محمد علمي، رئيس الفريق الاشتراكي بمجلس المستشارين في مناقشة مشروع القانون المالي 2014

العنوان العريض لمشروع هذا القانون هو «تجميد الإصلاحات وتكريس التراجعات»

 

أتدخل لمناقشة مشروع ميزانية سنة 2014، وأنا كلي تأثر لتزامن هذه اللحظة المؤسساتية المهمة مع الذكرى 38 لاغتيال الشهيد عمر بنجلون، وهو المناضل التقدمي الحداثي الذي أفنى ريعان شبابه دفاعا عن الديموقراطية وحقوق الإنسان وعن بناء المؤسسات واستراتيجية النضال الديموقراطي. وأدى حياته ثمنا لدفاعه عن الانفتاح والحرية والتقدم وهي المرجعيات التي طالما حاربها المكون الرئيسي لهذه الحكومة.
وإنني لأعبر عن بالغ أسفي باسم المعارضة ومن ضمنها المعارضة الاتحادية، عن اضطرارنا لمناقشة مشروع هذه الميزانية في ظروف غير واضحة ولا جدية بالشكل الذي يجعل البرلمان يقوم بدوره الدستوري في ما يخص التشريع المالي، ولا تسمح للمعارضة بالقيام بالدور الأساسي الذي خوله لها الدستور الجديد.
فالعديد من الالتزامات التي قطعتها الحكومة على نفسها في ما يخص الاجتهاد على مستوى العديد من الوثائق والدراسات المصاحبة لمشروع القانون المالي لم يتم احترامها. بل وقع التراجع حتى عن بعض التقاليد الإيجابية التي تم ترسيخها منذ سنوات في ما يخص الحوار القبلي مع البرلمان حول حصيلة الميزانية وتوجهات مشروع القانون المالي المستقبلي.
كما أننا نأسف بشدة أننا، رغم اجتهادنا، لم نجد في مشروع القانون المالي المعروض أمامنا أدنى اعتبار لحجم التحديات الكبرى التي تواجهها بلادنا، واستحضار لمطالب وحاجيات الشعب المغربي، وتقدير للمرحلة الجديدة التي دخلتها بلادنا باعتماد دستور 2011.

(…)
إنه ثالث مشروع قانون للمالية نناقشه في ظل هذه الحكومة، والسمة الطاغية عموما، على توجهات واختيارات هذا المشروع أنه لا جديد يبشر به المغاربة غير المزيد من التراجعات وتأجيل الإصلاحات وعدم الالتزام بالوعود الكبيرة التي قطعها الحزب الأغلبي على نفسه في الانتخابات.
ولقد تأكد اليوم بالملموس أن لا برنامج واقعي لهذه الحكومة، وأن سياستها منبنية على الترقيع وربح الوقت واللعب على الحبال في انتظار اقتناص الفرص السياسية والانتخابية للاستمرار في الحكومة. وهو ما نعتبره في المعارضة الاتحادية سياسة بئيسة من شأنها الإجهاز على المكتسبات التي حققها المغاربة في السنين الأخيرة، وإدخال البلاد في منحى تراجعي يرهن مستقبل الأجيال اللاحقة.
ومن بين أهم المؤشرات على بؤس السياسة التي يتبعها رئيس الحكومة، طريقة تدبير أغلبيته التي أدخلها في أزمة خلال النسخة الأولى من حكومته. حيث إن بلادنا ارتهنت لشهور من جراء أطول أزمة حكومية في تاريخ المغرب، رهنت بلادنا منذ مطلع 2013، وظلت الحكومة وأغلبيتها تنكر الأزمة إلى أن انسحب أحد أكبر مكوناتها وانضم إلى المعارضة.
وبالتالي فقد اضطر رئيس الحكومة إذاك إلى البحث عن ترقيع أغلبيته المهترئة ولم يجد غير الحزب الذي كان يصنفه ضمن الخطوط الحمراء وينعته بأقبح النعوت والصفات بشكل مفتوح أمام الشعب المغربي.
وبعد كل هذه المهازل، لم يجد السيد رئيس الحكومة ما يفاخر به، غير النجاح الباهر الذي حققه بالاستمرار على رأس الحكومة. وأية حكومة: تضخم في العدد، وتفتيت للقطاعات، وتداخل في الاختصاصات، والزج بالمزيد من التقنوقراط، وإرضاء اللوبيات والعائلات…
ومع كل هذا يصر السيد رئيس الحكومة على رفض التنصيب البرلماني لهذه الحكومة العجيبة، في تأويل تبسيطي ومختزل لمقتضيات الدستور، مع أن حزب رئيس الحكومة لم يكف يوما عن التبجح بالتأويل الديموقراطي للدستور.
لكن يظهر جليا اليوم أن الحزب الأغلبي يعتبر الدستور وثيقة للاستئناس بعدما تراجع عن اختصاصاته، ودخل في منطق التأويل السطحي عوض التأويل الديموقراطي للدستور. كما يعتبر الديموقراطية سلما للوصول إلى الحكومة، بعدما استعمل ترسانة من الوعود للفوز في انتخابات 25 نونبر، وهو يضعها اليوم في الرف ويختار سياسة إرضاء اللوبيات التي بيدها استمراره على رأس الحكومة.

