مصطفى المتوكل

تارودانت / الاربعاء 18 دجنبر 2013

 

( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا .ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفورا رحيما )سورة الاحزاب

 

…وطننا قدم الشهداء تلو الشهداء منذ الاحتلال الغاشم للبلاد ..فسقت الدماء  كل الربوع  جبالها وسهولها وهضابها وصحاريها وانهارها وبحارها واجوائها …وان اردنا عدهم لوجدناهم بالالاف فكانوا رموزا للنضال والمقاومة والجهاد ..عرفهم الناس او جهلوهم.. تذكرتهم الدولة وكل القوى او لم يتذكروهم …فهم عندما هبوا للجهاد لم يطلبوا اذنا او بحثوا عن جاه بل قدموا ارواحهم قربانا من اجل رضى الله وحرية الشعب واستقلاله وكرامته … فما الذي تقوم به الدولة بكل مؤسساتها وخاصة المكلفة بالتعليم والثقافة والثراث والذاكرة الوطنية  من اجل الوفاء لهم ؟ وما هي الجهود التي بدلت لجعل اطفالنا وشبابنا تلاميذ وطلاب واطر المستقبل يتذكرون امجاد الوطن والبطولات والتضحيات المقدمة من اجل جعل حسهم الوطني ومحبة  الوطن قويين..  بالمعرفة العميقة لتاريخنا  بحماسة وعزة وغيرة تحمي الوحدة وتعزز البطولات في وفاء تام لكل هولاء الابطال والبطلات الذين لايمكن تجاهلهم او التنكر لهم تحت  اي اكراه واي مبرر ….

ان بطولات الشعب لم تتوقف بعد طرد المستعمر الغاشم بل امتدت بعد الاستقلال لتشرع في مواجهة بقايا السياسات  والممارسات الاستعمارية من ظلم واقطاع واستغلال جشع وظلم وتضييق على الحريات … فكانت رغبة القوات الحية بزعامة المجاهدين والمقاومين والابطال – الذين اطال الله اعمار العديد منهم  الى ان  حققوا الاستقلال – المزيد من  العمل من اجل بناء دولة الحق والقانون واقرار دستور عصري يحدد مسؤوليات كل المؤسسات في اطار بناء ديموقراطي …فكانت قوى رفض  التغيير بالمرصاد للمناضلين الشرفاء .. وكانت الاحداث تلو الاحداث همت اغلب سنوات الستينات والسبعينات ومحطات في غيرهما من   السنوات ..فاعتقل الالاف وحوكم المئات واستشهد العديد والعديد …

ان الرجال العاملين والنساء العاملات من اجل  الحرية والديموقراطية ومن اجل نصرة الفقراء والعمال والكادحين ونصرة المظلومين  هم من احب الناس الى الله سبحانه وتعالى  وفيهم يقول النبي صلى الله عليه وسلم : (( أحبّ الناس إلى الله أنفعهم للناس ، وأحبّ الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم ، أو تكشف عنه كربةً ، أو تقضي عنه دَيناً ، أو تطرد عنه جوعاً ، ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إليَّ من أن أعتكف في المسجد شهراً ، ومن كفَّ غضبه سَتَرَ الله عورته ، ومن كَظَمَ غيظاً ولو شاء أن يُمضيه أمضاه ، ملأ الله قلبه رضاً يوم القيامة ، ومَن مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتى يثبتها له ، أثبت الله تعالى قدمه يوم تزلُّ الأقدام ، وإن سوء الخُلُق ليُفْسد العمل كما يُفْسد الخلُّ العَسَل )) [ رواه ابن أبي الدنيا وحسَّنه الألباني ] .

