الاصلاح الديني والمجتمعي

مصطفى المتوكل / تارودانت

 

قال أمير المؤمنين  سيدنا علي رضي الله عنه : «من كمال السعادة السعي في إصلاح الجمهور»

 من القضايا التي لن يختلف فيها كل من اطلع على تاريخ البشرية ان التطور لم يتوقف قط وان الاصلاح والتغيير متلازم معه ..فكما تطورت تكامليا الرسالات السماوية بالانبياء والرسل الذين يعدون بالالاف وصولا الى الاسلام فكذلك تطورت المجتمعات في سلوكها ومظاهرها وعاداتها وانماط عيشها وثقافاتها ومعارفها فظهرت العلوم والانظمة والقوانين اما بتزامن مع مجتمعات الرسائل السماوية او بمعزل عنها في المناطق التي لم يسجل التاريخ ظهور الانبياء والمرسلين بها او ان رسالاتهم وصلت اليهم لاحقا …الا ان تلاقح الشعوب وتواصلها وتعارفها بالحروب او بالتحالفات او المعاهدات او تبادل المصالح والمنافع جعل الحضارات في شقها الروحي الديني والمادي تتلاقى اختلافا او اتفاقا او صراعا او احتراما متبادلا ..
فمن السنن في الخلق والحياة التطور والتغير في اتجاه الافضل للبشرية او في اتجاه التعارض مع مصالحها وحاجاتها المتجددة ..ولهذا فليس من العقيدة في شيئ ربط الدين بالجمود والتحجر والتقليد والاتجاه الى رفض ما ننتجه ونبنيه بالعقل الذي كرمنا الله به ليس بمعرفة اننا عاقلون بل باعماله في التعرف على العلوم الظاهرة التي توصلنا اليها بفضل تجاهل بعض الاراء والاحكام الباطلة التي حرمت ومنعت في ازمنة قبل الاسلام وبعده العديد من العلوم الفكرية والتجريبية والتقنية كتكفير من يقول بكروية الارض او من يقول بان الارض مركز المجموعة الشمسية او من يكفر علماء الفيزياء والكيمياء او من ينفي ويكذب صعود الانسان الى القمر …الخ   ان تلك العلوم وغيرها والتي كانت موضع محاربة  هي التي اسست ودعمت حركات الاصلاح والنهضة والتقدم والتطور في جميع مجالات الحياة .. ولنا ان نتذكر الجهاد  الفكري للرسول صلى الله عليه وسلم  في مواجهة واد البنات والحد من الفوارق الطبقية والدعوة الى القضاء على الاستعباد والتاكيد على المساواة بين الناس  و.. الخ ..مما اعتبر خروجا عن المالوف ومعاكسة غير مقبولة واثارة للفتن وقلب للقوانين المعتمدة والملزمة للمجتمع …

ان من يتصور ان الاصلاح  ينتهى بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وان باب الاجتهاد اغلق فقد خالف روح المنهج الذي جاء به الاسلام في التعامل مع الواقع حاضره ومستقبله وسنجد ان العلماء العاملين والحكام المتنورين قد قاموا بادوار مهمة وقوية استطاعت بها امة سيدنا محمد ان تتكامل وتتفاعل ايجابا مع الشعوب التي التحقت بالاسلام او انفتحت عليه باسيا وافريقيا ومناطق من اوروبا.. والقيام بجرد للحركات العلمية والاصلاحية والثورية من فترة الخلفاء الراشدين مرورا بانظمة الحكم التي حكمت كل مناطق المسلمين ستوضح اننا عشنا ازمنة نهضة اصبحنا فيها نقود فضاء الابداع والعلم والمعرفة واحيانا كانت لدينا السيادة على امم اخرى بفضل ذلك…

