها الوزير،
أنت تَعرف أنني لا أعشق المُحاباة، وأنني لم أتَردد يوما في إبداء الرأي بالواضِح الظاهر للجميع، سواء بالمؤاخذة واللوم لما أرى المحامين أو جمعية المحامين أو غيرهما يرتكبون في اعتقادي ما هو خطأ، أو يقفون أحيانا على عتبة الهفوات، وما زلت أعتقد باليقين أن مَكان المحامين هو مَقعد الحِوار من أجل تضييق الخِناق على الفسَاد والمفسدين، وما زلت مُقتنعا كذلك إلى اليوم أنه مَهما بلغت الخِلافات بينك وبين القضاة والمحامين والموظفين واختلفت أسبابها، يبقى غير مسْموح لك أخلاقيا وسياسيا اللجوء لردود الأفعال بالانفعال وبالغضب، أو اللجوء لإطلاق رصاصة الرحمة لإعدام تاريخ من العَلاقات، وقلت لك سابقا ومازلت أرددها: إنك على غير صواب، وعليك أن تقف عند هذا الحد، وإلا ستكون قد اخترت العناد بكل إصرار، وسيصدُق عليك المثل الصيني:
Tu ne peux pas faire la meme erreur deux fois, car la deuxieme fois, ce n’est pas une erreur; c’est un choix.

 

..عن جريدة الاتحاد الاشتراكي..11/12/2013