المغرب يلعب بورقة مناهضة التطبيع

ڤيش سكثيفيل

عن معهد واشنطن

13 ديسمبر2013


في نهاية الأسبوع الماضي قدّم البرلمان المغربي مشروع قانون يجرِّم “التطبيع” مع إسرائيل. وإذا تمت الموافقة على هذا القانون فإنه سوف يحظر التجارة ويجرِّم المعاملات الرسمية أو التجارية بين البلدين، ويؤدي إلى طرد الشركات الإسرائيلية من المغرب ويمنع الأفراد الحاملين على جوازات سفر إسرائيلية من دخول المملكة. كما أن هناك قيوداً أخرى تشمل الشؤون الثقافية والسياسية والرياضية والاقتصادية وتتضمن معاقبة الانتهاكات بالغرامات وبعقوبة الحبس التي تصل إلى عامين.

وعلى الرغم من أن المغرب تقدِّم نفسها كهمزة وصل وجسراً معتدلاً بين الشرق والغرب، بما في ذلك بين الإسرائيليين والفلسطينيين، إلا أن سياساتها الداخلية أظهرت منذ فترة طويلة سلسلة من المعارضة للميل “المزعج” للسياسات الملكية تجاه إسرائيل. بيد أن مشروع القانون الأخير المناهض للتطبيع أمر غير معتاد حيث أنه تم في الأصل برعاية ائتلاف واسع شمل حزبين في التكتل الحاكم هما “حزب العدالة والتنمية” الإسلامي و “حزب التقدم والاشتراكية” اليساري، إلى جانب الفصائل الملكية مثل “حزب الأصالة والمعاصرة”، المعروف عموماً بأنه حزب “رجال الملك”. ويبدو في الوقت الراهن أن الدعم البرلماني لمشروع القانون آخذ في التراجع وأن الموافقة النهائية غير محتملة إلى حد كبير. بيد أن حقيقة تقدم مشروع القانون إلى تلك الدرجة بدعم من أحزاب مقربة جداً من العرش تثير تساؤلات حول الدوافع للمبادرة.

تاريخ يتسم بتراجع العلاقات

ليست هناك علاقات دبلوماسية بين المغرب وإسرائيل، لكن التعاون بينهما يرجع إلى عهد ناصر، عندما كانا يقاومان القومية العربية التي كانت تهدد كلاً منهما. وقد أدى ذلك إلى قيام علاقة سياسية براغماتية في عهد الملك الحسن الثاني، كانت تتسم بالاحترام المتبادل والحنين للوطن بالنسبة لليهود المغاربة. وقد بدا أن إسرائيل تنظر إلى المغرب باعتبارها المفتاح لقلوب العرب، بينما رأت الرباط إسرائيل كونها المفتاح إلى قلب واشنطن.

كما أن المشاركة رفيعة المستوى قائمة منذ عقود. ففي عام 1976، استضاف العاهل المغربي الحسن الثاني سراً رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين، الذي كان فضولياً بشأن قدرة المغرب على إعادة إطلاق الحوار المصري الإسرائيلي. وبعد ذلك بعام، استضافت الرباط محادثات سرية بين وزير الخارجية الإسرائيلي موشيه دايان ومستشار الأمن القومي المصري حسن التهامي، الأمر الذي مهدّ الطريق لزيارة الرئيس أنور السادات التاريخية لإسرائيل. وقد حافظ الملك على الدعم العام للسادات إلى حين اصطفاف الإجماع العربي ضد الزعيم المصري بعد اتفاقات كامب ديفيد مما أرغم الرباط على الانصياع.

وبعد مرور عقد ونصف، أتاحت اتفاقات أوسلو عودة العلاقات الإسرائيلية المغربية من الظل. وفي عام 1994، استضاف الملك بكل حماس الزعماء العرب والإسرائيليين ونخبة الأعمال في الدار البيضاء بهدف صياغة شراكة لتطوير اقتصاديات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وقد انتهى المؤتمر بـ “إعلان الدار البيضاء”، الذي أعلن فيه الحسن الثاني ووزير الخارجية الإسرائيلي شمعون بيريز عن “نهاية” المقاطعة العربية لإسرائيل. وقد فتح البلدان مكاتب اتصال بعد ذلك بفترة قصيرة.

بيد أن وفاة الملك في عام 1999 والانتفاضة الفلسطينية في عام 2000 وضع العلاقات الثنائية في سبات عميق. ومن الناحية السياسية، كان من الصعوبة البالغة الإبقاء على علاقات مفتوحة في عهد الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وكان الملك محمد الخامس أقل حرصاً على لعب دور الوسيط/صانع السلام الذي تفنن فيه والده. ورغم ذلك، فإن ديناميات الواقعية السياسية ليست مفقودة كلية مع الملك الجديد، الذي استضاف بين الحين والآخر إسرائيليين بارزين من مختلف ألوان الطيف السياسي واتخذ إجراءات مواتية مثل طرد السفير الإيراني في عام 2009 (على الرغم من أن الخطوة الأخيرة تم اتخاذها لأسباب سياسية داخلية، وليس لصالح إسرائيل). وفي الوقت ذاته، أصبح أكثر نشاطاً بصفته رئيس “لجنة القدس” التي تأسست عام 1975 على يد “منظمة المؤتمر الإسلامي” (تدعى الآن “منظمة التعاون الإسلامي”) للدفاع عن القضية الفلسطينية وتقديم المساعدات الإسلامية للعرب في القدس. ولم تفقد الطبقة السياسية المغربية عباءة القدس التي من شأنها أن تساعد الملك على مجابهة سياسة دعم الفلسطينيين الشعبوية التي وظّفها الإسلاميون.

