علي عبدالرازق.. أقضّ مضجع المتزمتين بكتابه ‘الإسلام وأصول الحكم’

 

‘الإسلام وأصول الحكم’ كتاب تسبّب في اندلاع معركة ضارية بين القوى الرجعيّة الغارقة في أوهام ماض ‘مجيد’، وبين القوى الجديدة المتطلعة للمستقبل والرقيّ والتقدّم.

 

عن صحيفة العرب حسّونة المصباحي [نُشر في 22/12/2013، العدد: 9417،

 

مثّل منتصف العشرينات من القرن الماضي فترة ساخنة في تاريخ مصر الفكري والسياسي. ويعود ذلك إلى صدور

كتابين هامّين أثارا جدلا واسعا وحاميا لا في بلاد النيل وحدها، وإنما في بلدان عربيّة أخرى مثل تونس، وبلاد الشام

(سوريا ولبنان).

هذان الكتابان هما “في الشعر الجاهلي” لطه حسين الذي دفع القوى الرجعيّة والمحافظة إلى المطالبة بمقاضاة صاحبه

ومنعه من التداول بسبب ما احتواه من آراء وأفكار “تتناقض مع القرآن، ومع روح العقيدة الإسلامية”.

أمّا الثاني فهو “الإسلام وأصول الحكم” لعلي عبدالرازق (صدر سنة 1925)، وقد تسبّب هذا الكتاب أيضا في اندلاع معركة

ضارية بين القوى الرجعيّة الغارقة في أوهام ماض “مجيد”، وبين القوى الجديدة المتطلعة للمستقبل والرقيّ والتقدّم.

وقد جاء هذا الكتاب صغير الحجم، هائل القيمة والمنفعة لينسف فكرة الخلافة، الركن الأساسي في التفكير الأصولي، وليكشف

خواء مفهوم الدولة الدينيّة التي بها يحلم أصحاب السطوة من رجال الدين الذين يريدون أن يجعلوا من الدين سياسة، ومن

السياسة دينا.

وكما يقول د. جابر عصفور لا يزال كتاب علي عبدالرازق “علامة ناصعة من علامات التنوير” في مصر وفي كافة بلدان

العالم العربي والإسلامي.

ولا تزال القوى الأصوليّة تحاربه بعنف، وعلى مؤلّفه تشنّ هجومات متتالية لما عرضه من أفكار عقلانيّة تدعو المسلمين

إلى إصلاح أوضاعهم انطلاقا من الواقع، لا انطلاقا من الأوهام، داعيا إيّاهم إلى أن “يسابقوا الأمم الأخرى في علوم الاجتماع والسياسة، وأن يهدموا ذلك النظام العتيق الذي ذلّوا له، واستكانوا إليه، وأن يبنوا قواعد ملكهم، ونظام حكومتهم على أحدث ما أنتجته العقول البشريّة، وأمتن ما دلّت تجارب الأمم على أنه خير أصول الحكم”.

وكان كتاب “الإسلام وأصول الحكم” مساهمة رفيعة وجليلة في معارك القوى الجديدة من أجل تنوير العقول، وتحرير الفكر

من القيود التي كبّلته بها عصور الانحطاط والتخلّف المديدة.

وهو استكمال لكتب أخرى تميّز بها عصر النهضة، وكان لها نفس الهدف مثل “المسالك والممالك” للوزير خير الدين باشا

التونسي، و”روح التحرّر في القرآن” للشيخ عبدالعزيز الثعالبي، و”طبائع الاستبداد” لعبدالرحمان الكواكبي، و”الإسلام

والنصرانيّة بين العلم والمدنيّة” للشيخ محمد عبده، وغير ذلك من الكتب التي لا تزال مراجع أساسيّة في مجال التحرر

الفكري والعقلي في الثقافة العربيّة.

زمن الثورات

ينتمي علي عبد الرازق (1888-1966) إلى عائلة ثريّة من قرية أبو جوج بمحافظة المنيا وكانت تملك 7 آلاف فدّان.

وبعد أن حفظ القرآن، وتعلّم مبادئ الكتابة في قريته، انتقل إلى القاهرة لينتسب إلى جامعة الأزهر ومنها حصل على شهادة العالميّة.

بعدها سافر إلى بريطانيا ليواصل دراسته العليا في جامعة “أكسفورد”، ومن المؤكد أنه اطلع هناك، وبعمق، على الدساتير

الأوروبية في مجال الحكم، وتأثر بها كثيرا. وعندما عاد إلى بلاده مارس مهنة القضاء، ثمّ عيّن رئيسا للمحكمة الشرعيّة.

