الحكم الرشيد الصالح والمسألة الديمقراطية

لا تشبع مجتمعات أرض العرب من إدخال الإنسان العربي في متاهات التردد والخوف من خلال مناورات تشويه المفاهيم والواقع. آخر المناورات هي المحاولة الحالية المستميتة، القائمة على استغلال انتهازي خبيث للعثرات

التي تواجهها ثورات وحراكات الربيع العربي، لإقناع الإنسان العربي بأن الحكم الرشيد الصالح يمكن أن يوجد دون أوجاع دماغ الديمقراطية ومشاكلها.

ويجرى الحديث ليل نهار على منابر شاشات التليفزيونات العربية، وتدبج المقالات المدفوعة الأجر في كثير من الصحف العربية، لإرجاع عقارب الساعة وإدخال الإنسان العربي في غيبوبة الاعتقاد والرضا السابقين من أن قدره هو أن يكون واحدا من رعية تابعة محكومة بدلا من أن يكون حاكما لمسيرة حياته وقائدا فاعلا في واقع مجتمعاته.

فجأة تذرف دموع التماسيح على انفلات الأمن هنا أو تراجع السياحة هناك من أجل أن ينسى الناس ما بينته سابقا تقارير التنمية الإنسانية العربية والبنك الدولي من أن إدارة الحكم في أرض العرب كانت من أضعف وأفسد أنواع الحكم مقارنة بكل مناطق العالم الأخرى، بل من أجل أن ينسى الناس تاريخ القرون من حكم الغلبة المستبد المستبيح للأرض والثروات والسلطة. وهكذا يتراجع الملايين من العرب عن حلمهم الكبير المبهر في الحرية والكرامة الإنسانية والعدالة.

•••

لكن هل حقا يمكن أن يوجد حكم رشيد صالح دون ديمقراطية عادلة؟ والجواب القطعي هو «كلا»، إذا اعتمدنا تعريف الحكم الذي تنادى به مختلف مؤسسات هيئة الأمم المتحدة منذ أكثر من عقدين من الزمن. إنه يعنى إدارة شئون المجتمع السياسية والاقتصاد والاجتماعية والثقافية وغيرها من قبل جهات ثلاث هي سلطات الدولة الثلاث، التشريعية والتنفيذية والقضائية وأجهزتها الإدارية العامة من جهة، ومؤسسات المجتمع المدني، وعلى الأخص الأحزاب والنقابات، وكذلك فاعليات القطاع الخاص الاقتصادية والخدمية من جهة أخرى.

إن هذا الحكم، الذي يعنى حكم المجتمع لنفسه وبنفسه، لا يمكن أن يدعى صفات الرشد والصلاح إذا لم يقم على معايير وشروط وقيم لا يمكن أن تتوافر إلا من خلال نظام ديمقراطي عادل في مبادئه وممارساته. إن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وضع تسعة شروط لكي يعتبر الحكم رشيدا وصالحا. الشرط الأول هو المشاركة في الحكم التي تكون مشاركة مزيفة إن لم توجد الحريات العامة والأحزاب السياسية والانتخابات الحرة النزيهة والسلطات التشريعية المستقلة. والعديد من الشروط الأخرى المتمثلة في تواجد حكم القانون والمساواة في تكافؤ الفرص والشفافية في المعلومات وقرارات الحكم والقدرة على المحاسبة هي أيضا في صلب أي نظام ديمقراطي. وإذن فالغالبية من معايير الحكم الرشيد الصالح هي من مبادئ وممارسات النظام الديمقراطي الشامل العادل.

•••

وهكذا، فعندما يتحدث أو يكتب أبواق الردة، الراغبون في وأد أحلام الأمة، عن أنه من الأفضل، خوفا من دخول الربيع العربي في الفوضى، تسليم الأمور في الفترة الانتقالية إلى ذلك الشخص المدني والعسكري الفذ، أو إلى ذلك الحزب أو ذلك الجيش المحنك المجرب ليقود، أو إلى تلك الجهة الأجنبية لتساعد وتمهد الطريق.. عندما يفعلون ذلك فإنهم يمهدون الطريق لأن يكون الحكم في الفترة الانتقالية غير رشيد وغير صالح وغير مأمون العواقب وقابلا لأن تسرقه فلول الثورات المضادة. إنهم يكررون ما فعله من سبقهم من اعتبار البشر العرب ناقصي الفهم والإرادة والخلق، أي ناقصي الاستعداد، لحمل مسئوليات وواجبات حكم أنفسهم بأنفسهم من أجل مجموعهم. هؤلاء ينسون أن الأحداث الكبرى التي شهدها الوطن العربي إبان السنوات الماضية قد كشفت للغالبية العربية الصامتة الجوانب المظلمة في كل حكم غير ديمقراطي سواء أكان حكم العساكر أم الطوائف أم الأحزاب الشمولية أم القبائل أم العشائر.

الديمقراطية السياسية والاقتصادية والاجتماعية الشاملة العادلة يجب أن تصبح مكونا مقدسا لا مساومة عليه من مكونات أي حكم سيقوم في أرض العرب بعد اليوم. عقارب ساعة الأمة الثائرة الناهضة لا تعود إلى الوراء قط.

عن صحيفة التجديد العربي