المثقف والسلطة

الجمعة, 20 ديسمبر 2013 23:09

د. حسن حنفي

عنوان شائع ومعروف إن لم يكن مبتذلاً، ولا يفيد جديداً. تكرر كثيراً في العقود الماضية عندما ساءت العلاقة بين الاثنين، وغالباً في صالح السلطة. وامتهن المثقف الذي باع نفسه للسلطة. ولم يعد المثقف قادراً على الكتابة. فالنتائج معروفة. والحصيلة قليلة. ولا جديد فيه. والتحدي هو: ما العمل؟ كيف يمكن الحفاظ على استقلال المثقف وتحويل الفكر التبريري إلى فكر نقدي؟ كيف لا يهاب السلطة حتى مع السجن والتعذيب ولا يكون طامعاً في مناصبها ولا مغانمها؟

أين المثقف الذي لا يريد سلطة بل تكفيه وسائل التعبير المباشر والاتصال بالناس؟ أين السلطة التي لا تريد مثقفاً سياسياً تابعاً لها، جهازاً إعلامياً يبرر لها ما تريد؟ كيف يمكن الحفاظ على العلاقة الثورية المستقلة بين المثقف والسلطة؟ يبدو أن وظيفة المثقف ووظيفة السلطة مختلفتان. فالسلطة تريد مثقفاً موظفاً لديها، يأتمر بأمرها. وبعض المثقفين لا مانع لديهم من القيام بهذه الوظيفة. فالثقافة وظيفة مثل باقي الوظائف. ومعظم السلطات تبحث عن مثقفين يقومون بمهمة التبرير لها.

وقد تعددت الأسماء من المثقف والسلطة إلى فقيه السلطان. وهو الفقيه الذي يستعمل الدين لتبرير شرعية السلطان. فالشرعية هنا تأتي من الدين. والمثقف هنا هو الفقيه. ومثقف السلطة هو فقيه السلطان.

وكما يوجد مثقف مناهض للسلطة ويدافع عن حقوق الشعب، ويدخل السجن ويُعذب حتى يقضي نحبه، هناك أيضا الفقيه المعارض للسلطان الذي يزج به في المعتقل ويقضي أيضا نحبه. فهو المثقف الذي يتمسك بموقفه أو الفقيه الذي يرفض إصدار فتاوى لمصلحة السلطان. ويعرف الناس من يصدق القول ومن يكذب.

وعلاقة المثقف بالسلطة على ثلاثة أنماط: الأول المعارضة. فدور المثقف هو القائد والرائد. والثاني التبرير. فالسلطة هي القائد، والمثقف تابع لها مبرر لقراراتها. والثالث المستقل عن السلطة، لا معارضاً ولا مبرراً. هو المستقل صاحب الفكر النقدي. هو المفكر الناقد المرشد للمرشد معا. يستفيد منه الاثنان.

ويختلف المثقفون من الأنماط الثلاثة في النظم السياسية. ففي الستينيات كان المثقفون يبررون النظام السياسي عن اقتناع. وفي السبعينيات انقلب المثقفون إلى النظام الجديد. وانضم إليهم مثقفون آخرون عن اقتناع أقل. وفي الثمانينيات اتسعت قاعدة المثقفين حتى ثورة يناير 2011. وهذا من النمط الأول. أما النمط الثاني المعارض للنظام فقد اتسع حجمه من الستينيات إلى السبعينيات إلى الثمانينيات حتى يناير 2011. أما النمط الثالث المستقل فقد اتسع أيضاً حجمه بعدما رأى علاقة المثقف بالسلطة تبريرا أو معارضا وآثر الاكتفاء الذاتي منتظرا أن يتحول النظام حتى يكون له موقف ويشارك في الحياة السياسية العامة.

هذا النمط الثالث هو المثقف الوطني أو الوطني المثقف الذي يوحد بين الثقافة والوطن معاً وليس أحدهما قبل الآخر أو بعده بل معه، نامياً ومتطوراً معه. لا أحد يبرر الآخر أو يقوده. وهذا هو نمط التوحيد بين المثقف والسياسي أو المثقف الوطني. وينشأ في كل الثورات: عمر مكرم في الثورة المصرية ضد الحملة الفرنسية، روسو في الثورة الفرنسية، فشته في مقاومة نابليون عند احتلاله ألمانيا، على شريعتى في الثورة الإسلامية في إيران، وناصر في الثورة المصرية في 1952. في هذا النمط لا توجد أيديولوجيا مسبقة على الواقع. ولا يوجد واقع بلا أيديولوجيا بل هما أيديولوجيا وواقع مجتمعان معا في نار الثورة. ويمحى سؤال: أيهما الأصل؟ أيهما الفرع؟ فكلاهما أصل وفرع نشآ معا، أخوان أو أختان، نشآ في طبيعة واحدة شقيقين أو شقيقتين. وأن أهم مرحلة في العمر هي مرحلة الشباب التي يتكون فيها الشاب. وينضج ويعرف المرأة. ويتطلع إلى القيادة.

النمط الرابع لعلاقة المثقف بالسلطة هو الذي يسترعي الانتباه. وهو الذي يتمنى كل مثقف أن يكون. أن ينبت الجذع مع الفروع مع الأوراق حتى تطرح الشجرة الفواكه. فإن لم يستطع فالثالث، أي النمط القائد العالم المستقل عن المثقف السياسي والسياسي المثقف. فإن لم يستطع فالثاني عندما يقود المثقف السياسي. فإن لم يستطع فالأول عندما يكون المثقف مبرراً للسياسي وهذا أضعف الإيمان. ويظل المثقف الوطني هو أمل المثقفين والوطنيين بعيداً عن المثقف المبرر والمثقف الذي لا يعمل إلا في كنف السلطان.

يظل المثقف إن لم يحافظ على استقلاله معرضاً لإغراءين: السلطة والمال. السلطة هي قوة المنصب، والمال قوة الوسائل. وإغراء المرأة لا يأتي إلا متأخرا عندما يصبح الفتى يافعاً والشاب رجلاً «الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا». والأتقياء هم الذين يتجاوزون، و«الآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى». المثقف هو الذي سماه الفلاسفة الصوفية «المتوحد» وهو غير فقيه السلطان. ولقد ظل الناس يتساءلون عن الصلة بين القلم والسيف. الثقافة أقوى باعتراف «نابليون» أمام «فشته» «لقد هزم القلم السيف». والمصحف والسيفان شعار الإخوان المسلمين. ومع ذلك قال أبوتمام:

السيف أصدق أنباء من الكتب… في حده الحد بين الجد واللعب

فأيهما أقوى السيف أم القلم؟

……………….

عن موقع التجديد جديد العر بي