الحصاد الثقافي 2013: هل نذهب إلى عقد ثقافي جديد.. أم مكانك راوح

 

أزمة الترجمة من أهم الأسباب التي رسمت المنطقة العربية كمنطقة مأزومة حيث لم يظهر منتج فكري عربي يقع في قلب سؤال التحولات العاصفة.

 

عن صحيفة العرب منى ظاهر وأوس داوود يعقوب [نُشر في 30/12/2013، العدد: 9424،

 

أسئلة كثيرة تشغل بال المعنيين بالشأن الثقافي، والمتابعين له، بينما نحن نودع عاما ثقافيا عربيا مواكباً لعام آخر عاصف من أعوام “الربيع العربي”.

فمهما تعدّدت مقاربات المتفكّرين بالمسألة الثقافية، ومهما نوّعوا فيها من زوايا نظرهم لتحديد وظائفها، فإن الثقافة، سواء أكانت شعبيّة– ونعني بها ثقافة التقاليد والفولكلور- أم نقية عالمة، تظلّ فضاء رمزيا منفتحا على مجالات المعيش البشري، وتمثّل جسر الإنسان للعبور من هجانة تصوّراته عن الكون إلى تصنيع جماليات عناصر هذا الكون.

ولا يتمّ ذلك إلاّ بجرأة المثقّف على اختراق المهترئ من المعايير الاجتماعية والأذواق الأدبية والفنية لمجموعته البشريّة، من أجلّ اقتراح أخرى جديدة لا تحفل بشروط الاستهلاك التظاهريّ والإشهاريّ، وإنما تمثّل سبيل الناس إلى قيام دولة الحضارة بما تعنيه من حرية وديمقراطية وعدالة اجتماعية وانفتاح على الآخر وثقافاته.

واستنادا إلى ما سلف من أهمية للفعل الثقافي في تحقيق النهوض الحضاري للشعوب، وعطفا على ما تشهده ساحاتنا الثقافية العربية من تطوّرات هامة ساهمت فيها انتفاضات الربيع العربي وخضّاته، فإنّ السؤال عن قيمة المنجز الثقافي العربي الفنية والفكرية، ومدى تماهيه مع الوقائع السياسية والاجتماعية التي تعيشها شعوبنا صار أمرا شاغلا، وذلك من جهة يقيننا في أنّ التغيير نحو الأفضل لا يمكن أن يبلغ مداه وتحققاته، ما لم تعضده ثورة ثقافية للعقلية الاجتماعية المحرّكة له، والمنتجة لخطاباته في الأدب والفكر والفن.

وهو أمر ستحاول “العرب” البحث عن إجابات له، عبر استطلاع شارك فيه مثقّفون ومبدعون عرب هم على صلة، من قريب أو بعيد، بأسئلة هذا الحراك الثقافي ومخاضاته.

تواصل صحيفة “العرب” قراءة العام ثقافيا من خلال إفرادها صفحاتها الثقافية خلال الأيام الماضية لاستطلاع تقصّت فيه آراء طيف واسع من الكتاب والشعراء والمفكرين العرب حول سؤاليْ “الكتابة في زمن الثورات العربية؟” و”هل المثقف العربي.. غائب حقا عن صناعة الرأي العام؟”. وإذ تواصل “العرب” هذا الاستطلاع على امتداد الأيام القادمة، فإنّها تستعدّ لإنجاز تغطية شاملة للعام الثقافي تشمل مراجعات لأحداثه الكبرى ومحاورات لشخصيات ثقافية فاعلة في المشهد الإبداعي والفكري العربي وقراءات لبعض الإصدارات بأقلام عربية ممتازة من نقاد وكتاب ومثقفين.

