كيف يتحوّل نظام الإرث من مشكل فقهيّ إلى مشكل قانونيّ؟

مصطفى النحال

 

ما كاد الجدال الذي أثير حوْل استعمال الدارجة المغربية في التعليم يضع أوزاره، حتى تصاعدت اليوم حدّة جدال آخر حول سؤال مسبوق وهو نظام الإرث. وكما هو الأمر في الجدال السابق وغيره، فإنّ ما يطبع نقاشاتنا في المغرب هو أنها تبدو كأنها تثار للمرّة الأولى، وكأنّ النقاش حولها لم يسبق إليه غيرنا. إنّه مشكل قصَر الذّاكرَة.

في سنة 2008، كانَ المجلس العلمي الأعلى قدْ عمّمَ على المَجَالس العلْمية المحلية بمختلف أجهزتها، وخاصة القطاع النسائي بخصوص التعبئة لتصحيح المفاهيم الخاطئة بخصوص نظام توزيع الإرث في الإسْلام، وتوضيح مفهوم المساواة، بعدها مباشرة أعلن المجلس العلمي المحلي بفاس عن تنظيمه ندوة في موضوع «المنظور الإسلامي للمساواة بين الرجل والمرأة»، توزّعت أشغالها على محاور منها الدعوة إلى المساواة في الإرث.
بالموازاة مع ذلك، كانت الرابطة الديمقراطية لحقوق المرأة قد طالبت خلال الندوة التي عقدتها في 9 أكتوبر بالنظر في حالة واحدة من حالات التعصيب الكثيرة، وهي حالة أسرة لم تلد إلا بنت أو بنات، وأضافت طالبنا بمنع توريث أصحاب التعصيب الذين يرثون مع البنت، على اعتبار أن توريث هؤلاء كان معقولا في الزمن الذي كانت فيه العائلة الموسعة والعشيرة لا تتخلى عن أفراده. وكالعادة، فإن التيّار المحافظ يستلّ سلاح تدمير الشريعة والجهل بمقاصدها وبالحكمة من وراء الحفاظ على نظام الإرث كما كان في الماضي، ومن ثمّ يجرّم كل من يحاول فتح النقاش حوله.
هذا ملخّص النقاش الذي يُثار كلّما أُثيرت مسألة جانبية أو جزئية في مسألة الإرث.
إنّ حقيقة النقاش ليست في سدّ باب المناقشة، بقدر يكمن في إزالة الحرج الحقيقيّ والواقعيّ المتعلّق بحقوق المرأة ومساواتها الكاملة. ألا يتعلق الأمر في العمْق بالرغبة في المحافظة على واحد من «الطّابوهات» التي تُطيلُ السّبات الفقهيّ الذي لا رغبة له سوى أنْ يرى الظلام في كل محاولة فهم وتعديل واجْتهاد، وألاّ يرى في الكأس نصْف المملوءة سوى نصفها الفارغ.
لقد تحقق الكثير في مجال المساواة بين المرأة والرجل في بلادنا، وما كان يبدو مستحيلا في زمن سابق، بات أمرا واقعا وحقيقة. أين يوجد المشكل اليوم أو العائق؟ هل العائق، كما يقول عبد الله العروي « في يد شخص معيّن في الدولة؟ العائق فينا، في ذهننا، في ميولنا، في قلبنا وشعورنا، لأننا إلى الآن لمْ نفهم منطق الحداثة ولم نستوعبْه بكلّ معانيه، ولم ندرك أنّ هذا المفهوم «الدولة الحديثة» أو «المجتمع الحديث»، لا يحكم بالانهيار لا على العقيدة ولا على السلطة».
ولنا في بعْض علمائنا ما يدحض الفكر المتحجّر الذي يصدر عن حماة التقليد، ومن هؤلاء الأستاذ علال الفاسي الذي كان نموذجا يُحتدى به في مجال تجديد الدين والتشجيع على الاجتهاد ومراعاة السياق التاريخي والاجتماعي المتجدّد.

