صدام فرعيات الثقافة الإسلامية يرسم ملامح جديدة للشرق الأوسط

 

المنطقة العربية تأثرت بمجمل التغيرات السياسية بعد ثورات الربيع العربي، التي استثمرها الغرب، مستغلا خطر تغلغل الصراع المذهبي والطائفي في دولها.

 

عن صحيفة العربعبد الواحد مشعل [نُشر في 24/12/2013، العدد: 9419،

لاشك أن التداعيات الخطيرة التي تشهدها المنطقة العربية، ولاسيما في مشرقها، تدفعنا دفعا، إلى صياغة مقولة باتت حيثياتها، تشغل بال العرب جميعا وهي: “صدام فرعيات الثقافة الإسلامية ترسم ملامح جديدة للشرق الأوسط في القرن الواحد والعشرين”.

إذا كانت مقولة صومائيل هنتغتون تنطلق من زاوية عالمية في تصوير الصراع القادم بين ثقافة الشرق، متمثلة في الثقافة الإسلامية والثقافة الصينية من جهة، وثقافة الغرب من جهة أخرى، فهي تضعنا في منعطف فكري خطير وضخم إعلاميا، للترويج للعولمة بعد غياب القطب الشيوعي التقليدي، لذا فإن دواعي الفكر، تقودنا إلى قراءة الأحداث ومساراتها المتحركة وفق أيديولوجيات إسلامية رئيسية، بعضها يتخذ من التصادم مع الآخر، طريقا للتعامل، إنها مشكلة قطبين سياسيين رئيسين بنى كل منهما تصوراته التجريدية على ماض بعيد، تبدلت بعده أحوال أمم وشعوب، وهي مسألة تحرك المنطقة العربية، وتضعها في أتون صراع مناطقي وإقليمي، ستجني ثماره إسرائيل والغرب ليعوض هذا الصراع المفتوح، ما عجزت عن تحقيقه المتاهات التي افترضها هنتغتون، بل ويقصر الطريق على ما افترضه من صراع ثقافي، أو كما سماه الصدام، ليكون أشد وطأة على حضارة العالم المعاصر.

تهديد المنطقة العربية

تحدثنا قبل سنتين عن فرضية “صدام فرعيات الثقافة الواحدة وانعكاسها على التعاون الخليجي المشترك”، ونظرا إلى المخاطر المحدقة بالمنطقة العربية، دعتنا الحاجة اليوم إلى صياغة مقولتنا الحالية، لاسيما بعد احتدام الصراع في سوريا وأخذه مسارا طائفيا خطيراً بات يهدد منطقة الشرق الأوسط بكاملها، ونحن نقرأ ونسمع اتساع رقعة ذلك الصراع إلى لبنان نسبياً، وربما يتسع ليشمل دولا عربية أخرى، ليكون الصدام الثقافي العربي – العربي، تحت غطاء المد الطائفي، وأطرافه الإقليمية والدولية، من حيث ندري أو لا ندري، فرصة كي تتحقق تنبؤات هنتغتون ذات الإطار العالمي، في نطاق إقليمي يغني عن الأول بأقل الخسائر، وتكون مردوداته الاستراتيجية على الغرب والشرق معا، أكثر فائدة وأفضل إخراجاً. لاسيما وأن الثقافة الإسلامية في ظل الانحطاط الحضاري العربي تعيش أسوء مراحلها وأعقد أزماتها.

فبدل أن تأخذنا إلى الوحدة العربية أو الإسلامية في عالم جديد، أصبح اختلاف رؤى فرعياتها سبباً من أسباب صراع الإرادات السياسية المختلفة في المنطقة ومحيطها الإقليمي، بطريقة لم يشهد التاريخ الإنساني لها مثيلاً من قبل، فنحن اليوم نتصارع وربما نصطدم في ما بيننا على أشياء افتراضية صاغتها السياسة على شكل مشاريع إقليمية قد تكون خيالية، معتقدين أو غائب عن أذهان بعضنا، أن العالم الذي نحيا فيه سيتركنا نحصد ثمارها الافتراضية، وقد غاب عن أصحاب المنهج الأفلاطوني “أي أصحاب تلك المشاريع″ أنهم يفكرون خارج منطق التاريخ السياسي المعاصر.