وفي هذا الاستطلاع، طرحت “العرب” على الكتاب والمثقفين هذه الأسئلة: ما هو الحدث الثقافي الأبرز من وجهة نظرك محليا وعربيا وعالميا؟ وما الجديد في الثقافة العربية خلال هذا العام؟ وما هو الكتاب الأهم الصادر خلال هذه السنة والذي قرأته؟ ومن تختار شخصية العام 2013 على المستوى الثقافي عربيا وعالميا؟ وهي أسئلة كانت الإجابات عنها في التحقيق التالي:

موقف سلبي للمثقف

سوف أقارب إجابتي عن سؤال “الثقافة واللحظة الراهنة بعين سورية” من خلال موقف المثقفين والكتاب والصحفيين والفنانين السوريين من الثورة السورية وأحداثها التي بدأت في محافظة درعا سلمية الشكل والأداء والمطالب، وكيف تطوّرت فيها الأحداث جراء العنف الدموي من قبل النظام منذ اللحظات الأولى فيها حين اعتمد ما أطلق عليه: الحل الأمني، وهو مواجهة الصدور العارية بالرصاص الحي.

بداية الحركة الاحتجاجية الأولى لم يكن للنخب المثقفة فيها أيّ دور، بل على العكس من ذلك وقفت موقف المتفرج الحائر الذي تبدو عليه دهشة المفاجأة، والمشكك في كثير من الأحيان بجدوى وحقيقية هذه الحركات الاحتجاجية التي تطوّرت لتصل إلى كل سوريا على شكل ثورة شعبية عفوية عارمة، هي ردّ على عقود من الظلم والمعاناة على يد هذا النظام/ العصابة.

يمكن رصد هذا الموقف السلبي لأغلب المثقفين السوريين من خلال المشاركة في ترديد التهمة التي روّج لها النظام بأن هؤلاء (المتظاهرين) إسلاميون سلفيون مدفوعون من الخارج بدليل خروجهم للمظاهرات من الجوامع.

طبعا أقول هذا الكلام دون أن أنفي عن كثير من المثقفين السوريين وجودهم في المظاهرات الأولى (الجامع الأموي) ولكن هذا الوجود لم يكن علنيا كما ظهر في ما بعد بما عرف بحركة الانشقاقات.

حاول المثقف السوري الذي آمن بالثورة منذ البداية أن يشارك بطريقة مدنية تظهر الوجه الحقيقي لهذه الثورة وتفند تهمة السلفية عنها من خلال مظاهرات واعتصامات تخرج من غير المساجد، وهو ما ظهر في اعتصام “عرنوس» الذي قمع بشدة وشهد اعتقالات كبيرة، ثم مظاهرة “جامع الحسن” الشهيرة التي أدّت لاعتقال عدد من الكتاب والصحفيين والفنانين السوريين.

وإذا كان لا بدّ هنا من إشارة قوية الدلالة في التعبير عن مواقف المثقفين السوريين فيجب التوقف عند ظاهرة الانشقاقات التي ظهرت لدى بعض الصحفيين والكتاب وقراءتها في ظل تلك الظروف الأولى ومغزاها.بدأت حركة الانشقاقات في صفوف الصحفيين السوريين -حين قام الصحفي إياد عيسى بالانسحاب من جريدة تشرين الحكومية- ببيان صحفي، ثم تلاه من اتحاد الكتاب العرب الشاعر علاء الدين عبد المولى، و”كاتب هذه السطور” من التلفزيون السوري، وهم بذلك قد فتحوا بابا جديدا أمام مشاركة وانخراط المثقفين السوريين في الحراك الثوري الذي تشهده سوريا في وجه النظام. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بعد توالي حركة الانشقاقات في العديد من المفاصل الرسمية للنظام، والتي قام بها المثقفون هو: هل استطاعت مثل تلك الانشقاقات والرفد بهذه الأسماء من التغيير على الأرض في مواجهة النظام؟!..

أول الفوائد وأهمّها في تلك الانشقاقات هو أهميتها الدعائية والتعبوية بالدرجة الأولى، غير أن افتقارها للتوظيف الصحيح لاحقا لعدم وجود مؤسسات تستطيع الاستفادة من خبراتهم وتجاربهم هو الذي جعل منهم جزرا معزولة غير معترف بها في أغلب الأحيان من قبل المعارضة السورية التي ظهرت في الواجهة وكأنها في واد والشعب السوري وثورته في واد آخر.