علال الفاسي: مقاصد الشريعة لا تأبى أن تستـفيد من تجارب السابقين ومن شرائعهم

ففي كتابه «مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها»، يعتبر علال الفاسي أنّ الإسلام دين عقل وفكر ونظر، وأن «الفعل الإلهي مبنيّ على ما فيه صلاح الإنسان وعمارة الأرض، وهذا مؤكد في النصوص الدينية».
إن الشريعة الإسلامية تنبني على كون الإنسان نفسه حامي العدل والحق، ولا يكفي فيها التكليف بظاهر القضاء والقانون، بل كلّفت الإنسان بأن يُنصف غيره من نفسه ولو كان القانون والقضاء في صفّه. «فالعدالة في الإسلام من صميم التطبيق للأحكام الشرعية وليست نظرية مستقلة عنها«. يستشهد علال الفاسي في حصر المقاصد في قول ابن القيم في كتاب «أعلام الموقعين، »وجماع المقاصد ما قاله ابن القيم:«إن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها».
أما أصل الشرائع السابقة فهو مرتبط بشرائع ذكر أمرها في القرآن أو في التوراة والإنجيل، واختلف العلماء في حجية هذا الأصل، ويقول علال الفاسي في هذا الأصل: »و عندي أن مقاصد الشريعة لا تأبى أن تستـفيد من تجارب السابقين ومن شرائعهم «.
ويضـيف »ومن حسن الـحظ أن الاتجاه العالمي لدراسة الشرائع المـختلفة ومقارنتها ببعضها سيـعمل على التقريب بينها، لأنها كلها تبحث عن طرق الإنصاف وتحقيق العدل بين الناس».
و» الاستحسان هو إيثار دليل على دليل يعارضه لمرجح يعتد به شرعا«. ومن أنواع الاستحسان مراعاة الخلاف عند الإمام مالك ويُعرف بأنه إعطاء كل واحد من الدليلين حكمه ومثال ذلك »قولهم في النكاح المختلف في فساده أنّه يفسخ بطلاق وفيه الميراث. فقد روعي الخلاف بترتيب الميراث وبضرورة الطلاق لحلّ ميثاق الزوجية واعتبر مع ذلك فسخا«.
ويأتي الاجتهاد باعتباره استفراغ الوسع في طلب العلم بالأحكام واستنباطها من أدلتها التفصيلية يمثل العلم الذي وضعه الإسلام ليشرك به المجتهدين في التشريع، وهو ما يجعل الشريعة الإسلامية مرنة تتطور مراعاة للمصلحة العامة والخاصة في جميع الجهات وفي كافة الأزمنة. ولما كانت الشريعة واحدة والفهوم عند أهل الاجتهاد متعددة فإن التباين في الأحكام يعود إلى عدة أسباب، مثل الخصوص والعموم، والرواية والنقل والإباحة والتوسيع، ومعرفة هذه الأسباب تمكّن الباحث من معرفة وجهة نظر كل فريق من المجتهدين، ومعرفة المجهود المبذول من قبل كل مجتهد لتطبيق الأحكام المستنبطة على أحوال البيئة التي يعيش فيها.
والقاعدة الأصولية الأصلية التي لم يتنبه إليها علماء الأصول حسب علال الفاسي هي قاعدة أمر الإرشاد، ومن الأمثلة لذلك قوله تعالى في تعدد الزوجات »فإن خفتم أن لاتعدلوا فواحدة«. فقد أرشد الشارع إلى الاكتفاء بواحدة عند الخوف من اللاّعدل، »فأي مانع من الاعتداد بهذا الأصل الذي هو أمر الإرشاد، والذي يتحقق بتحقق ما يقصد إليه الشارع في أمر معين«.
نلاحظُ هنا مدى استيعاب علال الفاسي، الذي كان محسوبا على التّيّار الدّيني السلفي، للتحوّل الحاصل لحركة الواقع بفعل عامل الحدثان ، فهو يرى أن البدء في أية عملية للتنمية والنهوض والارتقاء لابد أن تأخذ في اعتبارها هذا الواقع وأن لا تتجاهله؛ هذه الأساسيات الاجتهادية كانت حاضرة مقاصدها بإلحاح لذا الفاسي بوعي فقهي دقيق بمقدار التغير والتحول لحركة الواقع.
ومن جهة أخرى، ألا يمكن أن نقتضي في الإيمان بالاختلاف في الرأي ورحابته بما يقوله ابن رشد الحفيد عن الإرث: «واختلفوا من هذا الباب في التي تعرف بالغراوين، وهي فيمن ترك زوجة. وأبوين، أو زوجا وأبوين، فقال الجمهور في الأولى للزوجة الربع، وللأم ثلث ما بقي، وهو الربع من رأس المال، وللأب ما بقي وهو النصف، وقالوا في الثانية: للزوج النصف وللأم ثلث ما بقي، وهو السدس من رأس المال، وللأب ما بقي وهو السدسان، وهو قول زيد، والمشهور من قول علي رضي الله عنه. وقال ابن عباس في الأولى: للزوجة الربع من رأس المال، وللأم الثلث منه أيضا لأنها ذات فرض، وللأب ما بقي لأنه عاصب، وقال أيضا في الثانية: للزوج النصف، وللأم الثلث، لأنها ذات فرض مسمى، وللأب ما بقي، وبه قال شريح القاضي، وداود، وابن سيرين، وجماعة» (بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ص. 257). ويستخلص قائلا:»وما عليه الجمهور من طريق التعليل أظهر، وما عليه الفريق الثاني مع عدم التعليل أظهر، وأعني بالتعليل ههنا أن يكون أحق سببي الإنسان أولى بالإيثار».

