“عامل البيضاء اقترح جنازة رسمية لـ عمر بنجلون رفضها الحسن الثاني”

‏25 ديسمبر، 2013‏، الساعة ‏05:50 مساءً‏

استجواب مع عبد اللطيف جبرو 

صدر بمجلة زمان العدد 3 بتاريخ  15 دجنبر 2013 

في 18 دجنبر 1975 اغتيل عمر بنجلون، أحد أبرز قيادات الاتحاد الوطني (ثم الاشتراكي) للقوات الشعبية، على يد أعضاء من تنظيم الشبيبة الإسلامية.

عبد اللطيف جبرو، كان من المناضلين الاتحاديين الذين عرفوا بنجلون وعايشوه عن قرب.

يؤكد جبرو أن التهمة التي وجهت لبنجلون حين اعتقاله في عام 1963 كانت مبنية، على أساس أن الشرطة عثرت داخل منزله على تصميم خاص بشبكة هواتف القصر الملكي، غير أن في المحاكمة تبين، من خلال مهندس الاتصالات عبدالعزيز العلوي المدغري، أن ذلك التصميم قديم وكان صالحا فقط على عهد محمد بن عرفة.

لكن، يقول جبرو، كان بنجلون من المشمولين بحكم الإعدام، قبل أن يصدر في حقه عفو عام 1965.

بمناسبة ذكرى اغتيال بنجلون، يعود جبرو في هذا الحوار إلى استحضار ذكريات حول شخصية شهيد الاتحاد الاشتراكي ولحظات نضالية وإنسانية تقاسماها معا قبل اغتياله.

 

 

متى تعرفت على عمر بنجلون؟

رأيت عمر بنجلون، لأول مرة، في أبريل 1961، عندما كنت صحافيا في جريدة “التحرير”. كان قد عين مديرا إقليميا جديدا للبريد والمواصلات في الدار البيضاء، وأشرف على تحضير رواق المغرب في المعرض الدولي الذي احتضنه المغرب آئنذ. أتذكر كيف وقف واثقا من نفسه أمام الحسن الثاني، الذي كان يزور المعرض، فسأله “ماذا تفعل هنا؟”. أجاب عمر “أنا مسؤول في وزارة البريد وأشرف على رواق الوزارة في المعرض”. فأضاف الحسن الثاني “لم أكن أعرف فيك هذا الجانب، عرفتك فقط طالبا في الحقوق يمكن أن أناقشك في القانون، أما هذا الموضوع التقني فبعيد عني”. كان لي فضول كبير في التعرف أكثر على عمر بنجلون، من خلال مثل هذه المواقف، وكانت ثقته في النفس تدهشني.

 

بعد ذلك تقوت علاقتي به في التنظيمات الحزبية، وفي 21 غشت 1963 سأصل إلى مكان عرفت في ما بعد أنه معتقل دار المقري. كان عمر، رفقة مجموعة كبيرة من المناضلين، قد غادره للتو، حيث سيقوا إلى ثكنة عسكرية لاستكمال البحث معهم قبل إرسالهم إلى السجن المركزي بالقنيطرة. حكى لي عمر بنسعيد، شقيق الأستاذ محمد بنسعيد آيت يدر، ومناضلون آخرون أن عمر عذب عذابا شديدا في دار المقري.

 

لما وصلت إلى السجن المركزي بالقنيطرة في 6 شتنبر 1963 وضعت مع مجموعة كبيرة في زنزانة كانت تسمى “حي الأشغال الشاقة”. لم يكن عمر بنجلون معنا في هذا الحي، فقد وضع رفقة الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي والفقيه البصري وعبد الرحمان المتوكل ومناضلين آخرين في موقع آخر، بعيدا عن بقية المجموعة التي كانت متهمة في المؤامرة المزعومة التي اتهمنا بالتخطيط لها.

 

اتهم عمر بنجلون بالتنصت على هواتف القصر؟

في منتصف نونبر 1963 توصل كل متهم بقرار الإحالة وصك الاتهام، وكانت التهمة التي وجهت لعمر مبنية، فعلا، على أساس أنهم عثروا في منزله على تصميم خاص بشبكة هواتف القصر الملكي. تبين أثناء المحاكمة، من خلال شهادة مهندس الاتصالات عبد العزيز العلوي المدغري، أن هذا التصميم قديم وكان صالحا فقط على عهد بن عرفة! طبعا لم تكن هذه المحاكمة عادية، فقد كان أوفقير يريد تقوية نفوذه في الدولة ولهذا كان يهمه أن يقوم بحملة قمع شملت آلاف المناضلين والمتعاطفين مع الاتحاد، بل وكثيرا من الناس لم تكن لهم علاقة بالسياسة ولا صلة بالسياسيين.