… و منهم الشهيد المهدي بنبركة الذي  واجه الاستعمار وهو في بداية شبابه وانحاز الى الشعب وارتبط به واستمر وفيا لذلك التعاقد رغم  التآمر عليه في كل المحطات واللحظات – الى ان لقي ربه وهم شهيد   سنة 1965 –  والتي اشارت اليها العديد من التقارير  بالتلميح والتحديد من بلدنا هذا ومن فرنسا واسرائيل واخرين ..ومازال ملف عريس الشهداء يتجول من يد الى اخرى بمحاكم فرنسا وبين العقول التي تعرف ما تعرف من خبايا لا احد يعلم لماذا لم تكشف ويعلن عنها لطي تلك الصفحة باقرار قول العدالة فيها …

…ومنهم الشهيد عمر بنجلون الذي اغتيل يوم 18 دجنبر 1975 و تم اعتقال منفذي  الجريمة النكراء وصرحوا بكل ما يعرفون..؟؟ وهرب من هرب  ؟؟ -كما قال الاعلام انذاك بعد ان اعلن عن اعتقالهم – الى الخارج ومازال الملف مفتوحا لم تقل فيه  العدالة  بعد كلمتها الشاملة   لتعم  كل المنفذين والمخططين والمصدرين للقرار والمتسترين على بعض الفاعلين او حتى الذين عبروا عن دعمهم للفعل الارهابي وتاييدهم له بشكل علني ببلادنا وخارجها …

اننا  احيينا   بالمغرب ذكرى استشهاد القائد الشهم عمر بنجلون يوم  الاربعاء 18 دجنبر 2013  ويحق  لنا ان نتساءل.. كيف يتجرا البعض على تمرير فكرة ان التقادم شمل هذا الملف وبالتالي ليس على المتابعين والذين يوجدون في حالة فرار  اي حرج في ان يعودوا وكانهم لم يفعلوا اي شيئ ؟؟ .. وكان الشهيد ليس له اولياء او عائلة فكرية ونضالية تطالب بالقصاص من المجرمين اقرارا للقانون وشرع الله.. فالشهيد هو اب واخ لكل الاتحاديين والاتحاديات  ورفيق في النضال للكل وليس فقط لاسرته الصغيرة .. والشهيد لم يغتل لان اسمه عمر بنجلون بل لانه زعيم سياسي لحزب وحركة وطنية تقدمية سبق ان قدم لها من عمره وحياته تضحيات سابقة بما فيها الحكم عليه باعدام لم ينفذ والاعتقال ومحاولات الاغتيال منها القنبلة التي وصلته في طرد ملغوم تعرف عليه  بذكائه ويقظته فنجاه الله .. ثم بعدها بشهور تحدث مؤامرة الاغتيال المقيتة …

ان الاتحاديين عندما قرروا جعل يوم  29  اكتوبر  من كل سنة يوما للوفاء فذلك يعني…

الوفاء لكل الشهداء ببلادنا منذ الازل الى اليوم…

والوفاء لكل الابطال الذي تعرضوا للاعتقالات والمنافي والتشريد والترهيب …

والوفاء لكل من جند فكره وعلمه لفائدة حرية الشعب وكرا مته …

و ذلك لايعني اختزال الوفاء في يوم واحد واسقاط كل الذكريات والمحطات النضالية من الذاكرة الوطنية والاتحادية -كما يفسر ذلك تعسفا بعض الناس الذين لايروقهم ان يتقوى ويتنظم حزب شهداء  القوات الشعبية..  – لان نفس الاتحاديين   قرروا احياء الذاكرة الاتحادية النضالية وتوثيقها ومواجهة كل مؤامرات التشويه ومحاولات الاقبار التي تهدف فصلنا كشعب عن كل ماهو متنور ونضالي بوطننا لفائدة الفكر الانتهازي والرجعي والاستلاب بكل انواعه …