لذلك لم نر تجسيدا فعليا بأثر ثقافي واضح وجليّ لكل تلك الأسماء التي ظهرت في الميادين كافة، وبالتالي يمكن الإجابة عن سؤال البداية: بالنفي.

لم تفعل الثقافة السورية الثائرة فعلها المفترض القيام به في الثورة السورية، فقد بقيت غائبة، أو حاضرة بشكل محدود وخجول للأسباب الموضوعية الآنفة الذكر، في مواجهة ماكينة النظام وأجهزته وأمواله التي يشتري بها الولاءات.

* فرحان مطر (كاتب من سوريا)

رمية نرد

في مجال الترجمة: ظني أن من أهمّ ترجمات هذا العام على الإطلاق والتي نجح أخيرا الشاعر محمد بنيس في ترجمته هو “رمية نرد”، للشاعر أسطفان ملارميه. وظني بأن هذا العمل الخلاق والذي تمّ نقله للعربية لما فيه من تجسيد فعل الحداثة في الشعر بل ويلفظ الحداثة بأشكالها، وهذا الكتاب في ظني -إن لم أكن مخطئا- يعتبر من أصعب الأعمال التي تمّت ترجمتها إلى اللغة العربية. وأعي بأن “دار توبقال” تساهم سنويا بأعمال مترجمة لأهم المفكرين ولكن هذا العمل خصيصا أعتبره الأجمل على الإطلاق.

وعن المنجز المتعلق بمشروعات الترجمة العربية، أرى أن أي حضارة كي يستوي فعلها وتقدمها عليها أن تنجز فعل الترجمات، وهذا ما تقوم به دور النشر في القاهرة وبيروت وأبو ظبي وغيرها من العواصم العربية، وهي تصدر ترجمات محمودة لما فيه خير نقل تجارب الآخرين، وما توصلت إليه العلوم والمعرفة وخاصة في مجال الفكر مما يتاح بتوسيع الإدراك.

والأهمّ فإن هذا الكمّ الحميد من الترجمة له هدف وحيد في ظني هو تطوير الفرد، وظني بأن أي حضارة ترغب أن تساهم في فعل البشر عليها أن تختلط وتمتزج لأن الإقصاء ضرر على من يقصي نفسه من فعل الحركة. فلا بدّ لأي ترجمة بغض النظر إلا أن تكون محمودة، وأعرف هناك ترجمات تكون هدفا بعينها وكأنها تحابي الفكرة، لذا أفضل الترجمات حاليا وأشهد عليها هي التي تأتي من بيروت، لأن فعل الترجمة هو عمل تفان في الأول قبل أن يكون الفعل نفسه، وفي حالة تلاشي هذا التفاني والإخلاص تقل أهمية الترجمة، بل يشكل خطرا حقيقيا لأن فيه انحرافا عن المعنى وهذا يعتبر في الترجمة إنكارا للأصل، إذا لم يصل إلى مستوى الأصل.

وعن مدى الرضا عن حصيلة ما أصدرت دور النشر الخاصة والرسمية من كتب خلال هذا العام مقارنة بما تمّ نشره في السنوات الماضية، أقول لست راضيا تماما بالرغم مما نمتلك من طاقة -وبالأساس- بشرية، ظني بأن الترجمة تسير ببطء شديد، ولا تواكب الحدث، والأنكى عندما أقارنها بفعل الجامعات العبرية في فعل الترجمة فبالرغم من كل ما نمتلكه من طاقات تبقى “إسرائيل” الدولة الريادية في الترجمة بمنطقة الشرق الأوسط.

ولا أخفي عليكم بأن العراق في زمن صدام حسين كان يعنى بالترجمات بشهادة أعدائه ولكن للأسف مع موت صدام تمّ التقليل من شؤون الترجمة وأصبحت حالة فردية، وليست فعل تبني دولة حقيقة مراعاة المترجمين؛ إذ هو عمل فردي يساهم به الرأسمال الخاص ويهدف في النهاية إلى الربح، لذا بقي اتساعه محدودا جدا. والأكيد أنه في حالة التبني الحثيث للمترجمين ودعمهم على الصعيد الشخصي فمن الطبيعي أن الترجمة ستزدهر.