رغم هزالة الملفات صدرت أحكام قاسية في حق جل المتهمين. بدأت المحاكمة يوم السبت 23 نونبر واستمرت إلى غاية منتصف مارس 1964. كان عمر بنجلون من جملة الذين صدر في حقهم الحكم بالإعدام حضوريا، بينما صدر حكم الإعدام غيابيا في حق المهدي بنبركة، سيتم في النهاية تنفيذ الحكم في حق المهدي يوم 29 أكتوبر 1965، وفي حق عمر يوم 18 دجنبر 1975.

 

كيف تلقى عمر بنجلون الحكم عليه بالإعدام؟

أتذكر اللحظة التي اقتادونا فيها، من سجن لعلو بالرباط إلى محكمة الجنايات الكبرى منتصف مارس 64 لنستمع للأحكام الصادرة في حقنا. كنت أطل من ثقب في باب الزنزانة، فرأيت كيف أخرجوا عمر من زنزانته وبدأ يسير بخطى ثابتة واثقا في نفسه. بالنسبة لي كان مشهدا قاسيا. كيف يحلو لهؤلاء الناس أن يحكموا بالإعدام على رجل لطيف له جاذبية خاصة يشعر بها المرء بمجرد ما يتعرف عليه. كانت معنوياته عالية ولا شيء يوحي في كلامه وتصرفاته أنه يشعر بالخوف من تنفيذ حكم الإعدام في حقه. لم يمنعه الحكم عليه بالإعدام من مواصلة الاهتمام والتتبع المستمر لما يقوم به الإخوة المتضامنون معنا داخل المغرب وخارجه.

كنت من المحظوظين الذين صدر في حقهم الحكم بالبراءة. أول ما فكرت فيه بعد إطلاق سراحي زيارة عمر في سجن القنيطرة، حيث نقل بعد النطق بالحكم. كانت إدارة السجون ترفض الترخيص لي بزيارته، على اعتبار أنني كنت أتقاسم مع عمر نفس التهمة، ولا أحصل على الرخصة إلا بعد إلحاح وإصرار شديدين. وأنا متوجه لزيارته، أول مرة، كان همي الكبير كيف ألاقيه وهو المحكوم عليه بالإعدام؟ ماذا يمكن أن أقول له؟ كيف يمكن أن أواجهه؟ لكن ما إن كان يرمقني حتى تتصاعد من محياه ابتسامة عريضة تجعلنا نشرع في الحديث تلقائيا وكأنه غير محكوم بالإعدام. كان يسألني طبعا عن أحوال البلاد وأخبار المناضلين في الداخل والخارج، ويطلب مني ومن مناضلين آخرين يزورونه، أن أحمل إليه بعض الكتب. أتذكر أنه كان يهتم كثيرا بسلسلة “الاستقصا في أخبار المغرب الأقصى” للناصري، وبعض مؤلفات مفكرين إسلاميين مصريين. طبعا، كنت أشعر باعتزاز كبير حينما يطلب مني أن أجلب إليه أطباقا معينة. استمرت العلاقة بيننا على هذا النحو إلى حين الإفراج عنه وعن جميع المحكومين معه في هذا الملف في أبريل 1965.

 

في أي سياق تم الإفراج عن عمر بنجلون؟

بعد انتفاضة 23 مارس 1965 عرض الحسن الثاني، على عبد الرحيم بوعبيد أن يشكل حكومة تناوب. في هذا السياق تم الإفراج عن جميع هؤلاء المناضلين. بطبيعة الحال أجهضت هذه الحكومة بعد اختطاف واغتيال الشهيد المهدي بنبركة.

 

تعرض عمر بنجلون لمحاولة اغتيال سنة 1973 بواسطة طرد ملغوم. ماذا تذكر عن أول لقاء لك به بعد هذه الحادثة؟

في يناير 1973 تلقى عمر رسالة تنبه بحدسه إلى أنها كانت ملغومة، فتمكن من تفكيكها وإبطال مفعولها. كان الأمر يتعلق بكتاب ألفته ابنة ستالين شحنه ضباط الكاب 1 بمواد متفجرة. أدرك عمر أنه مستهدف في حياته، فتناول الهاتف ليتصل بصديقه محمد اليازغي حتى يحتاط بدوره، لكن بعد فوات الأوان. انفجر طرد ملغوم آخر في وجه اليازغي وكاد يودي بحياته. كنت يومها في الرباط فتوجهت على متن حافلة إلى البيضاء، بمجرد ما علمت بما حصل مع عمر. ثم عدت معه في سيارته إلى الرباط بعدما بلغنا أن الطرد الملغوم انفجر في وجه اليازغي. توجهنا نحو بيت اليازغي ثم إلى المستشفى للاطمئنان عليه. كان عمر متيقنا أنهم يريدون القضاء علينا. كان مندفعا جدا يومها، قبل أن يهدئ عبد الرحيم بوعبيد من روعه.

