محنة الهوية

الاثنين, 30 ديسمبر 2013 

د. السيد ولد أباه

«الآن فينكيلكروت» فيلسوف فرنسي أصدر مؤخراً كتاباً بعنوان «الهوية الشقية» أثار جدلاً واسعاً في الوسط الفكري والسياسي الفرنسي، لتناوله إشكالية شديدة الحساسية في مجتمع شكلت فيه الجمهورية اللائكية

المركزية هوية الأمة التي استوعبت مكونات قومية ودينية شديدة التنوع انصهرت في النسيج الوطني. اتهم المؤلف بالتأثر بخطاب اليمين المتطرف في طرحه لموضوع الهوية القومية الفرنسية «المهددة» بالهجرة والروافد الثقافية والدينية «الغريبة» عن المجتمع الفرنسي (يعني هنا أساسا الجاليات العربية المسلمة). والمعروف أن الرئيس الفرنسي «اليميني» السابق «ساركوزي» شكل وزارة تعنى بالهوية القومية أثارت الجدل نفسه، من منظور الإشكالات المتشعبة التي يطرحها موضوع الانتماء في المجتمعات الليبرالية التي تقوم على مبدأ الفردية الحرة مقوماً أوحد لهوية الذات في البناء الاجتماعي المشترك. ومن هنا ينبع الإشكال المحوري الذي واكب عصور الحداثة منذ انطلاقتها الأولى وهو المتعلق بتصور هوية جماعية لا تقوم على الوحدة العضوية التلقائية (كالقبيلة أو الطائفة والملة)، وإنما على مبدأ الفرد الحر غير المتعين في انتماءات عليا تتجاوزه أو تحدد ماهيته الجوهرية. وبالرجوع للفيلسوف الكندي المعروف «تشارلز تيلور» في عمله الموسوعي «مصادر الذات: تشكل الهوية الحديثة” نلمس أن هذا الإشكال يندرج في مسار مفهومي طويل، بدأ مع اللاهوت المسيحي في استكشافه لمبدأ الذاتية الداخلية الذي بنى عليه “القديس أوغسطين” استدلاله على وجود الله في مقابل ما سمي بالبرهان الوجودي القائم على البرهنة على وجود الله من منظور الطبيعة المخلوقة. وبالنسية للقديس أوغسطين الطريق إلى الله يمر باستبطان الذات بالوعي التأملي المفضي لمعرفة الحق، ولا شك أن الفيلسوف الفرنسي “ديكارت”، هو الذي بلور في أفق حديث هذا التصور للوعي باستقلال تام عن الأبعاد الوجودية واللاهوتية، بحيث يصبح الأنا ذاتاً متفردة مكتفية بنفسها ومنفصلة عن أي رباط طبيعي واجتماعي، في نمط من “الانعزال الأنطولوجي” الجذري الذي يترتب عليه الانفصال عن العالم للتحكم فيه والسيطرة عليه. الفيلسوف الإنجليزي “جون لوك”، هو الذي بلور مبدأ الذاتية الفردية في أفق سياسي واجتماعي، بتأكيد استقلالية الفرد إزاء سلطة الماضي والتقليد، مكرساً فكرة أهلية الإنسان لصناعة مصيره وبناء هويته الفردية والجماعية، منيطاً بالدولة التعاقدية مسؤولية إنتاج القيم العمومية المشتركة التي هي أرضية الهوية الثقافية للأمة. ومن هنا الانقلاب الكبير الذي حدث في مرجعية البناء السياسي والاجتماعي، باستبدال “الحياة الخيرة” بالمعنى الأرسطي (أي النشاط العمومي المؤسس على الخير الجوهري المفضي للسعادة) بالحياة العادية المرتكزة على فاعلية الإنتاج والتبادل. بيد أن “تيلور” يبين أن الفردية الليبرالية القائمة على مبدأ المساواة التي هي فردية ميكانيكية جافة، اصطدمت منذ عصر الأنوار بإشكالية القدرة الفعلية على تحقيق الذات في أصالتها وخصوصيتها، في مجتمع لا يقر مبدأ لتشكله خارج إجراءات التعايش التوافقية. ذلك ما أدركه “روسو” وعبّر عنه برمزية الرجوع للطبيعة في دلالتها العضوية الروحية، قبل أن تبرز هذه النزعة الطبيعية القوية في الحركة الرومانسية التي ركزت على فكرة الهوية كنمط عيش ووجود فردي وجماعي يحقق به الإنسان أصالته وتميزه. وكما هو واضح لدى مفكري الرومانسية من أمثال “هردر” و«هرمان»، لا يمكن للإنسان أن يجسد إنسانيته الكونية إلا من خلال أنماط انتماء خصوصية، هي أساس هوية الفرد الذي لا يمكن أن ننظر إليه بصفته ذرة منعزلة ومكتفية بنفسها. وهكذا نشأ داخل التقليد الليبرالي الأوروبي مفهومان متمايزان للهوية، ينطلق أحدهما من مقولة الذاتية الفردية غير المتعينة، وينطلق ثانيهما من مفهوم الانتماء الجماعي للفرد، وللمقاربتين نتائج محورية في طبيعة الكيان الجماعي المنظم وشكل النظام السياسي المناسب له. فبالنسبة للمدرسة الليبرالية بالمفهوم الضيق لا مكان في المجال العمومي للهويات الخصوصية، بل هو ميدان محايد لا يقيم شأناً للخصوصيات الطبيعية والثقافية، يختزل الإنسان في منزلة المواطنة القائمة على الأهلية السياسية المترجمة في القانون كتعبير عن الإرادة المشتركة. المشكل الذي يطرحه هذا التصور هو التعارض بين مرجعية الحرية الفردية في دلالتها القصوى وأثرها العملي أي واقع التنوع والتعددية الذي لا يمكن أن يتشكل فعلاً، إلا بقبول حق الاختلاف الثقافي وحقوق المجموعات الخصوصية في الحضور في المجال العمومي. وقد عبر أبرز مفكري الليبرالية الإنجليزية في القرن التاسع عشر«جون ستيوارت ميل» عن هذا المأزق بقوله إن الديمقراطية لا يمكن أن تقوم في مجتمع متنوع، ويعني بذلك أن الفردية الليبرالية لا تعترف بالهويات الجوهرية وتقلص الاختلاف إلى حدوده الدنيا التي تأخذ من نموذج السوق مثالاً. بيد أن التصور المجموعاتي المقابل يتضمن خطر إلغاء الهويات الخصوصية لمبدأ المساواة الذي هو أساس ومستند الديمقراطية الحديثة، فضلاً عن الإشكال الذي تطرحه المضامين القيمية في الممارسة الديمقراطية ومدى حضورها في عوالم ثقافية ليست بالضرورة متلائمة مع منظومة حقوق الإنسان الحديثة. إن هذا التأرجح بين مبدئي الفردية الليبرالية غير المتعينة والهوية المجموعاتية للفرد يشكل حقل التوتر الخصب في الديمقراطيات الحديثة، ولئن كان غير قابل للحسم نظرياً رغم المحاولات الكثيرة التي تتالت في الفكر السياسي الحديث (خصوصاً منذ أن أصدر الفيلسوف الأميركي “جرن رولز” نظريته في العدالة التوزيعية عام 1971)، إلا أنه قابل للتسيير في حدين أقصيين: الإقرار بالحقوق الثقافية بصفتها من حقوق الإنسان الرئيسية من حيث انتماؤه لمجموعة متضامنة، والتمسك بالقيم الجوهرية للذاتية الحرة التي هي مرتكز وقاعدة البناء الديمقراطي الحديث. بهذا المعنى لا تكون الهوية سجناً مغلقاً، وإنما تكون حقلاً مشتركاً للدلالة والمعنى وإطاراً للذاكرة الجماعية المشتركة، مما يخلق إمكانات غنية للتعارف والتواصل وبالتالي للحوار والنقاش العمومي. الهوية حسب تعريف “تيلور” الذي نعود إليه مجدداً، هي الوعي بأن وضعيتنا في الزمن غير منغلقة في الحاضر، بل هي مرتبطة بماض تشكل فيه انتماؤنا، ومفتوحة على مستقبل يضعها في موقع التحدي والسؤال.