وفي مجال السينما، الحدث السينمائي الأبرز فلسطينيا فيلم “عمر” لهاني أبو أسعد، وعربيا “هلأ لوين” لنادين لبكي.

وفي مجال الفن التشكيلي على الصعيد الفلسطيني، هناك معارض متعددة في كل أنحاء عموم فلسطين، وهناك فنانون تشكيليون لهم دور ريادي مثل فتحي غبن وخالد نصار من غزة، وسليمان منصور وطالب دويك من القدس. وفي مجال الشعر، يعتبر ترجمة “رمية نرد” للشاعر محمد بنيس وفوزه بجائزة ماكس جاكوب، العمل الرائد وهو الأهم والأبرز شعريا.

وأما الكتاب الفكري الذي قرأته هذا العام، وأعتبر أنه يقع في قلب السؤال الذي تطرحه التحوّلات العاصفة في العالم العربي، فهو للكاتب الفلسطيني إسماعيل ناشف الموسوم بـ”العنبات المنسية”.

* إبراهيم وهبة (شاعر من فلسطين)

شرفة الهاوية

الحدث الأهم في مجال الرواية عربيا، هو فوز الروائي السوري خالد خليفة بـ”جائزة نجيب محفوظ للرواية” عن روايته “لا سكاكين في مطبخ هذه المدينة”. وعالميا: فوز الكندية “أليس مونرو” بجائزة نوبل للآداب.

أما أهم الأعمال الروائية التي صدرت خلال هذا العام، أرشح رواية “شرفة الهاوية” لإبراهيم نصر الله. ورواية “6000 ميل” للروائي محمد مهيب جبر (فلسطين)، و”يا مريم” للعراقي سنان أنطوان، و”التائهون” لأمين معلوف. وعالميا، “دفتر مايا” لإيزابيل الليندي.

وأشير إلى أنه لو طلب مني ترشيح عمل كأفضل رواية خلال العام 2013، فسأختار رواية “6000 ميل” لمحمد مهيب جبر. وأرى أن الروائي الكويتي سعود السنعوسي، من أبرز الروائيين الذين تألقوا وصعد نجمهم هذا العام، بعد حصول روايته “ساق البامبو” على “جائزة البوكر”. وأرشح الروائي الجزائري واسيني الأعرج “شخصية العام الروائية”.

وفي مجال الشعر، الحدث الأبرز عربيا، هو حصول الشاعر محمد إبراهيم أبو سنة على “جائزة سلطان العويس الثقافية”، ووفاة الشاعر العربي السوري سليمان العيسى.

أما عالميا، فوز الشاعرين الأميركي سيمون أورتيز والسوري أدونيس بـ”جائزة الظبي التبتي الذهبي الدولية للشعر” في “مهرجان بحيرة تشنغهاي الشعري الثالث” بمدينة “شينينغ” في الصين. وأما أهمّ ديوان شعري صدر هذا العام في عمان، “يدور الكلام تعالى” لصلاح أبو لاوي.

وعربيا، “فراشات لابتسامات بوذا” للشاعر اللبناني شوقي بزيع. وأرشح من الشعراء العرب لشخصية العام الشعرية، الشاعر المصري الراحل أحمد فؤاد نجم. وفي مجال الفكر، للأسف لم يتمخض هذا العام عن منتج فكري يمكن أن يُقال إنه يقع في قلب سؤال التحولات العاصفة في العالم العربي، على الرغم من ملامسة بعض الإصدارات لشيء من الظواهر ذات الصلة بتلك التحولات من مثل ما جاء في كتاب “الانتفاضات العربية على ضوء فلسفة التاريخ” لهاشم صالح، الذي يتناول من منظور فلسفي ظاهرة تحوّل الربيع العربي إلى خريف أصولي يقطف فيه السلفيون ثمار الانتفاضات العربية.