وحسب المؤرخين، بدأت فكرة كتاب “الإسلام وأصول الحكم” تتبلور في ذهن علي عبدالرازق عام 1915، أي عندما بدا واضحا أن الامبراطورية العثمانيّة، أو امبراطورية “الرجل المريض” باتت على وشك التهاوي والسقوط.

وعند اندلاع ثورة 1919 التي خلّدها نجيب محفوظ في “ثلاثيته” الشهيرة، عاين علي عبدالرزاق الذي كان يظهر مساندته

المطلقة للقوى الفكريّة الجديدة، أن الأفكار التنويريّة الداعية للتقدم والرقيّ قد بدأت تشهد انتشارا مهمّا في أوساط المجتمع.

ومن علامات ذلك مشاركة النساء المصريّات في تلك الثورة المجيدة، وخروجهن سافرات إلى الشوارع منتصرات لمبادئ الحرية والمساواة.

البكاء على الخلافة

وبعد انهيار الامبراطوريّة العثمانية، وقيام نظام جمهوري على أنقاضها بزعامة مصطفى كمال أتاتورك الذي فصل الدين عن الدولة، شرعت القوى الإسلاميّة المحافظة والرجعيّة في طرح فكرة إحياء الخلافة من جديد، وراحت تسعى إلى تنصيب خليفة على المسلمين.

وقد تجسّدت تلك المساعي من خلال تأليف كتب عديدة مثل كتاب “الخلافة والإمامة العظمى” للشيخ رشيد رضا الذي أكّد فيه أن الخلافة هي وحدها القادرة على إصلاح أوضاع المسلمين على جميع المستويات، وعلى “هدايتهم إلى الطريق المستقيم” بحسب تعبيره.

وفي كتابه: “النكير على منكري النعمة من الدين والخلافة في الأمة”، هاجم مصطفى صبري الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، ومناصريه في مصر، وفي العالم الإسلامي.

وأمّا جامع الأزهر فقد أصدر بيانا وقّعه 16 شيخا من “شيوخ الإسلام” عبّروا فيه عن رفضهم للنظام الجمهوري في تركيا، واستنكارهم لخلع الخليفة عبدالمجيد، آخر سلاطين الامبراطوريّة العثمانيّة.

وفي 25 مارس 1924، عقد شيوخ الأزهر مؤتمرا دعوا في نهايته المسلمين إلى اختيار خليفة جديد.

وبعد مرور سنة واحدة على ذلك، عقد الأزهر مؤتمرا آخر حضرته وفود من العراق وفلسطين والهند، غير أن جلساته شهدت نقاشات عاصفة بين المناصرين لإحياء الخلافة وبين المعارضين لها.

وفي ختامه، أصدر 40 شيخا مصريا بيانا أشاروا فيه إلى “أن مصر لا تصلح في الوقت الحاضر دارا للخلافة وهي لا تزال محتلّة من قبل دولة أجنبيّة، والحكم فيها لا يزال بغير أيدي أبنائها، وحكومتها أباحت المحرّمات من خمر وبغاء وميسر”.

وكان من الطبيعي أن يساند النظام الملكي تلك القوى الرجعيّة في مساعيها لإحياء الخلافة، وأن يقدّم لها الدعم الماديّ والمعنوي.

أية علاقة للخلافة بالدين

ومتحديّا هذه العواصف السياسيّة والدينيّة التي كانت تهزّ مصر في تلك الفترة، أصدر الشيخ علي عبدالرازق كتابه المذكور، وفي مستهلّه أشار إلى أنه أمضى بضع سنين في البحث والدرس قبل أن يجرأ على أن يقدّم “على استحياء” ما أنجزه.

وواضح من خلال المراجع التي اعتمد عليها أن الشيخ علي عبدالرازق بحث طويلا، وساءل التاريخ، ودقّق في أنظمة الحكم في مختلف الحقب الإسلامية، وتعمّق في دراسة القرآن، والسنّة، ولم يترك صغيرة ولا كبيرة إلا وأولاها العناية الجديرة بها.

وبخصوص موضوع الخلافة، كتب الشيخ علي عبدالرازق يقول مفنّدا بطريقة رصينة وعقلانيّة المؤيّدين والمناصرين لها: “الحقّ أن الدين الإسلامي بريء من تلك الخلافة التي يتعارفها المسلمون، وبريء من كلّ ما هيّأوا حولها من رغبة ورهبة، ومن عزّ وقوّة”.

وأضاف أن “الخلافة ليست في شيء من الخطط الدينيّة، ولا القضاء ولا غيرهما من وظائف الحكم ومراكز الدولة، وإنما تلك كلّها سياسيّة صرفة، ولا شأن للدين بها، فهو لم يعرفها ولم ينكرها، ولا أمر بها ولا نهى عنها، وإنما تركها لنا لنرجع فيها إلى أحكام العقل، وتجارب الأمم، وقواعد السياسة”.