(…)
اسمحوا لي قبل أن أدخل في معالجة فرضيات وتوجهات مشروع قانون المالية أن أبدي مجموعة من الملاحظات الأساسية:
الملاحظة الأولى: أن الحكومة استمرت في تعتيمها على المؤسسة البرلمانية، ورغم المحاولات المتكررة لأعضاء مجلس المستشارين على ضرورة توفر المعلومة بالدقة والشمولية والفعالية اللازمة، إلا أن البرلمان يناقش اليوم مشروع الميزانية في شروط أقل شفافية مما كان عليه الأمر قبل دستور 2011 .
الملاحظة الثانية: أن اطلاعنا الأولي على مشروع القانون يفشي منذ الوهلة الأولى غياب تصور واضح ورؤية بعيدة أو متوسطة المدى، باعتبار الميزانية أداة لتحقيق السياسة الاقتصادية والاجتماعية ولتحقيق التنمية…
وهو ما يؤكد أن الحكومة الحالية لا رؤية ولا تصور استراتيجي لديها للإصلاح ولا لتفعيل شعاراتها الانتخابية والسياسوية الفضفاضة. نقول هذا الكلام بكل موضوعية لأننا بصدد دراسة ثالث مشروع ميزانية لهذه الحكومة المدعية.
الملاحظة الثالثة: أن هذا المشروع هاجسه البحث عن الحلول السهلة لتحقيق المداخيل وبطرق تبسيطية لا تراعي المنطق العام الذي يسير به الإصلاح منذ سنوات وتراكماته، وبالتالي يتجه المشروع نحو المنطق المحاسباتي عبر توجهه نحو الضرائب السهلة التحصيل وإلى فئات تعاني أصلا من الثقل الضريبي وتنتظر الإصلاح منذ سنوات.
الملاحظة الرابعة: أن طبيعة مشروع هذا القانون هجينة وغير متجانسة، فهو بدون مرجعية وبدون أساس منطقي، حيث يظهر أن الحكومة حائرة في الاختيار. فلا هي اتجهت نحو النموذج الليبرالي، ولا هي اختارت النموذج الاجتماعي التضامني، وحتى الحديث عن الترشيد والتقشف يبقى مجرد كلام للاستهلاك لأن آثاره غير موجودة على مستوى التدبير. فنفقات التسيير ظلت في ارتفاع وكتلة الأجور زاد تضخمها بنسبة 6 % ونفقات التجهيز ارتفعت ب3 % .
الملاحظة الخامسة: وهي أن مشروع هذا القانون يفضح تيهان الحكومة وحيرتها وهي على مشارف سنتها الثالثة في التدبير الحكومي. والمؤشر الدال على ذلك أن الإجراءات المالية التي أتى بها مشروع القانون غير مرتبطة بشكل عضوي بالهدف الاقتصادي والأثر الاجتماعي الذي هو الغاية، ومن هنا تأكيد أن هذه الحكومة لا رؤية استراتيجية لديها في تدبير السياسات العمومية على المديين المتوسط والبعيد.
الملاحظة السادسة : أن مشروع هذا القانون أثبت فشل الحكومة حتى في نهج الاستمرارية، وهو ما بدأ ينكشف منذ السنة الماضية، لكنه اليوم يبرز بشكل لا يمكن للحكومة ادعاء أنها سائرة في طريق استكمال الأوراش والإصلاحات.
كل هذه الملاحظات وغيرها مما لم نر داع للإطناب فيه، يؤكد بالملموس أن الحكومة سواء في نسختها الأولى أو الثانية لم تصل بعد إلى مستوى المسؤولية السياسية في اختيار النموذج التنموي اللائق لتدبير الشأن العام ولتوجيه المالية العمومية نحو الاختيارات الجديدة التي تفرضها الظرفية الراهنة.
كما أن هذه الحكومة عجزت عن تقييم النموذج التنموي الذي تم اختياره منذ ما يقارب العقدين من الزمن، وبالتالي تحيين الأهداف التي تحتاجها بلادنا في ظل التحولات الجديدة.