فلماذا يتم التاكيد على مسالة  الإصلاح الديني من طرف العلماء المجددين ؟ …. لأننا بحاجة إليه ولانه ضرورة شرعية … فالمسألة لا ترتبط بمشروعية الحديث عنه من عدمها ، ولكن ترتبط بمعالم الإصلاح المطلوب واتجاهاته وأسسه وافاقه من اجل  استرجاع  الحيوية والفاعلية والعطاء للعقل المسلم …. وفتح باب الاجتهاد والابداع  والتجديد، ..دون  التناقض والتعارض  بين متطلبات  العصر و دينامية العقل وفضاءات التحرّر.. للولوج إلى العصر والملاءمة مع متطلباته و دون الاخلال   بإلايمان اليقيني وروح الدين الاسلامي واركانه ..وهذا يتطلب امتلاك عقل  ورؤية نقدية تقويمية تميز ايجابا  مابين جوهر الايمان والعقيدة وبين المعطيات والوقائع  الحديثة والمتجددة المتجلية في مكونات الحضارة المشتركة للجنس البشري علميا واقتصاديا ومعرفيا وثقافيا واجتماعيا…فالدعوة للاصلاح تعني السمو بالفهم والتفسير والتاويل والمعرفة عندنا بالاستفادة من الدينامية القوية والدقيقة للتطورات التي وضع الله قوانينها والياتها وضوابطها في الوجود والموجودات حيث امرنا سبحانه بان نتعلم ونبحث ونستكشف ونتعرف على بديع صنعته وعلى بحار علومه في ارضنا والسماوات والكون  يقول تعالى ﴿ يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان ﴾
..لهذا سنجد  حصول تغيرات في فهم العديد من النصوص الشرعية بسبب تطور اليات المعرفة والمعرفة ذاتها ..

و قال الرسول صلى الله عليه وسلم في مسالة التجديد : “إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها”.

وقال الرسول صلى الله عليه وسلم ((من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً ، سهّل الله له به طريقاً إلى الجنّة) مسلم
لهذا فطريق الاصلاح والتغيير لابد فيه  من الاعتماد  على قاعدة الجمع بين العقل والتحليل والفهم الملموس  والوحي والسنة…ليقوم  كل منها بوظيفته في ابراز وانتاج  المعرفة الصحيحة  في شقها المادي الوضعي في علاقة تكاملية  مع الإسلام الذي جاء لاعادة البناء في لحظة الوحي ومابعدها من ازمنة وعصور وحضارات متجددة ومتنوعة ومتطورة الى ان تقوم الساعة .. ذلك لان الاسلام هو الدين الخاتم الذي جاء للناس كافة اينما تواجدوا بخصوصياتهم الثقافية والاجتماعية والانسانية والحضارية …فالاسلام جاء ليتمم ويصحح ويتمم الرسالات …كما جاء لاخراج الناس من الظلمات الى النور .. والاتمام والاخراج الثوري لايكون بالجمود والتقليد والتحجر ..

……ان الشريعة الإسلامية والتي تتصف  في جوهرها بالمرونة والوسطية  تتجاوب دائماً‏ مع مصالح الناس في كل زمان ومكان, وستظل دائماً متجددة ومواكبة لكل تقدم حضاري مادام هناك مجددون يدركون أهمية الاجتهاد… لهذا وضع الفقهاء جملة من القواعد الشرعية منها ” اينما تحققت المصلحة فثم شرع الله”و” المشقة تجلب التيسير”و”الامر اذا ضاق اتسع”و”لاضرر ولاضرار”و”الامور بمقاصدها”و”اعمال الكلام اولى من اهماله “و”المفضول قد يصبح فاضلا لمصلحة راجحة “…

ان الاصلاح لايعني الغاء النصوص المقدسة  .. بل يعني تطوير الفهم والملاءمة والوعي بالدلالات في افاقها ومقاصدها واصلاح مستويات الادراك  والاستيعاب و اصلاح المنظومة الفكرية للمجتمع ….والدولة …والهيئات

..ان مكانة العمل  في الإسلام  وأمره  به فى شتى مجالات الحياة  المادية والفكرية مسالة جوهرية ، يقول تعالى : (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون) التوبة: 105.والعمل بالعلم هو طريق الاصلاح والتقدم والتطور الذي يحقق للناس السعادة في الحياتين معا ..

قال تعالى (( ان اريد الا الاصلاح ما استطعت وما توفيقي الا بالله )) هود 88

ونختم بقولة لأمير المؤمنين  سيدنا علي رضي الله عنه : «عجبت لمن يتصدى لإصلاح الناس ونفسه أشد شيء فسادا فلا يصلحها، ويتعاطى إصلاح غيره