كما “أن تدبير الجيوش الإسلاميّة، وعمارة المدن والثغور، ونظام الدواوين لا شأن للدين بها، وإنما يرجع الأمر فيها إلى العقل والتجريب”، كما جاء في الكتاب.

واعتمادا على الآيات القرآنيّة، أشار الشيخ علي عبدالرازق إلى أنّ القرآن يمنع منعا صريحا أن يكون النبيّ محمد حفيظا على الناس، ولا وكيلا، ولا جبّارا ولا مسيطرا، ولا أن يكون له الحقّ في إكراه الناس حتى يكونوا مؤمنين.

ورادّا على الذين يزعمون أن الخلافة صالحة للدين والدنيا، قال الشيخ علي عبدالرازق إن السّلاطين المسلمين كانوا يروّجون هذه الفكرة بين الناس بهدف أن يتخذوا من الدين “دروعا تحمي عروشهم، وتذود الخارجين عليهم”، بل إنهم، أي السلاطين، أفهموا رعاياهم “أن طاعة الأئمة من طاعة الله، وعصيانهم من عصيان الله”.

ثمّ أضاف قائلا: “تلك هي جناية الملوك واستبدادهم بالمسلمين، أضلّوهم عن الهدى وعمّوا عليهم وجوه الحق، وحجبوا عنهم مسالك النور باسم الدين، وباسم الدين استبدّوا بهم، واستعبدوهم، وأذلّوهم، وحرموا عليهم النظر في علوم السياسة، وباسم الدين خدعوهم وضيّقوا على عقولهم فصاروا لا يرون لهم وراء ذلك الدين مرجعا، حتى في مسائل الإدارة الصّرفة، والسياسة الخالصة، ذلك وقد ضيّقوا عليهم أيضا في فهم الدين، وحجروا عليهم في دوائر عيّنوها ثم حرّموا عليهم كلّ أبواب العلم التي تمسّ حظائر الخلافة”.

حرب المتشددين

وحال صدور كتاب الشيخ علي عبد الرازق، انتفضت القوى المحافظة والرجعية لتردّ على ما جاء فيه من أفكار وآراء، فقد اتهم الشيخ محمد شاكر وكيل صاحب “الإسلام وأصول الحكم” بالسعي إلى إقامة ما سمّاه بـ”جمهورية لا دينيّة”، وبأنه “ثائر على الحكومة وخارج عن نظمها الثابتة”.

ورثى الشيخ رشيد رضا حال أمة المسلمين التي تهاوت قواها، وانطفأ مجدها بسبب الانتصارات التي حققها أعداؤها في معاركهم ضدّها، مطالبا كبار علماء الأزهر أن “يحكموا بأحكام الإسلام” على صاحب كتاب “الإسلام وأصول الحكم”.

وأما التونسي الشيخ محمد الخضر حسين الذي سيصبح شيخ الأزهر فيما بعد، فقد أصدر كتابا بعنوان “نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم”، وفيه شنّ هجوما عنيفا على الشيخ علي عبدالرازق، واصفا إيّاه بـ”عدوّ الإسلام والمسلمين”.

وفي النهاية تم فصل الشيخ علي عبد الرازق من هيئة العلماء، وطرد من وظيفته، ومحي اسمه من سجلاّت الأزهر.

وبعد ذلك بسنوات قليلة، أعادت حركة الإخوان المسلمين التي أسسها حسن البنا هجوماتها على الشيخ علي عبدالرازق وعلى كتابه مطالبة بإحياء الخلافة، جاعلة منها ركنا أساسيا في برنامجها السياسي والأيديولوجي.

غير أن الجزائري الشيخ عبد الحميد بن باديس انتصر للشيخ علي عبد الرازق ولكتابه، وفي رسالة بليغة بعث بها إلى شيخ الأزهر، ونشرها في مجلة “الشهاب” في ربيع عام 1938، نصح الجماعات الإسلاميّة بالابتعاد عن السياسة ذاكرا أن مفهوم الخلافة “انسلخ عن معناه الأصليّ وبقي رمزا ظاهريا تقديسيّا ليس من أوضاع الإسلام في شيء”.

وفي رأيه أن الأتراك لم يلغوا الخلافة، بل “ألغوا نظاما حكوميا خاصا بهم وأزالوا رمزا خياليا فُتن به المسلمون لغير جدوى”.

وفي نهاية رسالته، قال الشيخ ابن باديس (رئيس جمعية علماء المسلمين الجزائريين)، إنه يتمنى أن يتوصل المسلمون ذات يوم إلى التخلّص من وهم الخلافة، لأن في ذلك خلاصا لهم من ماض ولّى ولن يعود أبدا.