(…)
لقد بح صوت المعارضة في المطالبة بالإشراك وبإعمال المقاربة التشاركية الواردة ضمن أهم مقتضيات دستور 2011، الذي من المفروض أن يكون الإطار الأساسي المحدد للحياة السياسية والموجه في تدبير الشأن العام.
ومشروع قانون المالية من أهم المحطات السنوية لتقييم السياسات العمومية وتحديد الاختيارات طيلة السنة أو أكثر. وقد ألححنا على الحكومة طيلة السنتين الماضيتين في إشراك المعارضة في النقاش القبلي لفرضيات مشروع القانون.
فعلى سبيل المثال لا الحصر، كررت الحكومة مرارا أن إصلاح القانون التنظيمي للمالية جاهز وأنها ستعتمد في تفعيله المقاربة التشاركية. وقد ساهمنا من موقعنا في المعارضة في دراسة مسودة المشروع انطلاقا من قناعتنا أن القانون التنظيمي للمالية سيساهم في الرفع من دور البرلمان في مناقشة الميزانية، بالقدر الذي سيفيد الحكومة في تعزيز الشفافية وإعادة الاعتبار لمبادئ الميزانية خاصة مبادئ الوحدة والشمولية وعدم تخصيص المداخيل مع إعادة النظر في طريقة المناقشة ونوعية التقارير المصاحبة.
لكننا اليوم نناقش هذه الميزانية في ظل القانون التنظيمي المتقادم للمالية، رغم أننا أمام دستور جديد يتجاوز بكثير سقف الدساتير السابقة، ورغم وعود الحكومة أن يكون مشروع القانون التنظيمي للمالية جاهزا منذ 2012 .
وفي نفس السياق، فقد سبق للوزير المكلــف بالشؤون العامة والحكامة أن صرح أمام البرلمان من خلال مناقشة موضوع المقايــسة، الذي اعتمدته الحكومة، بأن صلاحية تحديد الفرضيات وضبطها، وخاصة في ما يتعلق بتحديد متوسط سعر البترول تعود للبرلمان، لكن هذا الأخير لم يناقش ولم يحدد ولم يشرك حتى في تحديد تلك الفرضيات.
ولطالما نبهنا الحكومة في السنتين الماضيتين إلى هشاشة الفرضيات التي اعتمدتها في مشاريعها. ويتعلق الأمر بهشاشة فرضيات النمو والعجز والمقاصة. ومع ذلك فإن عناد الحكومة الأعمى، دفعها لتكرار نفس الأخطاء في وضع الفرضيات.
فلا المحيط الدولي أي الطلب الخارجي ولا الإجراءات العمومية في ذات القانون المالي يمكن أن ييسر تحقيق بعض الفرضيات من قبيل ما يتعلق بنسبة النمو.
إننا بإزاء مشروع قانون مالي يكاد يكون مجرد ميزانية محاسباتية، خارج أي استراتيجية للإصلاح، ولذلك لا نجده ينخرط بالفعل في الإصلاحات الهيكلية الكبرى.
وهو مشروع أحدث قطيعة صارخة مع البرنامج الحكومي، حيث معدلات النمو لن تبلغ ما تم تسطيره، وقد تجاوزنا نصف الولاية، مما يتطلب معه إدخال التصحيحات اللازمة. هذا دون الرجوع للبرنامج الانتخابي الهزلي للحزب الأغلبي الذي على المغاربة أن يحاسبوا عليه هذا الحزب وحكومته.