استغلال الصراع المذهبي

مع تراجع الحظوة الأميركية في المنطقة العربية نسبياً، وتفاقم الأوضاع الاقتصادية في الغرب، ظهرت قوى عالمية أخرى، مثل الصين وروسيا الحديثة، لتجعل هذه القوى من اصطفافها إلى جانب هذا الطرف أو ذاك، ذريعة لتحقيق مصالحها الاستراتيجية، وهي تتمدد في منطقة الشرق الأوسط لتساهم في رسم خريطة الشرق الأوسط الجديد، وكان المهم في الأمر بالنسبة إليها، تحقيق مكاسب في المنطقة العربية، تساعدها في أن تكون متوازنة مع الغرب أو غالبة له، مستفيدة ومستثمرة صراع فرعيات الثقافة الإسلامية سنية- شيعة ( طبعا ذات التسويق السياسي وليس المعبر عن ضمير الجماهير العريضة في التعايش السلمي من كلا الفريقين) وأذرعهما السياسية التي يشكل بعضها فرعيات ثقافية صدامية، تتصاعد في تطرفها وغلوها، ليكون الوطن العربي ضحية لجنونها، لاسيما في مجال تفتيت دولة، إلى دويلات طائفية ومناطقية وقبلية، وعرقية ودينية.

ما لا يمكن إعفاء نظمنا القومية من تدهور الأوضاع المجتمعية للإنسان العربي، فقد أدخلته في جولات داخلية وخارجية خاسرة، لم تكن لكثير منها مبررات حقيقية، لتكون النتيجة التي حصدها الإنسان العربي المعاصر، مزيدا من الفقر والتهميش.

ثورات الربيع العربي

وإذا كان الربيع العربي جاء ردا على ذلك التدهور، ومع تقديرنا لتضحيات الشباب العربي الغالية، إلا أن أغلب تلك الثورات، استثمرتها الاتجاهات الدينية التي لا تمتلك الرؤى والتجربة في إقامة النظام الديمقراطي الذي يروج له العالم الغربي، والأميركي تحديدا، مع إدراك هذا العالم جيدا أن الديمقراطية بمفهومها الحضاري لبناء الدولة المدنية على ضوء ما تعيشه المنطقة من انقسامات طائفية وقبلية لا يمكن أن تستقيم فورا، إنما تتطلب وقتا طويلا لتثبت أركانها، لأن أرضيتها الفكرية، لم تتمكن حتى اللحظة من الاندماج في حضارة التحول الصناعي، وعصر المعلوماتية.

فالمجتمعات العربية لم تحقق مرتكزات الصناعة الوطنية الخلاقة القادرة على تحقيق التغيرات البنيوية في أنظمتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بل إن الطبقة الوسطى التي بدأت بالتكون في بعض الدول العربية مثل مصر والعراق وسوريا في نهاية القرن التاسع عشر، وخلال القرن العشرين، لم تعد ولودة في المرحلة الحالية، نظرا إلى هجرة كثير منها إلى الغرب، ومناطق أخرى في العالم، إبان فترة المد الثوري العربي وسيادة الاشتراكية، وقوانينها الشكلية المقلدة للنموذج الاشتراكي، في خمسينات وستينات وسبعينات القرن الماضي.

وبالتالي أدى ذلك إلى غياب الأسس الفكرية اللازمة لبناء نموذج طبقي سياسي وثقافي منتج، ما أتاح أمام بعض العسكر ذي الامتداد الثقافي الريفي، الوصول إلى حكم كثير من البلاد العربية، مكونا نظما أبوية تسلطية (نظم سياسية دكتاتورية) مارست القهر ضد الجماهير، وعزلتها عن اتخاذ القرارات في أمور مجتمعية واقتصادية وسياسية مصيرية، وساقتها إلى برامج تعبوية بدلاً من تأهيلها إنتاجياً.

قوى جديدة

لذا أصبحت الفرصة سانحة أمام قوى أخرى، بدأت تظهر على الساحة السياسية العربية في المرحلة الحالية، الكثير منها لا يمتلك الشروط الموضوعية لبناء أنموذج ديمقراطي مدني ناضج، كما لا يتوفر لديه الحد الأدنى من أساليب التنظيم الاجتماعي والسياسي لحظة غياب القانون في مجتمعاتها، فضلا عن الاعتماد على مليشياتها أو التي تتحالف معها في السيطرة على مقاليد الأمور، والتي لا يمكن أن ترتقي إلى مستوى تحقيق الدولة المدينة التي يروج لها الغرب أو يباركها، فانظر إلى مصر وتونس واليمن وليبيا، وما يجري من صراع في سوريا وعنف وإرهاب في العراق، تجد مسألة الوصول إلى الدولة المدنية بالسرعة التي يتوقعها الشباب العربي، تكاد تكون مستحيلة، على الأقل خلال القرن الحالي.