ولقد احسن المكتب السياسي لحزب الشهيد عمر عندما ضمن بيانه بالفقرة التالية ((اعتبر أن هذا الزعيم الاتحادي والرمز النضالي الكبير، في تاريخ الحركة الاشتراكية والعمالية، سيظل حيا في ذاكرة الحزب والمناضلين الشرفاء في المغرب والعالم.
وأكد المكتب السياسي في هذا الصدد أن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، لن يتنازل أبداً عن مطلب الكشف عن الحقيقة الكاملة لهاته القضية. وعليه، فإنه يعلن أنه إذا كانت العدالة قد أدانت المنفذين المباشرين، لهذه الجريمة السياسية، فإنه من الضروري أن يظل الملف مفتوحا من أجل المساءلة والمحاسبة السياسية والجنائية وضمان استقلال المساطر القضائية عن كل توجيه أو تدخل يهدف الخلط والتضليل.)) والتي ترفع كل لبس او غموض او محاولات تحريف قرار  اللجنة الادارية وتصريحات الكاتب الاول

..اننا مطلوب منا قبل اي وقت مضى ان نشحذ ذاكرتنا وان نستحضر ما يحرك الهمم ويطرد الفكر الانهزامي والنفعي وان لانتنكر لمن علمونا ابجديات النضال والوطنية  والتضحية والذين لولاهم لما كان الاتحاد الاشتراكي ولا كل المحطات النضالية التي اسست للتحولات التي عرفتها بلادنا طوال العقود الماضية … ان تجاهل ذلك التاريخ وتلك الذكريات لايمكن ان يكون في صالح المبادئ التي ضحى من اجلها كل هؤلاء بل سيكون في خذمة من كانوا بالامس القريب والبعيد يخططون للقضاء على حزب القوات الشعبية ففشلوا بصمود هؤلاء الابطال …

قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ((لا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا أهل الفضل ))

ان لكل هلاء الابطال والشهداء فضل علينا وعلى امتنا وعلى واقعنا ومن الوفاء بالعهد الذي بيننا وبينهم .. عدم التنكر لهم  او تناسي ذكرهم للاجيال المتعاقبة والدعاء لهم والسير على نهجهم بما يخدم الصالح العام واهدافهم النبيلة …

 وفي مثل هذا يقول تعالى ( وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون () ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون ( ) )

ان دماء الشهداء امانة  في رقبة الاتحاديين والاتحاديات  و كل القوى الوطنية و الديموقراطية والتقدمية … فلماذا العديد من الامم والدول تحتفل بافتخار وحس وطني عال برموزها وقاداتها وثوارها وعلمائها ونحن نجد بوطننا  من يسعى للقطيعة ليس فقط مع تاريخه بل يسعى للانسلاخ من حاضره وواقعه لاجل غد لايمكن ان يقوم دون ذاكرة فالذين يحرفون الذاكرة او  يسعون لمحوها لاشك انهم ضلوا السبيل ولامصلحة عامة عندهم تعلوا على مصالحهم الخاصة …؟؟

اننا كاسرة اتحادية وطنية تاسست خدمة للوطن والشعب والصالح العام وبناء دولة المؤسسات لايمكن لنا قيادة وقواعد ومتعاطفين وانصار ان نطوي صفحاتنا المجيدة لنترك الاخرين يفتحون صفحاتهم التي لاكفاح فيها ولا نضال ولا تضحية ..ان صفحاتنا النضالية هي امتداد لكل حركات النضال والاصلاح بالمغرب منذ مئات السنين .. وهي امتداد للفكر الثوري للخلفاء الراشدين وقادة حركة التحرر الانساني وهي في ملك البشرية جمعاء …

ان من الوفاء لهم كذلك ان ننصر المظلومين والفقراء وقضايا الشعب .. ومنه ان نحافظ على احسن صفة يجب ان يتحلى بها الانسان وخاصة المسلم والتي هي البقاء على العهد  ..وقال تعالى:( واوفوا بالعهد ان العهد كان مسؤولا ) الإسراء/34

وقال تعالى: ” والموفون بعهدهم اذا عاهدوا والصابرين في الباساء والضراء وحين الباس اؤلئك هم المتقون ” (البقرة، آية: 177).

فتحية لكل الشهداء ونخص بالذكر  الشهيد عمر بنجلون

و…عم مساء عمر فالشهداء يموتون كي يفرغوا للسهر … والشهداء في الفردوس الاعلى مع النبيئن والشهداء والصديقين وحسن اؤلئك رفيقا