(…)
إننا أمام مشروع قانون مالي تراجعي، بمستوياته الثلاثة: نفقات الاستثمار، والمداخيل، والنمو، ناهيك عن أنه مشروع بدون أولويات واضحة…
فهو يتخبط في تدبير ارتجالي وعشوائي لما سبق من برامج وأوراش، ولا رؤية له للخروج من عنق الزجاجة. إنه باختصار مشروع سيتم بمقتضاه تجميد الإصلاحات وتكريس التراجعات على جميع المستويات المالية والاقتصادية والاجتماعية…
فالمداخيل بكل أصنافها ستعرف انخفاظا بـ 6،7 % ، باستثناء الضريبة على الدخل، والضريبة المطبقة على الاستيراد، في ما سيعرف حجم الإنفاق ارتفاعا ملحوظا، في تناقض صارح مع ادعاءات الترشيد والتقشف.
وهو ما يعني أن المشروع يحمل ذاتيا عوامل الاضطراب والضبابية التي يمكن أن ترهن مستقبل البلاد، حيث أن نفقات التسيير تمثل وحدها نسبة 65 % من بنية الميزانية، وتفوق 199 مليار درهم.
ومن بين جوانب الظل التي حاولت الحكومة تعتيمها، هو نسبة العجز التي ستسجل في نهاية السنة الجارية… حيث قدمت فرضيات المشروع بشكل يتناسب، ورغبة الحكومة في حصر العجز، في نسبة 5 % ، في حين أننا لو افترضنا فقط أن معدل برميل النفط سيصل إلى 110 دولار، وهو ما يفترضه البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، فإن العجز سيمتد إلى حدود نسبة6.5 % .
هذا مع العلم أن التراجع لن يطال المداخيل، و نسبة تقليص العجز،فقط، بل إن هذا التراجع سيمس أيضا حجم الاستثمارات العمومية التي بعد تقليص 15 مليار درهم من اعتمادات الاستثمار برسم سنة 2013،  ستعرف هذه الاعتمادات تراجعا من 59 إلى 49 مليار درهم والتي لم تستثن حتى القطاعات الاجتماعية وقطاعات البنية التحتية، ونذكر في هذا الصدد بالتراجعات التالية:
ـ قطاع الصحة : 500 مليون درهم،
ـ التعليم العالي: 200 مليون درهم
ـ التربية الوطنية : 500  مليون درهم
ـ العدل : 100 مليون درهم
ـ الفلاحة: 1.2 مليار درهم
ـ الماء والبيئة:1 ملياردرهم
ـ التجهيز والنقل : 1.1 مليار درهم
وهذا ثالث قانون مالي يعرف تراجعا في ظل هذه الولاية التشريعية على مستوى الاستثمارات، إذ تم اقتطاع زهاء 21 مليار من ميزانية الاستثمارات العمومية سنة 2012 بدون الإعلان عن ذلك، حيث لم يتم تنفيذ سوى 65 % من حجم الميزانية المقررة.
أما بخصوص فرضية معدل النمو المرتقب في 4،2 % فهو أيضا سيكون تراجعيا عن السنة الجارية التي قد يتراوح فيها ما بين 4،6 % و4،8 %، وهي نسبة نمو تظل ضعيفة، بالإضافة إلى أنها متقلبة ومرتبطة بالظروف المناخية مما يؤشر تراجعنا في مستوى فصل نسبة النمو عن المناخ. وهو ما كانت جهود كبيرة بذلت فيه خلال حكومة التناوب.
وعموما فإن بلادنا مجبرة على تحقيق نمو يناهز 7 % بشكل قار… إذا ما أرادت أن تصبح قوة اقتصادية صاعدة وقادرة على الإقلاع الحقيقي والمستدام. بينما مؤسسات وطنية كالمندوبية السامية للتخطيط، ومركز الظرفية الاقتصادية كلاهما يحصر معدل النمو ما بين 2 % أو 3 %، وهو ما سيشكل بدوره تراجعا.

(…)
لقد حذر الفريق الاشتراكي مرارا من مخاطر اللجوء من جديد إلى الاستدانة كحل سهل للتمويل، في حين أنه ينطوي على خطر فقدان بلادنا للقرار السيادي إزاء المؤسسات المانحة.
ورغم ادعاء الحكومة في كل المناسبات التي واجهناها فيها بهذه الحقيقة أنها لن تستدين، فإنها اليوم اختارت عكس ادعائها نهج أسلوب الاستدانة المفرطة.
ففي آخر هذه السنة 2013 نتوقع أن المديونية ستصل إلى 62 % من الناتج الداخلي الخام أي حوالي 500 مليار درهم متجاوزة بذلك الخط الأحمر الذي لا ينبغي أن يتجاوز 60 % .
إن هذا الاختيار يمس السيادة الوطنية أولا، ويؤثر على صورة البلاد وعلى وضعها الدولي السياسي والاقتصادي ثانيا، ويرهن مستقبل الأجيال المقبلة ثالثا.
وعلى الحكومة أن تدرك أنها تدك اليوم ما بنيناه طيلة سنوات من تجربة حكومة التناوب حيث ضحينا بشعبية حزبنا وبالعديد من إمكاناته الانتخابية في سبيل تحصين بلادنا وصون قرارها السيادي وذلك بتخفيض الدين الخارجي من 24 مليار إلى 9 مليار دولار، بينما نتقهقر اليوم إلى 28 مليار دولار، فيا لها من مفارقة.