والشيء المخيف في مثل هذه الأجواء، نشوب صراع مرير بين فرعيات الثقافة الإسلامية، لاسيما وأن المنهج الأفلاطوني لازال مسيطرا على بنيتها العقلية، التي يعتقد كل طرف من أطراف تلك الثقافة أن الحق إلى جانبه، دون قدرته على اللجوء إلى المنهج العلمي القائم على الفحص والحوار، وغربلة الماضي وتخليص الأمة مما علق بتاريخها من أفكار تروج وتدفع إلى الصدام بين فرعيات ثقافتها المعاصرة، وهي إشكالية معقدة بات الغرب يميل إلى ترجيح فاعليتها وينتظر استثمار نتائجها، ما جعله يعدل من سياساته التي مالت قبل ذلك إلى تجيش الجيوش كما حدث في العراق، ووجد أن الانقسامات الثقافية بين المسلمين في المرحلة الحالية، كفيلة بالقيام بالدور المطلوب على أحسن ما يمكن.

الشرق الأوسط وإسرائيل

إذا ما حصل مثل ذلك الصراع فإن خارطة الشرق الأوسط ستتغير بطريقة دراماتيكية، وسيخسر الجميع مناطق نفوذه الأصلية، وتضيع ثرواته، وتزرع الكراهية بين الأجيال القادمة، وسيكون مستقبل المنطقة العربية بل منطقة الشرق الأوسط بكاملها في مهب الريح، وقد يتشكل وفق مفاهيم جديدة، وصياغة أسلوب حياة يتقاطع مع حضارتنا وثقافتنا بجوانبها الإيجابية، وعندئذ لا يمكن تغيير واقع الحال بسهولة، وإرجاع الأمور إلى نصابها، إلا بنهضة حقيقية تنقل المنطقة إلى تحول بنيوي إنتاجي، وهذا ضرب من الخيال، إذا علمنا أن الإنسان الذي سيخرج من أتون هذا الصراع سيكون متعباً، منهكاً ومتفرجاً على عالم تتصاعد فيه الإنجازات العلمية والتكنولوجية بشكل مذهل، وعندئذ سيكون النموذج الحضاري المنتج القوي، هو إسرائيل التي تعمل بكل هدوء على بناء نموذجها الرأسمالي والديمقراطي، وستكون بمثابة المركز الذي يستقطب التوابع له من كيانات، ودويلات صغيرة مبعثرة، تشكل خريطة الشرق الأوسط الجديد.

كل هذا سيحصل إذا لم يتدارك المسلمون والعرب أمرهم، وإذا لم يلجؤوا إلى الحوار وغربلة الماضي والخروج بحلول وسطية تعمل على صياغة تاريخ تقبله الأمة، وصياغة مفاهيم حضارية وتنموية جديدة تتجه بموجبها هذه الأطراف إلى داخل مجتمعاتها، لتقوم بالتنمية، وتعمل على تحديث مناهجها وأيديولوجياتها بما ينسجم مع التغيرات الجوهرية التي أصابت العالم بعد الثورة الصناعية، والثورة المعلوماتية لاحقاً، والتي للأسف الشديد بقينا، نحن العرب والمسلمين خارجهما، ليس لسبب ديني محض، وإنما لسبب ثقافي وعدم القدرة على التنظيم والاستجابة الفورية لعوامل الإنجاز الحضاري، وأعتقد أن الإسلام كحضارة لا يتقاطع مع تحديث حياة الأمة، بطريقة تحافظ على أصولها، إنما المشكلة الأساسية في الإنسان الذي جعلته الأنظمة السياسية التي حكمت البلاد الإسلامية والعربية متخلفاً ومستسلماً، والذي يستوجب على القائمين على أمره اليوم إخراجه من قوقعته وعدم جره إلى صراعات ليس له فيها سوى الدمار والتخلف، وأولى الخطوات تتمثل في عقد مؤتمر إصلاحي وحواري بين فرعيات ثقافتنا، لرسم سياسة توعوية فاعلة تمهد لتنمية شاملة في القطاعات المختلفة، منها التعليم، وجعل التسامح والحوار، ونبذ العنف والإرهاب، منهجا تتربى عليه أجيالنا الحاضرة والمستقبلية، وبلورة فهم أرحب للسياسة الخارجية، أساسه الوعي الكامل بمصالحنا الحيوية، وموقعنا المسؤول والاستراتيجي في مداري السياسية الإقليمية والدولية، مع فهم أعمق بأن كل الأطراف شرقها وغربها، تسعى من أجل مصالحها، وعلينا اتخاذ موقف شجاع إزاء كل ذلك، ولا نكون بعد اليوم، أداة بيد أحد.