الفهم الخاطئ للنصوص الشرعية سبب الأزمة
كيـف نواجـه الفكـر التكفيـري؟

عن صحيفة الاهرام

الجمعة 27 دجنبر 201

تحقيق‏-‏ حسـني كمـال وإبراهيم عمران‏
شاع الفكر التكفيري وأريقت الدماء في مصر بلد الأزهر ومنبر الوسطية والفكر الإسلامي المستنير‏,‏ وكان الفهم الخاطئ للآيات القرآنية سببا في انحراف فكر الجماعات الإرهابية التي تكفر المجتمع وتستبيح الدماء‏.‏  

وفي ظل المواجهات الأمنية التي لم تعد تكفي لمواجهة هذا الفكر, فنحن بدورنا نتساءل: هل نحن بحاجة إلي مراجعات ومبادرات فقهية جديدة للتصدي لفتاوي القتل باسم الدين, كتلك التي سبق أن أطلقها القادة التاريخيون للجماعة الإسلامية في السجون المصرية وكانت سببا في وقف نزيف الدماء ؟!
وما هو دور علماء الأزهر ومؤسسات الدولة في محاربة الفكر بالفكر وإنقاذ مئات الشباب الذين وقعوا ضحايا لهذا الفكر التكفيري المنحرف.
يقول الدكتور القصبي زلط, عضو هيئة كبار العلماء وأستاذ التفسير بجامعة الأزهر, ان بعض الشباب هذه الأيام حين يقرأ كتابا في اتجاه معين أو مذهب معين وهو غير مطلع علي غيره من الكتب, فإنه يظن أن ذلك هو الدين, وأن غيره خارج علي الدين وهذا هو التعصب المذهبي المقيت الذي يفرق الأمة, يحقق لأعدائنا ما يريدونه منا, ويجب علي شبابنا إذا أراد أن يتفقه في دينه أن يتدبر كتاب الله وسنة نبيه, صلي الله عليه وسلم, في كل المراجع الإسلامية التي يمكنه أن يطلع عليها, لا في اتجاه معين, كما حذر الشباب المسلم من الانجراف وراء تلك الأفكار أو تلقيها من غير مصادر دينية معتمدة مؤهلة للعلم الشرعي الصحيح, لافتا إلي أن حاخامات اليهود عندما بحثوا عن طريقة لتفكيك وحدة المسلمين دون أن يظهروا في الصورة, اتفقوا علي تكوين لجان لبحث ما في كتب تراث المسلمين من خلافات وآراء غريبة غير مجمع عليها, وتصديرها للأمة الإسلامية فيتمسك بعضهم برأي والآخر برأي مخالف فيحصل بينهم الصدام والصراع كما هو حادث الآن, بالإضافة إلي الغلو والتطرف, وهذه مشكلة كبري يجب التصدي لها بكل حسم.
الاستفادة من المراجعات السابقة
ودعا الدكتور القصبي زلط, الجماعات التكفيرية التي تتبني أعمال القتل والترويع والإرهاب بسيناء, والتي ينبثق عنها ما يسمي بالسلفية الجهادية وانصار بيت المقدس, وغيرها إلي التدقيق وإمعان النظر في مراجعات الجماعة الإسلامية والجهاد, التي أطلقت في مطلع التسعينيات من القرن الماضي, وأن يطلعوا بعمق علي تلك المراجعات ويستفيدوا منها, وأن يتبني رموز وقادة الفكر التكفيري مبادرات ومراجعات مماثلة لوقف العنف وتصحيح ما لديهم من مفاهيم مغلوطة دفعتهم إلي استباحة إراقة الدماء وإزهاق الأرواح الذكية من غير حق, ومن ثم الولوج في هذا المنزلق الخطير.
وأكد أن ما يحدث في مصر الآن هو شطط في فهم الدين وخروج عن النصوص القرآنية والنبوية, ذلك أن الإقدام علي القتل ناتج عن رسوخ فكر التكفير, والتكفير أمر لا يجوز أن يطلق علي أحد إلا إذا صدر عنه ما يخرجه من الإسلام يقينا وليس حدسا أو ترجيحا, وهذا غير متحقق الآن فيمن يتم قتلهم تحت هذا الادعاء من أبناء مصر.
وقال إن الذين يتبنون الفكر التكفيري فهموا النصوص الشرعية فهما خاطئا, لأنهم لم يعرفوا إلا وجها واحدا للتأويل, في حين أن التأويل ـ كما جاء في مراجعات زملائهم من الجهاد والجماعة الإسلامية, خاصة في الآيات التي تتحدث عن الجهاد, قالوا إن النصوص الشرعية التي تتحدث عن هذه القضية ينبغي ألا يتحدث فيها إلا أصحاب العقول التي تربت علي الفهم الصحيح من العلماء الراسخين.
من جانبه يقول الدكتور حامد أبو طالب, عميد كلية الشريعة والقانون السابق بجامعة الأزهر, إن من أسباب وجود الجماعات التكفيرية ووصولهم إلي هذه المرحلة هو التفكير الخاطئ الذي بني علي أن هذا المجتمع مجتمع كفار, ومن ثم وجبت محاربته, ووجدوا من ينصاع لهم, فهم يحاربون مصر, والمصريين علي أنهم كفار مع أن مصر هي التي نشرت الإسلام ودافعت عنه ولا يزال الأزهر الشريف يحمي حمي الإسلام في مصر وجميع أنحاء الدنيا, فان المؤسسات الدينية برجالها وكوادرها هي المنوط بها مقاومة الفكر المتطرف الذي أدي إلي نشوء الجماعات التكفيرية التي