(…)
لقد اختزلت الحكومة إشكالية الرفع من الموارد العمومية في اختيار الحلول السهلة عن طريق الزيادة في تضريب الفئات المثقلة بالضرائب. حيث إن مشروع القانون يعتمد على الرفع من الضريبة على القيمة المضافة التي يتوخى زيادة مواردها بنسبة 3 %، والضريبة على الدخل التي يعول على ارتفاعها ب 7 % وهي حلول سهلة لزيادة الموارد علما بأن الزيادة في الضريبة على القيمة المضافة هي زيادة في الأسعار وبالتالي إثقال لكاهل المستهلك.
إننا في الفريق الاشتراكي نجدد دعوتنا للحكومة بالكف عن هذا النهج الترقيعي والهروب من الإصلاحات الأساسية وعلى رأسها الإصلاح الضريبي بما يمكن من إعمال العدالة الجبائية ومحاربة التملص الضريبي … ومن المستغرب أن الحكومة تنكرت من خلال مشروعها حتى لتوصيات المناظرة الوطنية حول الإصلاح الضريبي رغم تواضع توصياتها.

(…)
إن الهدف من كل سياسة مالية واقتصادية هي الإستجابة للحاجيات الإجتماعية وتطوير مؤشرات التنمية المجتمعية، والنهوض بالإنسان المغربي وتحقيق رفاهيته والاعتناء بعيشه وبصحته…
وبالتالي فإن القطاعات الاجتماعية التي تلتهم 56 % من الميزانية العامة لا تنعكس على الواقع المعيش للمغاربة بما يحسن حياتهم ويستجيب لحاجياتهم ومتطلباتهم. والدليل على ذلك أن المغرب اليوم في المرتبة 130 من أصل 187في مؤشر التنمية البشرية حسب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
إن الإشكالية المطروحة لا تتعلق برصد الاعتمادات بل في اختيار السياسات وفي نهج أسلوب الحكامة في التدبير.. وما نظن أن الحكومة الحالية التي كرست تداخل الاختصاصات، وزادت من تشتيت الموارد… أنها ستكون قادرة على رفع تحدي ربط الاعتمادات بالمردودية، وباختيار الوسائل الناجعة لتحقيق النتائج بأقل تكلفة…
إن الاعتمادات الضخمة حينما يتم تقسيمها في شكل حصص موزعة على أكثر من قطاع أو صندوق دون خيط ناظم يهيكل السياسات ويدمج التدخلات ويخلق الالتقائية بين البرامج والمشاريع… فإن كل ذلك ينعكس على المردودية والنتائج والجودة وبالتالي على الآثار المرجوة من تلك السياسات.
ولا نظن أن تشكيل الحكومة من 39 وزيرا سيؤدي إلى الحكامة والمردودية، خاصة وأن إرادة حل الأزمة الحكومية طغت على حل أزمات البلاد وأزمات المواطن المغربي الاجتماعية. فأصبح الوزراء والوزراء المنتدبون اليوم يتصارعون حول اختصاصاتهم وحدودهم وبناياتهم ومكاتبهم… أكثر مما يتصارعون حول أحسن السبل لخدمة المواطنين وتخفيف معاناتهم.
وفي هذا السياق فإننا ندق ناقوس الخطر انطلاقا من مسؤوليتنا الوطنية وموقعنا السياسي كمعارضة اتحادية، وننبه الحكومة إلى فشل المنظومة التعليمية التي تعد أساس بناء المستقبل الوطني. واستفحال الهدر المدرسي حيث أن آلاف الأطفال في سن التمدرس هم اليوم عرضة للشارع بكل ما يختزنه من مآسي ومن مخاطر الإجرام والانحراف والتطرف والعنف الذي أصبح يستشري بشكل مخيف في نسيجنا المجتمعي الوطني.