وفي مجال الجوائز الإبداعية، أرى أن ممّا لا شك فيه أن مثل هذه الجوائز تسهم في إذكاء الحراك الثقافي وتقدم دعما معنويا وماديا للحاصلين عليها، لكنها في كثير من الأحيان لا تضيف جديدا لعموم الحراك الثقافي في الوطن العربي بشكل خاص، ولعل ذلك ناتج عن فقدان الثقة في تلك الجوائز أو في الهيئات المنظمة لها، بما يشير إلى تدخل عوامل غير موضوعية في التقييم، ويظهر ذلك بشكل خاص في الجوائز المحلية، التشجيعية والتقديرية، التي تشرف عليها جهات رسمية، أو تلك التي تشرف عليها هيئات ذات توجهات معينة.

ولذلك فإن الجائزة الأهم برأيي هي الجائزة التي تمنح على مجمل أعمال المبدع في مجاله، وعلى الرغم من تعدد الجوائز وميلها للتخصص حتى صار في كل دولة عدد من الجوائز في مختلف فروع الإبداع، فإن جائزة نوبل العالمية تبقى الجائزة الأهم.

وعن سؤال “الثقافة واللحظة الراهنة؟”، أرى أن الثقافة العربية ما زالت بعموم مناحيها عاجزة عن التعبير عن المخاضات والانتفاضات العربية، ولعل السبب في ذلك يعود إلى خفوت صوت المثقفين وترددهم في إعلان موقفهم إزاء الأحداث، ربما لغائمية الرؤية لدى كثير منهم، وربما انتظارا لتبلور نتائجها وهذا ينطوي ضمنا على موقف سلبي للمثقف إزاء ما يشهده العالم العربي من مخاضات.

* مريم جبر (باحثة من الأردن)

فقه الثورة

في مجال الترجمة، نحن بحاجة إلى مشروع عربي يخرجنا من العزلة المعرفية التي نعيشها بسبب ضعف الترجمة. ومما لا شك فيه أن قضية الترجمة من القضايا الجوهرية التي وضعت العالم العربي في ما يشبه “العزلة المعرفية” عن العالم، حتى بات أبرز منتج يتم تصديره من البلدان العربية يتمثل في أخبار الحروب والتفجيرات والأعمال الإرهابية، ومع أن هناك مشروعات ومراكز وهيئات للترجمة في عدد من البلدان العربية، منها القاهرة وبيروت والإمارات وتونس، إلا أن إنتاج هذه الجهات لا يمثل حراكا حقيقيا لهذا الجانب الثقافي/المعرفي.

هي جهود مقدرة -لا شك- ولكنها تبقى اجتهادات لكيانات ضعيفة إنتاجها لا يحقق الحد الأدنى من حاجتنا إلى الترجمة، سواء من اللغات الأجنبية إلى العربية، أو من العربية إلى سواها، وقد أدّى ضعف حركة الترجمة العربية إلى “غياب أبجديات حوار الوجود بيننا وبين الآخر”، ربما لو أن هذه المشروعات التي تتبناها بعض الدول بجهود متفرقة تمت صياغتها على شكل “مشروع عربي قومي مستقل” تشارك في ميزانيته كل الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية من دون نقل عجزها الإداري إليه لحقق إنجازا مهما يضعنا على خريطة العالم بصورة أفضل، فكلنا يعرف فضل حركة الترجمة في العصر العباسي عندما كانت هناك رؤية مستقبلية لأهمية الترجمة، وكلنا يعرف أن هذه الفكرة اختطفها الكيان الصهيوني قبل إعلان دولة “إسرائيل” بسنوات واستثمرها استثمارا بالغ الأهمية فنتج عن ذلك آلاف التراجم التي ساهمت في إحياء اللغة العبرية ونقلت إليها مختلف صنوف المعارف البشرية.