انتشرت في مختلف محافظات مصر, ويجب علي هذه المؤسسات وأفرادها وكوادرها التصدي لهذا الفكر الخاطئ في البلاد والقري والنجوع والكفور وجميع المناطق في مصر, كما يجب علي المؤسسات الإعلامية إتاحة الفرصة كاملة وتشجيع هؤلاء العلماء, واستكتابهم ودفعهم إلي القيام بهذا الواجب المهم في كل وقت وفي وقتنا الحالي أصبح فرض عين عليهم جميعا أن يتصدوا لهذا الفكر الذي أدي إلي قتل الأبرياء ونشر الذعر بين أفراد الشعب بلا ذنب, إلا أنه نشأ لدي جماعة عطلت فكرها وألغت عقلها, ومن ثم فهؤلاء الإرهابيون في حاجة ماسة لمن يضيء لهم الطريق ويوقظ عقولهم إلي الإسلام الصحيح, وكل هذا واجب من واجبات المؤسسات الدينية في مصر.
بناء الشخصية المسلمة
وطالب الدكتور مبروك عطية, الأستاذ بجامعة الأزهر, المؤسسات الدينية المعنية بالخطاب الديني وعلي رأسها الأزهر والأوقاف ووسائل والإعلام المختلفة, أن تتفق علي أن الخطاب الديني ينبغي أن يكون خطابا تبني عليه الشخصية المسلمة, ولن تبني الشخصية الإسلامية إلا علي عزم الأمور, وقد قال الله تعالي صراحة لاضمنا في آية لقمان:( يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر علي ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور) أما أن يكون الخطاب الديني باهتا شاحبا, معظمه في تفسير الأحلام والرقائق التي لا سند لها, والمناسبات وفي رمضان والحج ورجب وفي ليلة النصف من شعبان, ورأينا كيف تم تحويل الدين من حياة دائمة إلي مناسبات فإن ذلك كله لا يبني الشخصية الإسلامية.
وأضاف: إذا أردنا أن نعد من هذا الخطاب أسسا وعناصر لهذا البناء فنذكر ما يأتي, أن نبين للناس أن كل إنسان يؤخذ من كلامه,( ونرده إلي الله والرسول) وكل من يتبع إنسانا ويسمع له ويطيعه بغض النظر عما في كلامه, فهذا من العمي لا من الدين. وعلينا أن نفهم أن الوطن عبادة في حفظه, والدفاع عنه ومواساة جرحه وترويج بضاعته, وجذب الناس إليه, وإنعاشه, وأن نبين حرمة الدماء والأموال والأعراض, ففي خطبة الوداع لرسول الله, صلي الله عليه وسلم, قال( كل المسلم علي المسلم حرام, دمه وماله وعرضه). وألا يكفر أحد غيره لأن الإيمان والنية محلهما القلب, وقد روي البخاري في صحيحه أن النبي صلي الله عليه وسلم, قال:( إن الله لم يأمرني أن أفتش عما في قلوب الناس) وقد أمرنا أن نحكم بالظاهر والله يتولي السرائر. كما يجب ان يرتكز الخطاب الديني علي أن المسلم ليس بسباب ولا لعان ولا فاحش ولا بذيء وما أكثر الأمثلة التي هي من عزم الأمور, ويجب أن يشتمل عليها الخطاب الديني مثل عقد الدروس والمحاضرات في المدارس والجامعات وموضوعات في الندوات, والخطب المنبرية من الجمع والأعياد, حتي يكون ذلك كله في نفس كل مسلم, وفي دمه لا تفارقه, وليس بمسلم من أراق دماء الناس وخرب عمرانه.
يكفرون الناس
ويقول الدكتور ناجح إبراهيم, القيادي بالجماعة الإسلامية, واحد القادة التاريخيين الذين أطلقوا مبادرة وقف العنف إن هذا الفكر التكفيري لحق الحكام بدليل أنهم يكفرون الرئيس وقوات الجيش الذي هو صمام الأمان الوحيد للدولة ويكفرون رجال الشرطة وعامة المسلمين, وهؤلاء الذين يستبيحون الدماء الآن علي الساحة مختلفون عن الجماعة الإسلامية, ويضيف قائلا: كان من المتوقع أن تنهي ثورات الربيع العربي موجات العنف والتكفير, ولكن ما حدث هو العكس تماما, حيث انتشر الفكر التكفيري والعنف والتفجير بعد هذه الثورات وخصوصا في مصر وليبيا وتونس واليمن, ويرجع ذلك إلي انهيار في بعض منظومات الدولة وانتشار السلاح واختفاء دعاة الوسطية من الساحة وخوضهم المعترك السياسي, لتحقيق مصالح شخصية علي مصالح الوطن, وكذلك تحول الخطاب إلي خطاب استقطابي وتكفيري لجني بعض المكاسب الشخصية علي حساب المصلحة العامة وهي مصلحة الوطن, ظنا منهم بأن ذلك سيساعدهم علي تحقيق آمالهم متجاهلين, أن ذلك سيترتب عليه انقلاب وانتشار للفكر التكفيري, من خلال الغض عن الخطاب التكفيري الذي انتشر بصورة هائلة في الفترة الأخيرة من خلال بعض وسائل الإعلام غير المسئولة ظنا منهم أنها ستفيد الحركات الإسلامية متناسين بان هذه الأفكار ستضر الحركات الإسلامية قبل أي حركة أخري.