أما في ما يخص أوضاع الصحة العمومية، فإنني لن أجد أفضل من التقرير الأخير للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي والذي لم يقف فقط على حجم الخصاص المهول في العرض الصحي العمومي وفي التأطير الطبي وفي حق المواطنين في الولوج إلى العلاج… بل وقف أيضا على حجم الاختلالات في منظومتنا الصحية وحجم الفساد الذي ينخرها والاختلالات الهيكلية التي تعاني منها على مستوى البنيات والمرافق والتوزيع حسب المناطق والجهات…
ولقد كانت خيبة المغاربة كبيرة في طريقة وأسلوب تفعيل نظام المساعدة الطبية RAMED الذي جاءت به حكومة التناوب، والذي من المفروض أن يمول في جزء كبير منه من صندوق التماسك الاجتماعي. حيث أنه في الوقت الذي تدعي فيه الحكومة استفادة 5 ملايين مواطن، فإن هذا العدد لم يصل إلى النصف، مع كامل الأسف، نظرا للتعقيدات التي اعتمدتها الحكومة في ولوج المواطنين الضعفاء لخدمات هذا النظام.
فالوصولات لا تقبل من المواطنين، والبطاقات تخضع لمسطرة معقدة، والضحية في النهاية هو المواطن البسيط. هذا مع العلم أن المرافق الطبية العمومية المخصصة لاستقبال المرضى من هذه الفئات المعوزة لم تعرف أي تحسن في الوقت الذي يتزايد عليها الطلب …
أما في ما يتعلق بالتشغيل والذي يعد مؤشرا أساسيا في مدى جدية الفرضيات وصواب الاختيار… فإن مجهود الحكومة لم يستطع توفير أكثر من 3000 منصب شغل على أكبر تقدير إذا ما اعتبرنا أن ما يقارب 15 ألف منصب تصبح شاغرة بعد الإحالة على التقاعد.
أما في مجال السكن، فإن شعارات توفير السكن اللائق ، ومحاربة مدن الصفيح… وإقرار سياسة جديدة للمدن… كلها شعارات لا وجود لأي أثر لها على أرض الواقع. فمدننا تعيش تفاقم الاختلالات العمرانية وإشكاليات البنيات التحتية ومظاهر الترييف والعشوائية، والمضاربون لا زالوا يتحكمون في رقاب المواطنين الراغبين في اقتناء سكن عبر ممارسات الابتزاز… لقد تركت الحكومة المواطن والأسر المغربية لوحدها في مواجهة لوبيات العقار والسماسرة، وتركت المدن لمصيرها في مواجهة المفسدين الذين لا يهمهم إلا الربح السريع.
هذا في الوقت الذي تتعمق فيه الفوارق الجهوية وتزداد الهوة بين جهات ومناطق المغرب، ما بين الحضرية والقروية والجبلية، وما بين الشمالية والجنوبية والشرقية والغربية. هذا في الوقت الذي يستعد فيه المغرب بكل إصرار وشجاعة على دخول غمار الجهوية المتقدمة بما تمثله من تحدي في مواجهة خصوم وحدتنا الترابية، وبما تعنيه من انتقال نحو اللامركزية واللاتمركز والانفتاح من موقع قوة على التحولات التي يفرضها العالم الجديد.
فهل بهذه المعطيات المخزية اجتماعيا واقتصاديا وتنمويا وتدبيريا… سنتمكن من مواجهة هذه التحديات؟ وهل بهذا المنظور الحكومي الارتجالي والمتذبذب سنعطي لبلادنا قوة الإرادة في رد مناورات الخصوم؟ وهل بهذا التراجع عن الالتزامات والإصلاحات ستستطيع بلادنا تحقيق التوازنات وسد الخصاص الاجتماعي وتمنيع الاقتصاد الوطني وبناء المشروع المجتمعي المنشود؟
إننا نطرح هذه التساؤلات الحارقة لنستفز الحكومة لتكف عن تقاعسها في إعمال الجهوية المتقدمة وانتظاريتها في إخراج النصوص المتعلقة بها في إطار تشاركي، مع ما يتطلبه ذلك من إصلاح للإدارة واللاتركيز… وهو التقاعس الذي نؤدي ثمنه من تأخر بنائنا الديموقراطي وما سيكون له من آثار في بناء نموذجنا الاقتصادي والاجتماعي الوطني.