لا بدّ من الاعتراف أنه لدينا أزمة حقيقية في ما يتعلق بالترجمة، أزمة لا تستطيع الجهود الحالية حلها، لأنها تدور في فلك نقل الكتب الأكثر شهرة والأكثر مبيعا، وهذه على أهميتها لا تلبي حاجتنا المعرفية من أهداف الترجمة، ومن وجهة نظري أرى أن أزمة الترجمة من أهم الأسباب التي رسمت المنطقة العربية على خارطة العالم كمنطقة مأزومة لا تجيد الحوار مع الآخر، ولا تصدر إليه سوى أخبار الخراب.

صحيح أن هناك نموّا في حركة الترجمة، ولكنه نمو ضئيل جدا ومخجل، وصحيح أن هناك بعض التحسن في أحوال المترجمين قياسا إلى ما كانت عليه في السابق، ولكنه تحسن هزيل وغير محفز أو محرض على الإنتاج والإبداع.

أما في ما يتصل بالكتب التي تناولت الثورات العربية، فقد توقفت طويلا هذا العام عند كتاب “فقه الثورة” للدكتور يوسف زيدان، ومع أن هذا الكتاب يشتمل على مقالات نشرت متفرقة، وتمّ جمعها في سياق واحد، إلا أنه يعدّ من الكتب القليلة التي رصدت واقع الحال في مصر والوطن العربي استنادا إلى حالة تأمّل فكري تتسم بجدية المنهج والعمق والموضوعية في قراءة الواقع، وقد وجدت في الكتاب جملة من الخيارات المنطقية المساعدة على فك شفرة المصطلح والكثير من الزوايا المعتمة في أحداث ونتائج الثورات العربية.

* السيد الجزايرلي (شاعر من مصر)

أصابع لوليتا

كثيرة هي الكتب المهمة التي ترجمت إلى العربية، أو منها، لكن مما لفت انتباهي أكثر في الآونة الأخيرة، كتب مترجمة مثل “جبران حداثة عربية: ذات تتكون وأدب يتجدد” للكاتبين بطرس الحلاق وإلياس الحسن، وترجمة جمال شحيد من الفرنسية.

وأهمية البحث أنه يقدم جبران كذات مبدعة حداثية تؤصل بذاتها حركتها الدائمة في مجرى الفعل الإبداعي العربي عموما. وكذلك “سلسلة الشعر السويدي المترجم” والذي ترجمه جاسم محمد، لكونه شكل نافذة مهمة لإطلالتنا على مساحات إبداعية في شعر لم يكن القارئ العربي يعلم عنه الكثير.

وأعتقد أن حركة الترجمة العربية لا تزال في حالة تستدعي النظر في أشكال نهوضها، بما في ذلك عملية إيصال الكتاب إلى القارئ الأكبر، وهو أمر يفترض أن يتم التعاطي فيه مع عملية الترجمة وبالتالي حركة الترجمة بوصفها مهنة وصناعة إبداعية لا رسالة تبشيرية انتقائية. وهذا ما يفضي إلى أن دور النشر وسواها لا تتعامل مع جهد المترجم كما ينبغي ويستحق.

وفي مجال الرواية، لا تزال رواية “يافا تعدّ قهوة الصباح” للكاتب أنور الحامد تلح علي لقراءة جديدة، لكونها تؤرخ بلغة فنية عالية لعلاقات إنسانية خلاقة لمرحلة الأربعينات الفلسطينية.

كما أن رواية “أصابع لوليتا” لواسيني الأعرج، التي تدخلنا نفق فترة ما بعد الاستقلال، تشدك إلى قابلية جديدة من إعادة القراءة والتأمل، وأضيف أن رواية “المحظيات” للكاتبة المصرية سعاد سليمان بما تحمله من جرأة فنية لبنية النص وفكرته شدتني. لكني أعتقد أن سليم بركات هو الكاتب الأكثر جدارة ليصبح روائي العام العربي.

ي مجال الشعر، في ظني أن احتفالات “معهد مكسيم غوركي”، التي شهدتها موسكو وشاركت فيها -كوني من الشعراء ومن خريجيه- بمشاركة كبار الشعراء الروس والعالميين أبرز حدث أشهده هذا العام.

