بنكيران… الخسارة ثابتة والصواب يكون

عبد الحميد جماهري

لقد اخترنا أن نقيس السنتين اللتين قضتهما حكومة بنكيران في التسيير من زاويتين: الأولى متعلقة بالآمال التي فتحتها المرحلة التي جاءت بإخوان بنكيران وأغلبيته إلى الحكم التنفيذي. وهي الآفاق والوعود التي حبلت بها المرحلة من فبراير 2011 ، وما تلاها.
والزاوية تتعلق بما كان قد تراكم في المغرب قبل مجيئهم إلى الحكومة، والوضعية التي انطلقوا منها نحو هذه الآفاق الواعدة.
وبذلك لم يكن التساؤل مبنيا على قاعدة المعارضة وما تحمله من مواقف! بل بناء على مبررات وجود الأغلبية الحالية بتركيبتها المحافظة ..
في «خيانة الربيع»

كانت الآفاق التي انفتحت من صلب التجربة المغربية، ونفخت فيها الحرارة المرحلية للربيع العربي بعضا من روحها، في فبراير، جوابا طال انتظاره من طرف الحريصين على تقدم التجربة المغربية في الإصلاح.
وكانت قوى التحديث الديمقراطي والتقدمي ترى أن الحقل السياسي المغربي بدأ يدخل في الروتين التحكمي والروتين الوحيد الأفق. وبعد أن سجلت هذه القوى أن عجزا في الثقة قد حصل بالفعل، بعد استنفاد إصلاحات 1996 الدستورية والإصلاحات السياسية لتجربة التناوب نفسها، وأنه آن الآوان لكي ينتقل المغرب إلى مرحلة جديدة.
ودق التاريخ على الباب المغربي، وكان المغاربة في انتظاره بأن فتحوا له الباب وأفسحوا له المجال ليسير بهم إلى أفق جديد يتجاوز معيقات الممارسة السياسية في بلادنا.
وكانت روح 20 فبراير تقود المغرب برمته، مع الإقرار بأن النهر المغربي له منبعه، وأن التغيير المغربي له إرادته الخاصة غير المفروضة.
لقد كان الموعد مع التاريخ، ودخوله إلى الحرم المغربي ، إمكانية مفتوحة لكي نسير في اتجاهه ومعه، لكن اختارت الحكومة أن تدخل القهقرى إلى التاريخ وتكرس منطق ماقبل التجاوز الإيجابي لأزمة الثقة في البلاد.
لقد سارت عكس التاريخ، وهي تسير ، ومازالت بنفس الثبات في ذلك..
في الجوهر السياسي للحكومة:

أول ما خسرناه، بعد تمرينين دستوريين وسياسيين في تشكيل الحكومة هو الوجه السياسي للهندسة الحكومية.
فما سلم به الرئيس بنكيران في الحكومة الأولى، من وجود قرار حكومي قطاعي بيد من هم غير ملزمين سياسيا بتقديم الحساب للناخبين، سرعان ما اتسع في التشكيلة الثانية لكي يسود ويطبع بطابعه الفريق الحكومي. وبمعنى أوضح، تقلصت دائرة الوجود السياسي للحكومة لفائدة دائرة أخرى غير سياسية. وانحسرت رقعة اللاعب السياسي الطالع من صناديق الاقتراع لفائدة اللاعب غير السياسي الصاعد من قرارت خارج سياسية. وهو ما يعني التضحية بالحكومة السياسية، كما وردت في الدستور لفائدة توازنات كان من اللازم أن توضع خارج المعادلة.
– لم تحافظ الحكومة على جذرها الانتخابي النابع من السيادة الشعبية، وسلمت بوجود مختلط، تكون فيه القرارات السياسية الأساسية في يد من تم «تحزيبهم» لضرورات التوازن الوظيفي داخل الحكومة، أو لأجل الفعالية التقنوقراطية المحضة الخارجة من دائرة التنصيص الدستوري بربط المسؤولية بالمحاسبة.

في ضرب السيادة الشعبية
وإفراغ البرلمان

لا يشكك أحد أن أحد المكاسب الرئيسية في الدستور الحالي كان هو التنصيص على التعريف البرلماني للنظام الملكي في البلاد ، في ديباجة النص الدستوري. وهو مكسب، بدون الحديث عن تفعيله الآني أو القريب، يعطي المعنى لما أراده الإصلاح الدستوري بدفع من الملك .
وقد تابعنا كيف أن الجهاز الحكومي وضع نصب عينيه أن يفرغ المؤسسة البرلمانية من أدوارها، وذلك بمحاولة السطو على حقها في التشريع.
وبالرغم من أن الرسالة الملكية ليوم 25 نونبر قد انتصرت للموقف الذي عبرت عنه المعارضة من حصرية التشريع في البرلمان، فإن الحكومة واصلت ( في قانون تنظيمها لذاتها ) تجاوز دور البرلمان.
– في التعطيل المعلن للدستور: وذلك من خلال الإصرار على تهميش المعارضة وتقزيم دورها الدستوري، والحرص على تعطيل خروج قانونها التنظيمي، أو من خلال تجريدها مما هو لها دستوريا، كما في حالة تشكيل لجن تقصي الحقائق.. والتي كانت مذكرة الحزب الأغلبي قد نصت على أن تكون لفائدة المعارضة، وسرعان ما تراجع عنها في ما يشبه الفضيحة!!
والمفارق الآن، السيادة الشعبية وقوة صناديق الاقتراع التي يتم اللجوء إليها عند الحديث عن دور الديموقراطية التشاركية، وعن دور المعارضة، وذلك للانتصار للحكومة، لم يتم التفكير فيها ولا العودة إليها عندما يتعلق الأمر … بحقائب التقنوقراط في الحكومة!!

في سيادة القرار الوطني

يمكن للملاحظ أن يلاحظ أن القرار الاقتصادي واستقلاليته لا يكاد يحضر كجزء، أو كتعبير دولي عن القرار الوطني السيادي.
فالحكومة في ما نسجل تعتبر أن تسليم زمام الاقتصاد الوطني إلى صندوق النقد الدولي والزج بالبلاد في المديونية لا يمثل انتهاكا للقرار الوطني، في التعريف الاقتصادي.
وسلمت بذلك وبدأت تتنازل عنه، حتى وصلت في ظرف سنتين إلى ما لم تقترفه أية حكومة من 29 حكومة حكمت المغرب في 55 سنة!

في عامل الثقة والاحتقان

لم تستطع الحكومة أن تجد لدفوعاتها ومقترحاتها للإصلاح المكان الذي يليق به. وكان مفارقا أن كل المقترحات كانت مصارعة معلنة مع المعنيين بها. ففي إصلاح العدالة أو في النقاش حول المجتمع المدني أو في مشاريع القوانين الأخرى والعروض السياسية والاجتماعية الأخرى، كانت الحكومة تكرس عدم الثقة بينها وبين الفاعلين المعنيين.
لقد تأسست جبهة عملية ضد الوزير الرميد لسلوكه المتعالي والمتقوقع على نرجسية ذاتية من طرف المعنيين بالإصلاح، كما تأسست جبهة نقابية ضد التعامل الحكومي الأجوف..!
وزادت الأمور استفحالا مع القرارات اللاشعبية واللامسؤولة بالزيادات في الأسعار والزج بالبلاد في حالة ركود اقتصادي رفضتها الباطرونا قبل النقابات..
ولا تدري الحكومة أن الثقة مثل الروح، إذا ما رفعت .. لا تعود!

…عن جريدة الاتحاد الاشتراكي..

12/21/2013