عبد الله العروي: أقترح أنّ الدولة هي التي تعيّن من يصفي الإرث حسب قانون يرعى المصالح

إن المشكل، في حقيقته،يعود إلى عقلية معيّنة تسود مجتمعنا المغربيّ، أيْ، كما يقول عبد الله العروي في كتابه «عوائق التحديث:» أنّ المجتمع المغربي وغيره من المجتمعات المماثلة لا يودّ، ولا يريد، لا يستطيعُ أنْ يطبّق ذلك مائة بالمائة في جميع المجالات، فيتحايل يقبل مرّة هنا ومرة هنا، ولا يستطيع أن يقول هذه النقطة لا، لا أود ّلأنه حينئذ سيُشار إليه بأنه متخلّف عن القانون وعن الفكر وعن التطور.
هذا يعني أنْ ما تقْبله الصين واليابان وأفريقيا السوداء تأتينا أنت وتقول. آه، حضارتي لا تسمح بذلك? إذن اقفل عليك الباب وسرْ لأدغال أفريقيا واترك العالم لأصحابه? فيتحايل، ومن ضمْن التحايل المدونة.. نصفق لها طبعا?
إن هذه ?المدونة، يضيف العروي،. قالت بالمساواة بين الرجل والمرأة، فتقرَّر أن تُطبقها في ما يتعلق بجانب من جوانب الإرْث، وهو توريث أبناء البنت? كيف يمكن أن يرث أبناء الإبن الولد من الجد، وأبناء البنت لا يرثون؟ هذا حيْف مقبول عند كثير من الفقهاء، عند الحنفيّين مثلا، إلا أنْ المالكية كانت ترفضه. في سنة 1958 الفقهاء المالكيون، علال الفاسي والشفشاوني وغيرهما رفضوا هذا الحلّ? لكن هناك جانباً آخر لم ينتبه إليه أحد، وهو أنّ المشكل مع قانون الإرث عندنا، ليس أنه غير عادل، أو أنه لا يترك للمالك حرية التصرف في ملكه، بل يعطي لكل واحد حق الأصول? يعني أنتَ لا تعرف شخصاً ولمْ تلتق به أبداً، لكن متّ بلا وارث، فيأتي لأنه ابن الأخ ويأخذ نصيبه.
فمن المظاهر التي تعيق التقدم والتّحديث هي أنه لا يمكن بهذا النوع من الإرث تحقيق التراكم الاقتصادي. فتوريث البنت سيزيد من تفتيت الميراث. بينما علّل البعض أسباب التطوّر الحديث في أوربا بكون الأوربيين أعطوا الحق لكلّ فرد في أنْ يتصرف فيما ملك، وهي .«قاعدة».مأخوذة من الرّومان، ولا حق للعائلة، للأسرة وللقبيلة في التدخل? الإبن لا حق له في ما كسبه الأب. فكرة قاسية، غير واقعية، ولكن كانت تمكن من التراكم? فأنا إذا شقيت في جمع ثروة طيلة حياتي، يمكن أن أتركها لشخص واحد، وهو كذلك يتركها لشخص واحد، فالثروة لا تتفتّت?
وبما أنّ الرأسمال مبنيّ على الرأسمال المكوَّن، ففي البلدان التي أخذت القانون الروماني طوّرته في اتجاه سلطة الفرد، بما أنه صاحب الحق في ما ملك. وطبعاً حينما كنت أقول هذا لعلال الفاسي كان يقول لي لا.. لا.. لا. المِلْكية للجميع وليست للفرد، وقد كتب ذلك. غير أن علال الفاسي لم ينتبه لهذه القضية، وهي أنك إذا لم تعط حقّ التصرف في الملكية لمالكها لا يمكن أن تربي رأسمالا ذاتياً يمكنه هو في ما بعد أن يتطور جيلا بعد جيل.
فإذا كان هذا الإصلاح ضرورياً، وهو توريث البنت، حيث إن له مظاهر إيجابية، فإن له مظاهره السلبية الواضحة. ولم ينتبه أحد لذلك إلى الآن. حيث إن الواقع اليوم، حسب القانون الجديد، الذي أؤكد أنه ضروري وصالح وأصفق له، لكن نتيجته أنه في المستقبل إذا كان الإرث يتطلب خمسين سنة لكي يفصل فيه، فالآن سيتطلب مائة وخمسين سنة? لأن أولاد البنت لهم أسماء خارجية، ليسوا من داخل العشيرة أو القبيلة، ولهم مصالح مختلفة، وبعضهم ربما في كندا أو في سويسرا أو في ألمانيا.
وجمع هؤلاء والفصل في الإرث سيصبح غير ممكن.