وفي ما يتعلق بالجوائز الثقافية، فلاشك أن حصول شاعر أو مبدع على جائزة إقرار بأهميته في المشهد الإبداعي، فيما لو لم تخضع لحسابات معروفة، وفي هذا السياق أرى أن حصول الشاعر غسان زقطان على “جائزة غريفين” اعتراف بالنص الشعري العربي الجديد.

وفي ما يتعلق بالشأن الثقافي واللحظة الراهنة، أظن أنه ربما يكون من المبكر الحديث عن كتاب فكري نقدي مهم يكثف في ذاته مقدمات وتداعيات اللحظة العربية الراهنة وما بينهما، طالما أن حركة الشارع العربي في تسارع جعلت المثقف عامة يتراجع عن فعلها ودورتها. لكن السؤال الأهم لماذا لم تخلق الثورات العربية شعراءها على الأقل، طالما أن الشعر هو الأكثر التقاطا لحاسة الشارع وأكثرها سرعة وقابلية؟ ناهيك عن الأغنية الجادة والفيلم الجاد واللوحة، إلخ..

* عبد الله عيسى (شاعر من فلسطين)

أمين معلوف

أعتقد أنّ مشروع “مؤسسة الفكر العربي” الذي يقدم في كل عام ورشات فكرية وإجرائية العمل والتطوير في كافة مجالات الثقافة في سائر البلاد العربية، انطلاقا من مركز “المؤسسة” الرئيسي في بيروت، بات يكرّس أهميته التفعيلية، في سبيل الوصول إلى حلول ناجعة للواقع الثقافي والفكري والعلمي المتأخر دوما عن اللحاق بمتغيرات العصر في دول العالم.

وفي ما يتعلق بإشكالية الثقافة واللحظة الراهنة، فلا شك في أن الثقافة العربية قصّرت كثيرا، وتأخرت عن مواكبة التغيرات التراجيدية المشهودة راهنا، فقد برهنت مرة جديدة عن قصور فاضح في احتواء الخطاب الشعبي والقومي والإيديولوجي الذي يناسب الواقع المنقلب، على أكثر من حالة واحتمال. والسبب في ذلك يعود دوما إلى الإشكالية الكامنة في علاقة المثقف العربي بالسلطات الحاكمة.

وعن واقع الترجمة والنشر في الوطن العربي، فالأكيد أنّ ما تنشره دور النشر العربية الخاصة منها والرسمية، بدأ يواكب الحجم المطلوب، في إغناء المكتبات العربية بأمهات الكتب الأجنبية، وقد لاحظنا دور نشر لبنانية عدّة، تسارع إلى ترجمة أهم الكتب الأجنبية في مضمار الأدب الروائي والسيرة الذاتية لكبار رجالات الحكم في العالم، فضلا عن مؤلفات الفلاسفة الجدد الذين يحاولون استيلاد منهجيات فكرية حديثة، تتخطى مفهوم صدام الحضارات، ونهاية التاريخ، والعولمة والحداثة، إلى مفاهيم أخرى مستمدّة من التجربة التكنولوجية بكافة عوالمها من جهة، ومن النتائج القرائية التي أصابت البيئات والهويات الحضارية، من جهة ثانية.

وعن حال المترجمين في لبنان، نجد ويا للأسف مترجمين كبارا لا يتلقون ما يستحقونه من أجر، حيث تدّعي العديد من مؤسسات ودور النشر الخسارة في الموازين الربحية!! وتكتفي بميزانية متوسطة النسبة، من أجل تخصيصها للمترجم. وهذا هو دأب الناشرين والحكومات، بالأخص الحكومة اللبنانية، مع الكاتب أيضا، الذي لم يزل للأسف يتخبط في مشكلات الوضع الاقتصادي والاجتماعي والصحي دون أي ضمان.

وفي مجال الفن التشكيلي أرى أن الساحة اللبنانية استطاعت، استقطاب الفنانين السوريين، الذين قدّموا في معارض تشكيلية فردية وجماعية، تجربتهم الباهرة والأليمة في الوقت نفسه، عن المشهد الدموي المهول، الذي نزف، ولا يزال ينزف في بلادهم دونما توقف.

