حديث الجمعة

تجديد الخطاب الديني

 

 

 

لقد أخذت قضية تجديد الخطاب الديني في عصرنا الحديث مساحات واسعة من التنظير الذي وصل إلي حد الجدل أحيانا‏,‏ وحملت مفاهيم سلبية أحيانا أخري‏.‏

ففي حين ينظر بعض العلماء والمفكرين والمثقفين إلي التجديد علي أنه ضرورة كل عصر, وأن الفتوي قد تتغير بتغير الزمان أو المكان أو حال المستفتي, وأن الإمام الشافعي( رحمه الله) له في الفقه مذهبان: القديم الذي كان يفتي به في العراق, والجديد الذي أفتي به بعد ذلك في مصر نظرا لتغير الحال والمكان وأحوال المستفتيين, ولم ينكر عليه أحد من أهل العلم ذلك, بل عدوه من مناقبه وأمارات فقهه وحكمته.
وعلي الجانب الآخر ينظر بعض قصار النظر إلي مصطلح التجديد علي أنه تفريط في الثوابت, وممالأة للسلطة, وسير في ركابها, أو لون من ألوان البحث عن الشهرة, ولا ننكر أن بعض ذلك قد يكون, وأن هناك من ينحرف عن الجادة باسم مسار التجديد, غير أن ذلك لا يمكن أن يكون عائقا لمسيرة التجديد الصحيحة الواعية المنضبطة.
علي أن قضية الصراع بين القديم والحديث, أو الأصالة والمعاصرة شغلت الباحثين والدارسين في كثير من مجالات العلم, وليس في مجال الدراسات الدينية والشرعية فحسب, والناس في ذلك ثلاثة أصناف:
أ-فريق متعصب للقديم لمجرد القدم, لا يكاد يعترف بأي فضل لمحدث أو معاصر, وهؤلاء نقول لهم: إن الله عز وجل لم يخص بالعلم ولا بالفقه ولا بالشعر ولا البلاغة قوما دون قوم أو زمانا دون زمان, وأن باب الاجتهاد في العلم والإبداع في الأدب والشعر لم ولن يغلق إلي أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ب- الفريق الثاني: هو فريق ناقم علي القديم, متنكر له, لا يكاد يؤمن بأي قديم, بل يدعو إلي القطيعة معه, وهؤلاء نؤكد لهم أن الأمم الراقية هي الذي تأخذ من ماضيها ما تبني عليه حاضرها, وتنطلق به في مستقبلها, وأن الحضارة والفكر أمر تراكمي, وأن تاريخ الأمم يقاس بعمق حضارتها وعبق تاريخها, وإلا فما سر فخرنا بأننا أبناء حضارة تزيد علي سبعة آلاف عام؟! وإذا كان الأمر كذلك في شأن الحضارة والفكر, فما بالكم بثوابت الأديان وركائزها وأسسها التي لا يمكن التفريط فيها أو التنازل عنها, علي أن يكون المرجع في تحديد هذه الثوابت هم أهل العلم والاختصاص من العلماء المتخصصين, لا من أدعياء العلم وأشباه المثقفين, مع التأكيد أن العالم يتحول من مجرد الرؤي الشخصية إلي الرؤي المؤسسية, وهنا ينبغي أن يترك تحديد الثوابت والمتغيرات إلي الجهات المختصة في الأزهر الشريف كهيئة كبار العلماء ومجمع البحوث ودار الإفتاء المصرية.
ج- الفريق الثالث: يتعامل مع الأمور بعقل وفكر وموضوعية, فهو لا يتنكر للقديم لمجرد قدمه, ولا يدعو إلي الحديث لمجرد حداثته, إنما يأخذ من هذا وذاك ما تتحقق به مصلحة الفرد والمجتمع والوطن دون إفراط أو تفريط أو غلو أو تقصير. وقد حاولنا في وزارة الأوقاف أن نتجاوز مشكلات وجدليات التقعيد والتنظير إلي الانتقال بهدوء وموضوعية مدروسة ومنضبطة نحو التطبيق العملي لتجديد الخطاب الديني, الذي ينطلق في إطار عدة محاور, أكتفي في هذا المقال بمحور واحد منها, هو محور اختيار الموضوعات, وتحديد الرؤية الكلية والرسالة العامة التي تعمد الوزارة إلي توصيلها, فقد أعلنا منذ اللحظة الأولي أننا وزارة دعوية شرعية وطنية, تعني بكل ما يخدم الفرد والمجتمع والوطن في إطار الحفاظ علي الثوابت الشرعية, فنعمل علي تصحيح العقيدة والعبادة, وترسيخ القيم والأخلاق وأسس التعايش السلمي المشترك, والعيش بأمان لجميع أبناء المجتمع, مع كل ما يدفع عجلة العمل والإنتاج إلي الأمام, ويؤدي إلي أمن الوطن واستقراره, ويحقق نهضته ورقيه وتقدمه. فمن الموضوعات التي تناولناها حتي الآن أو عرضناها للتناول:
– خطورة التكفير والفتوي بدون علم علي الفرد والمجتمع.
– دور الزكاة في سد الحاجات الأساسية للمجتمع.
– حرمة التلاعب بأقوات الناس وحاجاتهم الأساسية.
– أثر التخطيط في حياة الفرد والمجتمع.
– الإيجابية وانعكاساتها علي حياة الفرد وتحقيق المصلحة العليا للوطن.
– دور المرأة في المشاركة الوطنية.
وقد أكد هذا التناول أن قضية الدعوة لا يمكن أن تكون مجرد هواية, إنما هي علم وتخصص, وتأكد لدي من كانوا يظنون أنهم قادرون علي اقتحام ميدانها لسهولتها في نظرهم أن الأمر أبعد مما كانوا يظنون.
وللحديث بقية إن شاء الله تعالي

……………..

عن صحيفة الاهرام

الخميس 12 دجنبر 2013