 

كيف تفسر استهداف عمر بنجلون، رغم أنه لعب دورا محوريا في صياغة توجه النضال الديمقراطي ضدا على العمل السري، في المؤتمر الاستثنائي سنة 1975؟

طبعا، هذا مما يثير الاستغراب. التفسير الوحيد في نظري أن أجهزة القمع كانت تعتبر عمر أكثر خطورة وأقدر على قيادة الجماهير من خلال النضال الديمقراطي. كان عمر قائدا سياسيا كبيرا وهذا ما جعلهم يستهدفونه من خلال عناصر لا قيمة لها، بل فقط مسخرة من طرف الشبيبة الإسلامية الخاضعة لتأثير عبد الكريم الخطيب، والذي اعترف بنفسه في أحد كتبه أنه استقدم محامين مصريين للدفاع عن قتلة عمر.

 

كيف تلقيت نبأ اغتيال عمر بنجلون؟

كنت أشتغل في بنك المغرب بالرباط، وجرت العادة أن أتصل بمقر جريدة الحزب التي كان يديرها عمر بنجلون، مرة أو مرتين في الأسبوع. كانت صدمتي كبيرة حين أخبرني الزميل حسن العلوي أنهم قتلوا عمر. أخبرت مديري في البنك حينها وكان هو السيد محمد التازي، كما أخبرت مديرا آخر هو عبد اللطيف الجواهري، الوالي الحالي لبنك المغرب، فلم يصدقاني في البداية نظرا لقوة الصدمة. ذهبنا معا إلى بيت عمر في الدار البيضاء حيث تأكد لهما أنه اغتيل فعلا. كانت صدمة هائلة، أذكر أن بعض المناضلين الذين كانوا قريبين من عمر أصيبوا بداء السكري منذ تلك اللحظة. يمكنني أن أقول إن صدمة اغتيال عمر كانت أشد وقعا علينا من اختفاء المهدي، فإلى حدود تلك اللحظة كان ما يزال لدينا أمل في أن المهدي سيعود يوما ما. طبعا، ما أشد فراق واختفاء رجلين رحلا في مقتبل العمر، فالمهدي اغتيل وعمر 45 سنة، وعمر قتل وهو يبلغ بالكاد 40 سنة. كان كلاهما خسارة لا تعوض.

 

قيل إن الحسن الثاني، ربما تبرأ مرة لعبد الرحيم بوعبيد من دم عمر بنجلون؟

هذا غير صحيح. لم يسبق للحسن الثاني أن قال شيئا من هذا القبيل لعبد الرحيم. على العكس تماما، حاول عامل الدار البيضاء آنذاك أن يقيم جنازة رسمية لعمر بنجلون، فرفض الحسن الثاني، كما أخبرني بذلك مصدر كان حاضرا في مكتب الوالي لحظة أخبره الحسن الثاني على الهاتف رفضه تنظيم جنازة رسمية لعمر.

 

كيف أثر اغتيال عمر على قناعات الاتحاديين بصوابية استراتجية النضال الديمقراطي؟

بطبيعة الحال كان الاتحاديون يدركون أن طريق النضال الديمقراطي لن يكون مفروشا بالورود، وعلى كل حال فالنضال نضال سواء كان عملا سريا أو من خلال القيم الديمقراطية التي يصعب غرسها في مجتمع عانى لقرون من أنظمة حكم استبدادية.

 

رفض عمر بنجلون محاولة اتحاديين في الجناح السري للحزب تهريبه إلى الخارج، رغم أنه كان مستهدفا في حياته؟

أذكر أن عمر قال لي ونحن نركب الميترو في باريس، ربما في أبريل 1975، إنه حادث الإخوة المقيمين هناك، وتحدث لي عن معنوياتهم وتصوراتهم البعيدة عن واقع المغرب آنذاك، وأضاف ما معناه “بالمقارنة مع هذا الوضع أفضل أن أظل مقيما في بلادي سواء في بيتي أو في الزنزانة أو حتى في القبر”.

 

حاوره إسماعيل بلا وعلي

عن صفحة الاستاذ عبد اللطيف جبرو

26 دجنبر 2013