ماذا تغير في «العدل والإحسان»؟

صلاح الدين عابر


قرأت عدة تصريحات صرح بها قياديا مجلس الإرشاد في جماعة العدل و الإحسان، كنت أتمنى أن تكون تصريحات قياديي التنظيم معقولة ولها من الواقع نصيب وفير وخاصةًً بعد المستجدات التي حصلت في المنطقة وبالأخص النموذج المصري، لكن يبدو أن قياديي الجماعة أو العشيرة ينهجون فكر الجهاد من خلال الأفكار التي يتشبعون بها دفاعا عن مشروعهم كيفما كانت نوعيته، يعني أنهم يجاهدون بمبادئهم التي في اعتقادهم أنها لا تناقش ولا تحلل وغير قابلة للتطور أو التغير.
في حوار أجراه الموقع الإلكتروني “هسبريس” مع كل من القياديين “إحرشان” و “أمكاسو” ، يقول “إحرشان” حينما سئل عن تصور الجماعة للوضع السياسي، يقول إن الجماعة لن تشارك يوما في حقل السياسي وستظل منبع معارضة من بعيد للنظام المخزني، ويضيف أن أي تغيير مهما كانت نوعيته سيأتي به المخزن سيكون مرفوضا وأن عمل الجماعة اليوم هو تكريس للدعوة التي تنتجها ” العشيرة” و النهوض بأفرادها.
ثم في حوار آخر للقيادي “أمكاسو” يقول إن عبد سلام ياسين كان شخص مربيا وربانيا، مضيفا أن الجماعة هي الخلاص الفردي والجماعي. كل هذه التصريحات من قياديي التنظيم تؤكد على أن العشيرة لم ولن تتغير أبداً، ضاربة بعرض الحائط قيم المجتمع المغربي وتقديره واحترامه، وعلى ما يبدو فإن الجماعة لا ترى الشعب المغربي كمجتمع متكامل ومجتمع مسلم كبقية المسلمين على الأرض، بل ترى أن المغاربة مجتمع ناقص إسلاما وتنقصه الدعوة، وليست أي دعوة بل دعوة العصبة المسلمة كما وصفها السيد قطب في كتابه “في ظلال القرآن” أي الإخوان و العشيرة.
في اعتقادي إن الجماعة تسلك مسلكا تكفيريا لبقية الناس وفي اعتقادها أنه دعوة من جماعة ترى نفسها قريبة من الله، وهذا ما يخالف الإسلام في أصله بحيث أن الله خلق البشرية سواسية ولم يفرق بينهم، فما بالك بأن تسطع جماعة تدعي أنها مصدر إرشاد للناس و كأنها رسول أرسل إلى البشرية في الأرض !
للأسف قياديو الجماعة، حينما سُئِلوا عن مشروعهم السياسي لم يكن لهم جواب واضح غير محاولة التهرب والاستدراك بأن الجماعة ستمد يدها لمن يريد الاصطفاف لمحاربة الفساد والاستبداد “المخزني “.
هكذا أحْسُم بأن مشروع الجماعة مجرد مشروع خرافي لا يحمل أي نهضة للمجتمع المغربي في ظل غياب برنامج سياسي واقتصادي وبرنامج نظري وفكري لتصور الجماعة السياسي والمجتمعي، كما أن الجماعة تزيد شحن نفسها بأن مشروعها السياسي داخل في نطاق ديني، هذا ما يجعلها جماعة منعزلة وبعيدة، وتعتقد أن جناحها السياسي الثاني المُشكل في حزب “العدالة والتنمية ” كاف لإشراكها في الحقل السياسي وتقريبها من الوسط الشعبي، فهذا خطأ فالمغاربة يفهمون أن تجربة هذا الحزب إيجابية في نطاق العشيرة فقط، غير هذا، فحصيلة الحزب ذات نتائج كارثية ويستشعرها المغاربة في ظل عزوف هذه الحكومة على محاربة الفساد والوفاء بوعودها وتدني أوضاع المعيشة. وفي تقييمي المتواضع فإن الانتخابات البرلمانية القادمة ستكون سلبية بالنسبة للحزب الإخواني، ما ينذر بإشراق خِيارين آخرين لا ثالث لهم، وهما عودة المخزن الى المشهد الحكومي (مع العلم أنه لم ينسحب )، أو إما أن يتنازل المخزن عن قبضته ويترك الساحة للخيار الديمقراطي.
إن خيار “العدل والإحسان” الحالي وتصورها للمشهد يمكن أن نفهم منه أنه مجرد وهم تتشبع به القيادات العليا للجماعة وتحاول أن تقنع به العشيرة، لا ننكر أن قاعدة الجماعة البشرية هي كبيرة مقارنة بباقي التنظيمات المغربية، لكن السؤال في ما يفيد الأمر ؟ إذ كانت الجماعة تسلك طريقا مظلما وتؤسس مبادئها عن قيم منعزلة وأخرى فيها من الاستعلاء الديني قسط كبير، لا يمكننا إلى أن نعتبر أن الجماعة “كارثة” تكبت وتحصر فئة عريضة من المجتمع المغربي داخلها وتحكم على شبابها بالعزلة، والعمل في نطاق العشيرة. وفي تحقيق صحفي حول الجماعة، يؤكد أن الجماعة تعتمد على تمويل أعضائها بالمضمون المادي واستغلال فقر الفئة العريضة من الشعب المغربي، النموذج الذي يبدو أنه حصل في مصر مما أدى إلى تكوين قاعدة كبيرة للإخوان في الأحياء الهامشية والفقيرة، الشيء الذي تساهم فيه الدولة الحاكمة بالمقام الأول.
إن ظاهرة التنظيم العالمي للإخوان في المنطقة، وأساليبهم العنيفة والإرهابية و خطابهم الظاهري الذي يعكس تصورا خرافيا و غير واقعي للعشيرة والكبت السلطوي الذي يعيشون، سرعاًن ما يؤدي بهم إلى الزوال والحكم على جماعات التنظيم بالاندثار و الإقبار الأبدي، لا حل أمام هؤلاء سوى الارتقاء بأنفسهم عبر مشروع مجتمعي منفتح على الجميع وأمام الكل ومشروع سياسي حكيم وتصور اقتصادي رفيع، والتشبث بمبادئ قيم دين إسلامنا الحنيف في إطار فصل الدعوة عن السياسة، وتأطير شبيبتهم بالقيم الثقافية والانفتاح العصري الحديث، هذا هو الخيار الوحيد المتاح أمام هذا التنظيم للارتقاء بذاته وفرصته الوحيدة لوضع بصمته في التاريخ المعاصر، على اعتبار أن المتضرر الوحيد من نقمة التنظيم العالمي للإخوان هي الشعوب والأوطان العربية وليس الأنظمة المستبدة والحكام الدكتاتوريين، دون الغوص في أجندة التنظيم العالمي للإخوان وقصته الشبيهة بقصة الرسوم المتحركة “بنكي وبرين “.

عن جريدة الاتحاد الاشتراكي …12/18/2013