الجذور التاريخية لعلاقة الدين بالسياسة في الإسلام

بقلم ..محمد فاوزي

يسر الحراك العربي وصول الإسلاميين في بعض البلاد العربية إلى السلطة، ويمكن لهذا الوصول أن يجدد السؤال عن علاقة الدين بالسياسة، وأن يقوي على نحو ما النظرة إلى صورة الإسلام كدين هو الأكثر تسيسا من بين سائر الأديان الأخرى، صورة تدعو بدورها إلى مراجعة اصطلاح ” الإسلام السياسي” وهو اصطلاح غير دقيق، نعتت به الجماعات والتنظيمات ثم بعد ذلك الأحزاب ذات المرجعية الدينية والتي قادها الطموح الى الحكم الى ما يمكن اعتباره اخراجا للدين من معنى العقيدة إلى معنى الإيديولوجية ؛ تحويل لا يلغي كون مرحلة العقيدة لم ترسم فيها حدود واضحة بين ما هو سياسي وما هو روحي، حتى إن الفاعلية السياسية هي ما طبع ملامح المرحلة الأولى من تاريخ الإسلام متمثلة في قضيتين كبيرتين هما : إرساء معالم الدولة ثم بعدها مباشرة الصراع على الحكم طيلة عهد الخلافة والدولة الأموية .
انحصر البحث في ما دعي “الإسلام السياسي” في الظروف التي أنتجته في القرن العشرين ؛ ظروف الاستعمار والاستبداد والأوضاع الإجتماعية. ولكن مزيدا من البحث مطلوب عندما يتعلق الأمر بالخلفيات الممتدة في ماهو تاريخي ومعرفي، مع النظر إلى هذه الخلفيات وفق ما يكشف عن الوقائع والأحداث لا في معناها الثاريخي فقط بل وفي دلالاتها وقيمها الرمزية كذلك.
الحاكم في الإسلام هو خليفة النبي، وأحيانا خليفة الله، وهو أمير المؤمنين عند البعض، وعند آخرين هو الإمام. إن المسوغ الذي جمع الروحي والدنيوي هنا يفسره التاريخ المبكر للدولة العربية حيث اضطلع النبي باعتبار شخصيته الروحية بمهمة إيجاد هذه الدولة، وذلك في سياق تطور تاريخي بدأت إرهاصاته قبيل الإسلام في شكل كياني الغساسنة والمناذرة الشبيهين بالدولة، وفي تنامي ظاهرة الأحلاف بين القبائل، وفي شكل رغبة في بعث دين الحنيفية التي تؤمن بالتوحيد. كانت إنجازات الرسول وصولا بهذه الرغبات الجمعية إلى أوجها، اتخذ فيه القطاع الروحي العقدي (الدعوة) شكلا من التعبئة الضرورية للمجتمع، الذي فرضت عليه الطبيعة القاسية حياة متسمة بالعداء والعنف.
ونحن واجدون في شعار الإسلام الأول ( لاإله إلا الله . محمد رسول الله) شقين يعكسان ثنائية الروحي والدنيوي، الأول في ذات الله والثاني في شخص محمد باعتباره بشرا ، ولا شك أن التركيز على مبدأ التوحيد ومحوريته في العقيدة خاصية إسلامية ينفرد بها ولا يفسرها سوى غياب هدا التوحيد إجتماعيا وسياسيا في ظل حياة الصراع القبلي، وما ثنائية الإسلام ” دين ودنيا” كما هي متداولة في الأدبيات الأصولية اليوم إلا استنساخ لشقي هذا الشعار الأول في الإسلام.
إذا فدراسة ظهور الإسلام تقتضي تسطير الحدود بين ماهو ديني روحي، وما هو سياسي دنيوي ضمن المستويات الذهنية الدالة ايضا. وايهما كان يستجيب لتطلعات المجتمع العربي آنذاك، مع الأخذ في الحسبان أن الإسلام ظهر في مناخ كانت الجزيرة العربية فيه تعرف تعايشا دينيا قلما عرفه التاريخ البشري . ثم إن استيعابا دقيقا للاندماج البنيوي بين الديني والسياسي في الإسلام عند ظهوره في القرن السابع الميلادي يكشف عن الصعوبة التي قد يواجهها كل تطلع الى فصل الدين عن الدولة اليوم، فالدين والدولة شيئان غير منفصلين ويتميزان في الإسلام بولادة واحدة. وأخدا شكلهما المتلاحم والنهائي مع هذه الولادة.
قد تفيد المقارنة اذا عرفنا أن اليهودية تقدم شكلا من تداخل السياسي والديني في تاريخها القديم، فصفة النبي التي كانت لداوود وابنه سليمان لم تحل دون أن يكونا ملكين لبني إسرائيل ورغم ما يعرف عن تشبث المزاج اليهوي بالعوائد والطقوس. فإن هذه الفترة السياسية من تاريخهم لم تقم حائلا دون علمانية الدولة الإسرائيلية حديثا لأسباب منها :
ان قرونا من الشتات افقدت المؤسسة الدينية اليهودية حاستها السياسية كما ان مشروع دولة لليهود نشا في الغرب حيث مهد الثقافة السياسية التي حسمت امرها في شان العلاقة بين الدين والدولة فضلا عن ان الدين وحده لم يكن بمقدوره إتاحة تأسيس دولة قوية غير مرغوب فيها ضمن محيطها.