وفي ظل هذه الخلفية، يبدو مشروع القانون الحالي المناهض للتطبيع أحد أشكال التوافق بين السياسة الشعبوية والسياسة الخارجية الذي اتسمت بها علاقة المغرب المنحسرة مع إسرائيل على مدار السنين. ومن الناحية الجوهرية، ترغب الرباط في أن يُنظر إليها بصورتين مختلفتين – أن تنظر إليها واشنطن كصديق متحفظ لإسرائيل، وأن ينظر إليها الشارع المغربي كزعيم قوي للقومية العربية. إن اقتراح مشروع قانون مع عدم تمريره قد يكون وسيلة لتحقيق كلا الهدفين.

احتمالات مشروع القانون

ليس من باب المفاجأة أن يدعم “حزب العدالة والتنمية” الإسلامي مشروع قانون لقطع العلاقات مع إسرائيل – فهو يحقق له جملة أمور من بينها السماح له بإظهار قدرته على اتخاذ إجراءات جريئة بدون القصر – لكن هناك حالة من عدم اليقين إلى حد كبير تشوب الأسباب المنطقية وراء الدعم الأولي لـ “حزب الأصالة والحداثة” و “حزب الاستقلال” المحسوبين على الملك. ولكن حقيقة أن فؤاد عالي الهمة – مؤسس “حزب الأصالة والحداثة” وأحد المقربين من الملك – كان من بين الموقعين الأصليين تشير إلى أن الإجراء حصل على موافقة شخصية من قبل الملك محمد السادس. كما أن إلياس العمري، وهو صديق مقرب من الهمة ورجل قوي في “حزب الأصالة والحداثة”، حاول أن يكون زعيم القضية الفلسطينية لبعض الوقت.

وقد يمثل مشروع القانون أسلوب موازنة على غرار ما انتهجه الحسن الثاني: ويشمل ذلك إدراج أحزاب في عملية إدارة الدعم الهادئ لإسرائيل مع الحفاظ على قيادة الرياض لـ “لجنة القدس” وغيرها من المؤهلات العربية الأخرى. ولكي نستوضح الأمر بطريقة أخرى، فإن التشريع المناهض لإسرائيل يمنح السياسيين الحزبيين فرصة لكي يظهروا لدوائرهم الانتخابية بأنه لم يتم “بيعهم” للمصالح الغربية حتى في ظل مضي صناع القرار في السياسة الخارجية الأكثر مواءمة لاستراتيجية المغرب الدولية. وفي حين أن المغاربة لديهم تعاطف عميق مع محنة الفلسطينيين، إلا أنه من غير المرجح أن تخاطر الحكومة والنخبة بالمزايا الاستثمارية المحققة من المغتربين اليهود المغاربة، ووضع المملكة المعترف به على مستوى العالم كوجهة سياحية، والميزات السياسية لمشاركتها المحدودة مع إسرائيل من أجل إظهار نواياهم الطيبة المؤيدة للفلسطينيين.

وفي الواقع أن “حزب الأصالة والمعاصرة” سحب بالفعل دعمه لمشروع القانون الذي يرجح أن يفقد الزخم بسبب العدد الكبير من البرلمانيين الذين رفضوا الانضمام إلى التحالف. كما أن “التجمع الوطني للأحرار” – وهو حزب تابع للملك يشغل الغالبية العظمى من المناصب الوزارية – يعارض التشريع ويسعى إلى الإبقاء على العلاقة الحالية مع إسرائيل. ونتيجة لذلك يرجح أن يتوقف مشروع القانون في البرلمان قبل أن يصل إلى مكتب الملك. وعلى الرغم من أن العاهل المغربي يحتفظ بحق النقض النهائي وسوف يكسب ثناءً دولياً حال ممارسته في هذه الحالة، إلا أن نقض المشروع لن تكون له نتائج طيبة على الصعيد الداخلي. إن التحدي أمام أعضاء النخبة المغربية هو ضمان فشل مشروع القانون قبل أن يصل إلى تلك المرحلة، دون إغضاب دوائرهم الانتخابية التي تعتبر القضية اختباراً لالتزام الملك بالمثل والقيم العربية والإسلامية. ولم يتضح بعد من سيكون كبش الفداء حال عدم الموافقة على مشروع القانون، لكن الأنماط الماضية تشير إلى أن من سيتحمل المسؤولية سيحظى بدعم وتأييد كبير من الملك.

ومن جانبها، التزمت واشنطن الصمت العام المناسب حيال هذا الأمر حتى الآن. وإذا كان لمشروع القانون أن يموت في هدوء، فإن التحذير الأمريكي السابق لأوانه قد يمنحه الحياة مجدداً في التوقيت الخاطئ تماماً. ومع ذلك، يشعر الكثيرون بالقلق من استخدام المغرب لعلاقتها مع إسرائيل كأداة للإثارة السياسية الداخلية. ورغم أن من يشغلون السلطة لديهم الثقة في قدرتهم على فتح وغلق صنبور مناهضة التطبيع عند الحاجة، إلا أن ذلك قد لا يكون عليه الوضع دائماً.

ڤيش سكثيفيل هي زميلة الجيل القادم في معهد واشنطن. وتود أن تشكر مساعد الباحث جيرمي برينستر لمساهمته في هذا المقال.