وإذا كان هذا الإرث هو الأرض التي يريد مثلا. المستثمر الأمريكي أو الفرنسي أن يبني عليها مشروعه فقد انتهت القضية? هذه هي العوائق الحقيقيّة أمام التحديث. ستقولون لي? ولكن، لقد دافعت عن أصحاب العقيدة فكيف تقول بهذا؟ نعم، الحل سهل، وهو عوض الاستماع لهذه الفئة وتلك، من الحقوقيين أو العلماء أو غيرهم، لابد من الاستماع إلى الاقتصاديين? فلو حصل ذلك، لوجدوا حلاّ بإعطاء الحق لأبناء البنت والمحافظة في نفس الوقت على وحدة الميراث.
والحل موجود، وهو أنك تتفق على الاحتكام إلى شخص غير القاضي، وهذا موجود في القانون، لكنه غير مطبق، شخص له دراية واختصاص في الفصل في هذه الأمور. فيعمد المكلف بالموضوع إلى الفصل في الميراث في ظرف خمس سنوات مثلا. ولا يترك أية حرية للأشخاص. هو الذي يحرص على تطبيق القانون، إما القانون القديم الفقهي أو القانون الحديث، ويفصّل في القضية باعتباره ممثلا للدولة? لأنه الآن عندما يفصل القاضي في قضية الإرث لا يقوم بذلك باعتباره ممثلا للدولة، فهو لا يأخذ مصلحة الدولة بالاعتبار، بل يفصل حسب مصلحة المتقاضين، أي أنه وسيط بين كتاب الله وبين المتقاضين، وتصبح الدولة بين قوسين?
أما إذا قلتم، إن هذا الأمر غير ممكن اليوم في هذا الظرف، ظرف العولمة.، حينما أقترح أن الدولة هي التي تعين من يصفي الإرث حسب قانون يأخذ بعين الاعتبار مصالحها. وبذلك تكون الدولة هي الفاصلة، مثلما أصبحت اليوم في مسألة الزواج، وغدا في مسألة الطلاق. الدولة هي التي تفصل، وقاضي الأحوال الشخصية يمثل الدولة.
في حين أنه في الماضي، رئيس الدولة في الجزائر، إبان حكم الأجنبي مثلا، كان هو رئيس الجمهورية الفرنسية. بينما القاضي هو الذي يزوج ويطلق بين المسلمين? لأن الدولة أكانت فرنسية أم غير فرنسية غير داخلة في الموضوع. لأن القاضي يزوّج الرجل والمرأة، باعتبارهما شخصين، في حين أنّ الأمْر اليوم عندنا مختلف. إذ أصبح الزواج هو ما تقول الدولة إنه زواج. وهذا هو طريق التحديث.
هذا النوع من التحديث، من يرفضه، من يمكن أن يرفضه. إنه في مصلحة الجميع? وهذا التحديث يأخذ فقط بعين الاعتبار أن مدار التاريخ الحديث هو عن الدولة? الدولة بوصفها ممثِّلة للإرادة الجماعية. وهذه الدولة هي الواسطة بين الأشخاص. أما في ما قبل، في المغرب القديم، فالدولة لا وجود لها. لذلك، كانت الدولة تمر ويبقى المجتمع على حاله? الدولة تكون تركية فارسية فرنسية إنجليزية هولندية… والمجتمع هو هو الآن أصبح الأمر مختلفاً.
الآن، هذه الدولة ستتقوّى شيئاً فشيئاً بالإصلاحات. وبذلك ستصبح دولة الجماعة، وشيئاً فشيئاً لابد أن تصبح دولة ديمقراطية، لأنها ليست دولة مِلْكاً لشخص أو جماعة أو قبيلة، ليست هي الدولة في العرف الخلدونيّ، بل هي دولة الجميع. هي فكرة بما تفيده النظرية الحديثة. نظرية هيغل. فإذا قارنت مثلا بين ما يكتبه دانتي عن الدولة في القرن الرابع عشر، حسب النظرية المسيحية، نظرية الكنيسة، والدولة عند هيغل، نمر من الفكر القديم إلى الفكر الحديث.
نقطة أخيرة، لقد تكلمت بنوع من الاحتراس في الحكم، لأنني أعتبر شعور المؤمنين، وأعتبر شعور أصحاب السلطة. لا أطلق الكلام على عواهنه، رغم كل ما أقول، لأنني آخذ بعين الاعتبار الظروف. أشير إلى هذه النقطة باستمرار، ولكن دون أن تأخذ وقتاً كبيراً.

عن جريدة الاتحاد الاشتراكي ..12/28/2013