(…)
لقد سبق لنا إعطاء عنوان لمشروع هذا القانون خلال يوم دراسي بمعية إخواننا في حزب الاستقلال، وهو “تجميد الإصلاحات وتكريس التراجعات”.
وبالفعل فإن هذا الشعار خير معبر عن حقيقة مشروع قانون المالية المعروض علينا.
فقد شكل إصلاح نظام المقاصة محورا أساسيا في البرنامج الحكومي وفي وعود رئيس الحكومة ومجموعة من الوزراء. لكن الحكومة لم تتحل بالشجاعة السياسية لإطلاق حوار وطني حول هذا النظام الذي أضحى يشكل معضلة وطنية، حيث أن التأخير في إصلاحه يكلفنا من 20 إلى 30 مليار درهم سنويا، هذا مع العلم أن المستفيدين من صندوق المقاصة ليس المواطنون البسطاء.
لكن الحكومة، رغم هذا الواقع المر، اختارت اللجوء إلى إجراء معزول يتمثل في مقايسة أسعار المحروقات على الأسعار الدولية، وهو ما نعتبر أنه ليس حلا لإشكالية نظام المقاصة الذي تتهرب منه الحكومة ولا تريد تحمل مسؤوليتها السياسية بكل شجاعة في إصلاحه.
أضف إلى هذا إشكالية صناديق التقاعد التي كانت من ضمن الوعود الأساسية للحكومة باعتبارها ضمن أولويات الإصلاح، خاصة أمام تنامي مخاطر العجز الذي يتهدد هذه الصناديق والذي ما فتئ مسؤولوها ينبهون إليه.
لكن مشروع القانون المالي لا يتضمن أي إجراء لمعالجة هذه الوضعية الخطيرة التي تهدد مجالا اجتماعيا حساسا لا يهم الفئات المتقاعدة اليوم، بل يهم أجيال المتقاعدين المستقبليين.
أما إصلاح العدالة، فقد مللنا من تكرار رئيس الحكومة ووزير العدل شعارات الإصلاح وقرب أجرأتها، في الوقت الذي لا يزيدون وضعية قطاع العدل إلا تأزما من جراء المنهجية الاستفزازية التي يسلكها وزير العدل في مواجهة كل مكونات القطاع من قضاة ومحامين وكتاب ضبط. إلى درجة أن كل هذه المكونات خرجت للشارع محتجة على مقاربة الحكومة في تعاملها مع القطاع في سابقة لم يعرف المغرب نظيرا لها.
فعوض أن يجلس وزير العدل إلى طاولة الحوار من أجل تضييق الخناق على الفساد والمفسدين، لجأ إلى رد الفعل بالانفعال والغضب واختار العناد بكل إصرار.
إن الإصلاحات المؤجلة كثيرة، والإشكاليات المتراكمة على اقتصادنا الوطني، وعلى كياننا الاجتماعي أكبر وأكثر من أن نحصيها في هذا الحيز الزمني الضيق.
ولذلك فإننا في الفريق الاشتراكي نلخص ملاحظاتنا للحكومة في ضرورة استئنافها للإصلاحات التي جمدتها منذ سنتين، وضرورة مراجعة تراجعاتها في ما يمس القدرة الشرائية للمواطنين، وفي ما يخص التراجع عن الحوار الاجتماعي وما يشكله ذلك من عودة الاحتقان وتهديد استقرار بلادنا الاجتماعي بعد المجهود والتضحيات التي بذلناها في حكومة التناوب لاستتباب الحد الأدنى من السلم الاجتماعي.

(…)
إن الخطاب الملكي الأخير أمام البرلمان كان واضحا في توجيه الحكومة للإسراع في إعداد القوانين الانتخابية بما يجعل بلادنا تتجاوز المرحلة الانتقالية لما بعد دستور 2011، وبما يخلق انسجام مؤسساتنا مع مقتضيات الدستور الجديد.
وانطلاقا من ذلك، علينا أن نستوعب بكل وعي ومسؤولية أننا مقبلون على انتخابات محلية وجهوية ومهنية ستعيد ترتيب المشهد السياسي والمؤسساتي والترابي الوطني بما يعطي للدستور شرايين حية في التراب الوطني. ومن مصلحة المغاربة أن تتم هذه العملية في ظروف صحية وشفافة بما يجعلها تعطي نفسا جديدا للحياة السياسية المحلية ببلادنا.
ولذلك فإننا نثير انتباه الحكومة إلى أن منهجية الاستفراد والإقصاء التي ألفناها في تعاملها في عدة مناسبات من ضمنها الحوارات المختلفة التي أطلقتها، لن تكون منتجة ولا إيجابية في بناء المرحلة السياسية المقبلة على قواعد النزاهة والمصداقية.
فعلى الحكومة إذن أن تتحمل مسؤولياتها وأن تعتمد مقاربة تشاركية منتجة وفعالة، لأن هذا الورش الإصلاحي الوطني هو عمل جماعي تشاوري وتوافقي يهدف إلى إرساء معالم المغرب المستقبلي ولا مجال للاستفراد أو المباغتة أو الاصطناع في أي مرحلة من مراحله.

