الاستفتاء على الدستور.. قنبلة تفجر معسكر الإسلام السياسي

اختلاف المواقف السياسية ساهم في تعميق فجوة الخلاف بين المجموعات السلفية وجعل من الإخوان يحاربون أعداءهم وحلفاءهم وأنفسهم لإسقاط الاستفتاء.

عن صحيفة العرب.. علي بكر [نُشر في 23/12/2013، العدد: 9418،

شكل انقسام التيارات الإسلامية حول الاستفتاء على مشروع الدستور المصري والذي من ضمنه بند يحظر إنشاء أحزاب على أساس ديني، بداية النهاية لتيارات الإسلام السياسي ونشاطها على الساحة السياسية المصرية، خاصة بعد تأييد حزب النور السلفي لمسودة الدستور.

تصاعدت حدة الانقسام بين القوى الإسلامية في مصر، بعد إعلان ما يسمي بـ “تحالف دعم الشرعية” الذي تقوده جماعة الإخوان المسلمين، في 16 ديسمبر الحالي، مقاطعة الاستفتاء على مشروع الدستور، الذي سوف يجري في 14 و15 يناير المقبل، وهو ما يتناقض مع المواقف التي تبنتها بعض التيارات الأخرى، وعلى رأسها حزب النور السلفي الذي أعلن في 5 ديسمبر الجاري، عن اتجاهه إلى التصويت بـ”نعم” في الاستفتاء على الدستور، داعيًا الشعب المصري إلى تأييد مسودة الدستور لـ “تجنيب البلاد مزيدًا من الفوضى”، فيما يتبنى حزب مصر القوية الذي يتزعمه الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح القيادي السابق في تنظيم الإخوان، موقفًا مختلفًا نسبيًا، حيث أكد أنه سوف يشارك في الاستفتاء على الدستور، ولكنه سيصوت بـ”لا”، داعيًا المصريين جميعًا إلى رفض الدستور الجديد.

كتلة معقدة

ودون شك في أن هذا الموقف الذي تبناه حزب النور، والذي بدا مفاجئًا للبعض، من شأنه تكريس حالة التشرذم التي تعاني منها التيارات الإسلامية منذ ثورة 25 يناير، عقب دخولها غمار العملية السياسية التي كانت تقاطعها من قبل، وبسبب هذا الانقسام برزت على الساحة السياسية في الوقت الحالي ثلاثة توجهات رئيسية تحكم مواقف التيارات الإسلامية من الدستور الجديد.

التوجه الأول، هو رفض المشاركة في التصويت على الدستور الجديد، بحجة أنه “دستور انقلابي”، ويمثل هذا الاتجاه جماعة الإخوان المسلمين وبعض حلفائها من السلفيين، إضافة إلى بعض القوى الموجودة داخل ما يسمى بـ “تحالف دعم الشرعية”، الذي تباينت الآراء داخله حول المشاركة في عملية الاستفتاء على الدستور، حيث دعا فريق إلى إعلان المقاطعة بشكل لا رجعة فيه، بينما فضل فريق آخر المقاطعة مع دعوة الناخبين إلى التصويت بـ”لا”، إلى أن تم حسم الأمر لصالح الفريق الأول.

والتوجه الثاني، هو المشاركة في التصويت على الدستور ولكن بـ”لا”، وهو التوجه الذي يتبناه حزب مصر القوية بقيادة أبو الفتوح ومن يؤيده من المنتمين إلى التيارات الإسلامية. ووفق رؤية هذا الفريق، فإن هذا الدستور تجاهل حقوقًا كثيرة للمواطنين، كما أنه لا يعبر عن كافة أطياف المجتمع المصري.

أما التوجه الثالث، فهو المشاركة في الاستفتاء على الدستور والتصويت بـ”نعم”، ويمثل هذا التوجه حزب النور السلفي والمجموعات المنشقة عن الإخوان المسلمين، وعلى رأسها “تحالف شباب الإخوان”، ويرى هذا الاتجاه أن القرار الذي تبناه من شأنه تدعيم الجهود المبذولة لتحقيق الاستقرار على الساحة السياسية.

وأخيرًا تبقى داخل الحركة الإسلامية الكتلة “الحائرة” أو “المترددة”، وهي تلك الكتلة “السائلة” التي تنتمي في مجملها إلى التيار السلفي ولكن دون الالتزام بالخطاب العام لحزب سلفي معين، وتتراوح نسبة تمثيل هذه الكتلة بين 25 بالمئة و30 بالمئة من الكتلة التصويتية للإسلاميين، وهي لم تتمكن من حسم قرارها بعد وما زالت مترددة بين التصويت بـ”نعم” أو “لا”.