ومع ذلك فان بقية من التاريخ السياسي لليهودية باتت كفيلة بجعل المؤسسة الدينية في إسرائيل مزعجة للعلمانية، فهناك الفتوى السياسية للحاخامات، وهناك أحزاب دينية تبتز السياسيين وترجح الكفة في الصراعات السياسية الداخلية. ويكشف الشرط الاسرائيلي بالاعتراف بإسرائيل دولة يهودية عن هجنة غريبة في سلوك دولة مصنفة تقليديا كدولة علمانية. ومع ذلك فان الدين لا يدخل السياسة إلا عبر تعاليم متناثرة ليس في اليهودية ما يوازي فقه السياسة المفصل والمبوب عند المسلمين، والمكتبة السياسية المفردة للتفصيل في نظم الحكم سواء عند الشيعة أو السنة ضخمة ؛ من الأحكام السلطانية للماوردي إلى كتاب الإسلام والدولة للقرضاوي.
وتقدم المسيحية معتقدا اقل تسيسا حتى من اليهودية، يمكننا تلمس اسباب ذلك في كون المسيحية جاءت لا لتنشئ دولة او لتخلص شعبا من العبودية، فهي نشأت والدولة الرومانية في أوج قوتها، فلم يكن هناك من مسوغ تاريخي لتتلون السياسة باللاهوت، ولم يعتنق الامبراطور الروماني المسيحية إلا في القرن الرابع الميلادي.
وقد يعترض على عدم تسيس المسيحية بالحروب الصليبية، والحال ان الأمر تعلق آنذاك بهيمنة للكنيسة على أباطرة أوربا هيمنة تتخذ ملامح العلاقة الخارجية، هي اقرب الى التحالف منها إلى العلاقة البنيوية، يسرها تنامي ظاهرة تصوف الملوك امام الصراعات الداخلية بين الممالك.
واضح أن كون الإسلام هو الأكثر تسيسا، يرتد إلى السياق التاريخي الذي احتاج فيه العرب الى دولة توحدهم أسوة بالساسانيين شرقا والروم البيزنطيين شمالا والاحباش غربا. وقد تنبه ابن خلدون الى تفرد الاسلام بالسياسة وان كان قصر أسباب هذا التفرد بالجهاد، يقول : (و الملة الإسلامية كان الجهاد فيها مشروعا لعموم الدعوة وحمل الكافة على دين الإسلام طوعا او كرها، و أما ما سوى الملة الإسلامية فلم تكن دعوتهم عامة ولا الجهاد عندهم مشروعا إلا في المدافعة فقط، فصار القائم بأمر الدين فيها لا يعنيه شيء من سياسة الملك).
اختزل ابن خلدون تسيس الإسلام في ظاهرة الجهاد، والحال أن الجهاد جزء من السياسة، وملامحه في الاسلام دينية من حيث هو فرض في تلك المرحلة، وسياسي من حيث ان الدولة الناشئة لم تكن الجغرافيا تتيح لها انشاءها فكان لا بد لها من مجال توسع حيوي.
إن تسمية ( الإسلام السياسي) المستحدثة غير سليمة مادام الإسلام ولد مسيسا، ولادة كرست المبدأ لدى المؤسسة الدينية على مدى تاريخها بان السياسة ملك لها وحدها.
وما الصورة الذهبية للمرحلة المبكرة للتاريخ الاسلامي كما هي مرسومة في عقول المسلمين اليوم إلا استحضار رمزي لحقبة القوة السياسية الناشئة والمتحمسة، واحتفال رمزي بميلاد مجتمع جديد ودولة، أكثر منها تمثلات روحية طقوسية للمرحلة. انه شكل من استمداد القوة من زمن القوة، مرحلة ولدت النظرة الرومانسية التي غدت ملامحها الفروسية إستعارية في المتخيل.
إن القوى الاسلامية الأصولية في القرن العشرين، انخرطت في صراع ذي شكل جديد، صراع مع قوى ايديولوجية منافسة خارجة عن المؤسسة الدينية : الاستعمار، القومية، الشيوعية، الليبرالية………. من هنا نجد تفسيرا لنعث القوى الإسلامية ب ( الإسلام السياسي)، حيث إن الذي أطلق هذه التسمية استبطن فهما يفصل الدين عن السياسة، وأن الإسلام لم يكن مسيسا.