(…)
لم يبق لي في هذا الحيز الزمني الضيق إلا أن المكاسب التي حققتها بلادنا في السنتين الأخيرتين داخل المنتظم الدولي، حيث حظيت بلادنا بالثقة على رأس هيآت مثل البرلمان الدولي والوضع المتقدم مع أوروبا ومثل عضويتنا بمجلس الأمن مما أصبح يفرض علينا جهودا مضاعفة لتعزيز تلك الثقة بنتائج تؤكد أننا دولة عريقة ومندمجة في المنظومة الكونية بقيمها ومقوماتها.
وقد تعزز هذا الوضع بالزيارات الملكية الناجحة لكل من دول الخليج العربي، وعدد من البلدان الإفريقية الشقيقة، وأخيرا الزيارة الملكية المهمة والناجحة للولايات المتحدة الأمريكية وما تمخض عنها من بيان مشترك يؤكد على توابثنا الوطنية.
كما نهنئ أنفسنا على النصر المهم الذي حققناه بعد تصويت البرلمان الأوروبي على اتفاق الصيد البحري الجديد الذي حرص المغرب بكل مؤسساته على أن يكون وفق الشروط السيادية للمملكة المغربية.
إن هذا التقدم في وضعنا الدولي لا شك يزعج خصوم وحدتنا الترابية الذين يتحينون الفرص لإضعافنا والنيل من وحدتنا، ويصرفون أموال الريع النفطي في محاربتنا ديبلوماسيا وإعلاميا…

ونتوجه للحكومة من جديد، لندعوها إلى استحضار الدعوة الملكية الصارمة خلال خطابه في الذكرى 38 للمسيرة الخضراء بالتعبئة العامة والجماعية في هذه القضية. وهي المناسبة التي تجعلنا نحث الحكومة على ضرورة الإسراع في التعامل الإيجابي والمثمر مع توصيات المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي حول النموذج التنموي الجديد في أقاليمنا الجنوبية.

(…)
لقد تعاملنا بكل مسؤولية في تعاطينا مع مشروع هذا القانون المالي خلال دراستنا المفصلة والمستفيضة لمواده داخل لجنة المالية بمجلس المستشارين.
ولقد تأكد لنا استخفاف الحكومة باقتراحاتنا وإضافاتنا وتوصياتنا التي توحدت فرق المعارضة الخمسة في اجتهاد غير مسبوق بمجلس المستشارين.
ولقد حاولنا في فرق المعارضة من خلال تعديلاتنا المشتركة أن نوثق مجموعة من الرسائل الواضحة:
ـ أن الحكومة لا رؤية اقتصادية أو اجتماعية لها من خلال مشروع قانون المالية هذا.
ـ أن الحكومة تستهلك الشعارات حول محاربة الريع والفساد بينما تكرسهم على أرض الواقع من خلال المكافأة المضاعفة لمستغلي ريع النقل، ومن خلال إبراء ذمة الأموال المهربة…
ـ أن الحكومة عاجزة عن مباشرة أي من الإصلاحات: المقاصة، التقاعد، الجبايات، منظومة الأجور…
ـ أن الحكومة لا سياسة اجتماعية لديها: مناصب الشغل، الصحة، التعليم،…
ـ أن الحكومة سائرة نحو حل مشاكلها التدبيرية على حساب رفع الأسعار وتضريب الفئات المتوسطة والضعيفة…
وقد واجهت الحكومة كل اقتراحاتنا وتعديلاتنا بالرفض والجحود، بل استعملت الفصل 77 من الدستور بشكل مفرط في مواجهة تعديلاتنا، بعدما لا حظت قبولها من طرف أغلبية أعضاء اللجنة بمجلس المستشارين.
ولكل هذه الاعتبارات وغيرها، سياسية واقتصادية واجتماعية ومؤسساتية… فإننا في الفريق الاشتراكي نرفض مشروع هذا القانون المالي.

12/23/2013