أسباب متعددة

اتساع مساحة التباينات بين القوى الإسلامية المختلفة يعود إلى اعتبارات عديدة تتمثل في:

1- الانقسام حول الدستور الجديد، والذي يعتبر الحلقة الأخيرة في مسلسل الانقسامات التي أصابت التيارات الإسلامية بعد ثورة 25 يناير، خاصة بين الفصيلين الأكبر والأقوى، وهما الإخوان المسلمون وحزب النور السلفي، اللذان يخيم على العلاقة بين كوادرهما صراع قديم وطويل وعداء فكري وأيديولوجي، ما جعل حزب النور منذ تأسيسه حريصًا على ألا يكون تابعًا سياسيًا لتنظيم الإخوان المسلمين، وعلى أن تكون مواقفه مغايرة لسياسته في كثير من الأحيان، وجاء الخلاف الأخير حول التصويت على الدستور الجديد ليعمق من حدة الانقسام بين الطرفين.

2- احتواء الدستور الجديد على مادة تحظر إنشاء الأحزاب على أساس ديني، وهو ما جعل كثيرًا من التيارات الإسلامية يتبنى موقفًا رافضًا له، لأنه بهذه الطريقة يقضي عمليا على مستقبلها السياسي.

3- نجاح جماعة الإخوان وحلفائها في إقناع بعض القوى بأن هذا الدستور يلغي الهوية الإسلامية لمصر، وهو ما دفع هذه القوى إلى انتهاج سياسة معادية له.

تداعيات محتملة

هذه الانقسامات القائمة بين القوى الإسلامية حول مسودة الدستور، ربما تفرض بعض التداعيات الهامة، خاصة أنها اصطبغت بطابع أيديولوجي، حيث تتهم التيارات الإسلامية المعادية للدستور نظيراتها من القوى التي تتجه إلى التصويت بـ”نعم”، بـ “المشاركة في الانقلاب على الشريعة والشرعية”، وتتمثل أهم هذه التداعيات في:

1- انتقال الصراع بين الدعوة السلفية والإخوان من الإطار السياسي إلى الديني والشرعي، فقد بدأ تنظيم الإخوان وحلفاؤه باتهام الدعوة السلفية صراحة بـ “معاداة الشريعة الإسلامية”، وفي المقابل أصبحت الدعوة السلفية تتهم الإخوان وحلفاءهم بـ “الإساءة للإسلام”، بل إن اتجاهًا داخلها بات يعتبرهم “عبئًا على الإسلام”.

2- تعميق فجوة الخلاف السلفي- السلفي بدرجة كبيرة، حيث أصبح العداء مستحكمًا بين الدعوة السلفية بالإسكندرية ومؤيديها، وبين “السلفية الحركية” ومناصريها في القاهرة، وانتقلت الخلافات من دائرة “التباينات الحركية” إلى دائرة “الانقسامات العقائدية”، بعد أن صارت “السلفية الحركية” المؤيدة للإخوان تتهم الدعوة السلفية بأنها “انحرفت عن صحيح الإسلام ووقفت ضد الشريعة الإسلامية”. وربما تؤدي الفتاوى التي أصدرها بعض شيوخ التيار السلفي، مثل أبي إسحاق الحويني، عضو مجلس شورى العلماء السلفي، الذي أكد أن “الدستور مليء بالعوار وتجب مقاطعة التصويت عليه، وعدم الذهاب إلى اللجان نهائيًا، سواء بالرفض أو الموافقة”، إلى تصعيد حالة الانقسام داخل التيار السلفي خلال المرحلة القادمة.

لذلك يمكن القول إن مشاركة حزب النور السلفي في التصويت على الدستور ودعوته المصريين إلى التصويت بـ “نعم”، ربما تحسم، بدرجة كبيرة، أصوات الكتلة الإسلامية المترددة في اتجاه الموافقة على الدستور، إذ تنظر عناصر هذه الكتلة إلى رموز الدعوة السلفية بالإسكندرية على أنهم الأكثر علمًا بالشريعة والأوسع شهرة في الفضاء السلفي، وأنهم “أصحاب العقيدة الصحيحة”، وهو ما يدعم الاتجاه نحو التصويت بـ”نعم”، بشكل ربما يفرض مزيدًا من الضغوط على جماعة الإخوان المسلمين في المستقبل.