لكن، للأسف، جمهور اللوحة، كما جمهور الكتاب في لبنان، بات يتقلص مع مرور الأعوام، خصوصا عند الأجيال الشابة، بسبب انكفاء التربية الثقافية البناءة، لمصلحة التقهقر الأمني والاجتماعي والمالي المشهود في البلد.

* غادة علي كلش (كاتبة من لبنان)

ساعي بريد الغرقى

لم تحقق الترجمة مستوى الطموح الذي يأمله المثقف العربي من وإلى اللغة العربية، كما ولم تتناسب المؤسسات المعنية بالترجمة وحجم الحاجة العربية وتطلع المثقف العربي لذلك، ورغم قلة ما تم إصداره هذا العام إلا انه كان ملفتا وجيدا، على مستوى الأدب والنقد والعلوم الأخرى.

وفي مجال الرواية أرى أن الرواية قد تمثل الجانب التأملي للثقافة الإنسانية بعيدا عن لغة الانفعال في الشعر، ولذا تعدّ الرواية بصمة الشعوب الخارجة من بوتقة الثورة العاطفية وشحنة الانفعال، لتتعامل باسترخاء عال وذهنية تأملية محضة، وأعتقد أننا بدأنا نشهد حضورا روائيا ملفتا على المستوى العربي، رغم المشهد السياسي المنفعل، وعلّ أفضل ما قرأته عراقيا وعربيا، هي رواية “فرانكشتاين في بغداد” لأحمد السعدواي، ورواية “السيد أصغر أكبر” لمرتضى كزار.

وكلاهما روائيان عراقيان، وأقرّ بتسمية الأول روائي العام لدقته الكبيرة في توصيف الحال العراقي بعد التغيير وما آلت إليه البنية الاجتماعية، ولكم يؤسفني أن تذهب الجوائز العربية كأن تكون “البوكر العربية” إلى روايات لا تتقارب مع الدرجة الفنية العالية التي اشتغل عليه كل من السعداوي وكزار، وهذا حصل في وقت سابق مع روايات يوسف زيدان.

الحدث الأبرز شعريا انطلق من بغداد، فبعد اختيار “بغداد عاصمة للثقافة العربية” في ظل الظروف الاستثنائية التي يمر بها العراق، وتمر بها الأمة العربية، استطاعت، إلى حدّ ما؛ هذه المدينة من لمّ شمل الشعراء العرب ومن تكوين موقف موحد لمواجهة الدمار والقتل والتشدد بالكلمة وبالشعر تحديدا.

أما أفضل عمل شعري لهذا العام فأعتقد أن هناك أعمالا شعرية كثيرة مهمة لكن أذكر منها مجموعة “ساعي بريد الغرقى” للشاعر العراقي كريم راهي، لما تمثله هذه المجموعة من اشتغالات شعرية نثرية مهمة وأصيلة بلغة صافية ونقية.

وفي ما يتعلق بالجوائز فلم تضف الجوائز للمبدعين، وأعتقد أنها تتعلق بالاتجاه والمنحى الذي أقيمت لأجله، هذا من باب ومن باب آخر تتدخل الذائقة والتوجهات الفردية بل وتؤثر على نوعية اختيار الأعمال الفنية والأدبية بصورة عامة. وأرى أن الثقافة العربية مازالت مرتبطة براهن المتغير السياسي وليس العكس، وهذا ما يؤثر سلبا على نوع المشروع الثقافي العربي، في الوقت الذي تعمل فيه الأمم الناضجة على جعل المشروع الثقافي هو الأرضية التي تنطلق منها السياسة. ولذا كان المشروع الثقافي العربي، مشروعا متعثرا ومتلكئا لكونه وفي الغالب قد ارتبط بشكل أو بآخر بالمشاريع السياسية التي تمّ استبدالها والخروج على هيئتها الرسمية القابضة على المسمّى الثقافي لعقود طويلة.

* ميثم العتابي (شاعر من العراق)

_________