إن فصل الدين عن السياسة في العالم العربي الإسلامي ليس ممكنا بالصورة المثالية التي نتمثلها اليوم على الأقل الآن، لان المؤسسة الدينية التي تهيمن على عقل المجتمعات تستند في وصايتها عليه على قاعدة نظرية، التلاحم فيها بين السياسي والديني شديد التعقيد، والدين والسياسة في الإسلام لا يلتقيان بالعرض، بل هما شيء واحد تاريخا وشرعا وفصلهما في المجتمعات الغربية يسره نسبيا شكل المسيحية غير المسيس في نشأتها، من هنا نفهم كيف ان شكلا من فصل الدين عن الدولة في بعض البلاد العربية خلال النصف الثاني من القرن العشرين، لم يكتب له الاستمرار لان ثقافة النخب السياسية التي اضطلعت بذلك ليست من جنس ثقافة المجتمع الذي تهيمن عليها الملامح الواضحة والرمزية للدين، ولان النخب السياسية تلك اسست لهذا الفصل على نحو قسري لم تسوغه حركة التاريخ وتطور المعرفة كما في الغرب حيث كان الفصل بين الدين والدولة سليل فلسفات وأفكار عرفتهما أوربا. إضافة إلى مخزون ديني غير مسيس أصلا .
عرف القرن العشرون أشكالا من الدولة الدينية في البلاد العربية الإسلامية. الدولة المذهبية في اليمن والسعودية والدولة الطائفية في إيران والدولة الحزبية في السودان .وتشهد اليوم وصول الإسلاميين إلى السلطة بواسطة انتخابات أعقبت الحراك الشعبي وليس نتيجة الديمقراطية. وكل مضي محتمل نحو مزيد من الحريات الديمقراطية في المستقبل المنظور، سيقود القوى الإسلامية إلى مأزق. هذا إذا فهمنا أن الديمقراطية ليست مجرد انتخابات غير مزورة. بقدر ما هي قيم اجتماعية وثقافية ومعرفية وسلوكية. وما السياسة سوى صيغة ما لهذا المجموع .
وحيث إن الخط التصاعدي للتطور ليس مستقيما. بل يتقدم متخذا شكل أفعال تليها ردود أفعال، وتقدم يعقبه ارتداد نسبي. فان التاريخ العربي شهد أشكالا من الرغبة غير الواعية عند أصحابها في فصل الدين عن السياسة. أشكال تبدو أحيانا متناقضة.نجد ذالك في الدولة الأموية التي طالما نعتت في الأدبيات التاريخية المعاصرة بأحكام قيمة غير ايجابية. فالملامح العامة لسلوك الأمويين في الحكم تدل على اتجاه مبكر وغير معقلن للانتقال بالسياسة من مرحلة الدولة الثيوقراطية إلى مرحلة الدولة السياسية. وهو ما كان إشعارا بانتهاء الدور التعبوي للدين بعد الفراغ من تشييد لبنات الدولة والمجتمع الجديدين. ولم يكن هدم الكعبة على رؤوس المتمردين الذين لاذوا بها سوى سلوك يرمز إلى حلول براغماتية تقتضيها السياسة بدل مؤطر روحي اقتضى في وقت سابق أن من دخل البيت فهو امن .ولم يكن الأمويون يريدون للدين أن يكون من السياسة إلا في حدود المسوغ الرمزي .
وفي اتجاه مغاير، على المستوى المعرفي تحديدا.قد نجد في سلوك مذاهب التصوف في التاريخ الإسلامي شكلا آخر من الرغبة في فصل الدين عن السياسة.فالزهد في الدنيا ومجانبة السلطان ورفض تولي مسؤولية القضاء كسلوك أثر عند الكثيرين ؛ كلها تدل علامات السلوك فيها إلى تبرم عاطفي من رموز الدولة باعتبارها منتوجا سياسيا مستمدا من تأويلات خاصة لنصوص الدين .تأويلات أنتجت باختلافاتها صراعات دموية. إن الاستياء والرفض عندما يتخذان شكلا مثقفا في أعقاب الحروب كفيلان بإنتاج حركات ومذاهب وفلسفات، يشهد بهذا القرن العشرون بعد الحربين العالميتين في عموم العالم الغربي. فالتصوف لم يكن سوى ثورة غير عنيفة في الإسلام. وكأنما فهم الإسلام الرسمي خلفياتها. فقد جلب المتصوفة عبر التاريخ الإسلامي على أنفسهم النقمة من المؤسسة الرسمية للإسلام ممثلة في الحكام والفقهاء. يقودنا هذا إلى أن ما قام به المتصوفة يتقاطع مع ما قام به الأمويون رغم اختلافهما من حيث الجنس والهوية. وكل منهما اتخذ مسلكا مختلفا لتحقيق غاية واحدة جمعت بين شيئين: أنها كانت واحدة لان مقتضياتها في تلك المرحلة من التاريخ كانت واحدة كذلك، وأنها كانت غير واعية وغامضة في الفكر والسلوك.مع الأخذ في الحسبان أن اتجاه التصوف كان الناي بالدين عن السياسة بينما كان منحى الفكرة عند الأمويين متجها إلى الابتعاد بالسياسة عن الدين. تبقى غاية المسلكين واحدة شكليا مع تناقض في هوية صاحب الغاية وتناقض في وسائله . واشتغاله في تحقيقها داخل المنظومة الدينية نفسها.

استاذ بكلية الاداب – الجديدة

عن جريدة الاتحاد الاشتراكي… 12/16/2013