. ومع ذلك .. سنة سعيدة

عبد الجليل طليمات

الزمن كما في وعينا، وكما ندبره، وكما يسري علينا ويطوي السنين من عمرنا، مجتمعا وأفرادا.. هو زمن التكرار والاجترار والدوران في حلقة مفرغة .. إنه يبدو لنا زمنا آسنا راكدا، وهو ليس كذلك في طبيعته كسيرورة لا تتوقف ، حابلة بالمتغيرات « حيث لا شيء يبقى كما هو .. ولا كما كان « ، لكننا لا نواكب هذه السيرورة، وما قد تصير إليه بالوعي والفعل المطلوبين من أجل القبض على المصير وتقريره إراديا بدل المثول امامه حيارى ومذهولين وكأنه قدر منزل…
نطوي السنوات المتعاقبة وحالنا هو الحال، وشروخ جسد كياننا المجتمعي هي هي، نبدو سلحفائيين في علاقتنا بمجرى الزمن الذي ينساب كمجرى الانهار أمام أعيننا .. ولا نجد تعبيرا عن عجزنا التاريخي في امتلاك الزمن والتحكم فيه وفق إرادتنا ومطامحنا غير الارتماء في حضن نزعة ماضوية، تتلذذ بأمجاد سلف مزعومة أو مضخمة ، أو نزعة «مهدوية» تنتظر خلاصا موعودا هو الوهم في أجلى تمظهره المرضي في الوعي الفردي والجماعي . إن في ضعف الوعي التاريخي بالزمن كسيرورة، وبالتالي انعدام التدبير العقلاني له في عملية التخطيط والبناء والاستشراف للمستقبل ، ما يفسر الكثير من أعطابنا في السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة، بكلمة ما يفسر مأزقنا التاريخي المستحكم ….
« سبب نزول» هذه «الفذلكة»، توديعنا لسنة واستقبالنا لأخرى، استبدال رقم 13 ب 14 بعد ألفين ، وذلك في طقوس احتفالية قد يكون لها ما يبررها ويسوغها لدى كثير من الدول والشعوب ، خاصة تلك التي تقدر قيمة الزمن في التنمية الاقتصادية والتقدم الاجتماعي ، فتكون كل سنة جديدة حلت عليها مناسبة لتقديم الحصيلة أمام الذات وأمام المجتمع كطرف حاسم في التعاقد الديمقراطي . يحصل هذا عند الغير المختلف جدا عنا. أما عندنا فجل المؤشرات البادية للعيان تشير إلى المرارة، وإلى عبثية أي احتفاء : فكل « وعي شقي» فردي أو جماعي سيتساءل : بأي حال حللت علينا يا 2014 ؟ هل ستكونين فعلا ، في وضعنا المأزوم ، « سنة سعيدة «.. سنة واعدة بالسلم والديمقراطية والكرامة ؟ لأترك الوقائع تجيب ، فهي في عينيتها خير منبئ بالآتي .. وهذه عينة موجزة منها ( للإشارة فقط لا التحليل ) :
1 – : بعد ثلاث سنوات مرت على ما سمي مجازا وزيفا ب «الربيع العربي « ، يسير اتجاه تطور الأوضاع في أكثر من بلد عربي نحو التراجع عن أهداف ومطالب الميادين التي احتضنت النهوض الجماهيري غير المسبوق ضد الفساد والاستبداد ، فمصر اليوم (كمثال)، يوجد شعبها بين اختيارين : إما استبداد ملتح يحمل في جوفه ميولات ونزعات إرهابية تنمو وتتفجر كلما اشتد الخناق على تعبيرها الدعوي السياسي(الإخوان المسلمون) ، وإما استبداد بالنياشين والقبعات العسكرية ، والذي يحمل في تركيبته الاساسية كل عناصر ورموز عهد ما قبل 25 يناير..وما يجري في هذه اللحظات من صراع القوى والرهانات بكل الاشكال المهددة لروح الثورة وأهدافها ، لا يؤشر على مخرج ديمقراطي سلمي يحترم الحريات ويصون حقوق الإنسان والعيش الكريم للمصريين . . وفي العراق وسوريا ولبنان يعود الزمن بخطى سريعة إلى الوراء إلى عهد معركة صفين وأخواتها … كل ذلك والاحتلال الإسرائيلي ماض في مخططاته الاستيطانية والتهويدية والتصفوية للقضية الفلسطينية في محيط إقليمي يوفر له أكثر من أي وقت سابق شروط تنفيذها بلا اعتراضات محرجة له وضاغطة عليه .
2 – : وفي بلادنا المغرب، لم تعر الحكومة المنبثقة عن « الربيع المغربي « ودستوره الذي تم اجتراحه من العاصفة الإقليمية والحراك الشعبي الوطني، أي اعتبار أو قيمة في سياساتها المنتهجة منذ أزيد من سنتين، كما أنها لم تستوعب ملامح الزمن السياسي الجديد الماثل في الأفق إذا ما تم تفعيل الوثيقة الدستورية تفعيلا ديمقراطيا لنصها وروحها، ما جعلها تعطل تطبيقه وتصر على «اللعب» في منطقة دستور 1996 ، غير قادرة على مغادرتها حرصا على نيل شهادة حسن النية والثقة ..ما يصح معه وصفها بكونها حكومة ارتكاسية يمينية سياسيا ، إضافة إلى الطبيعة المحافظة إيديولوجيا لحزبها الأغلبي القائد ..
لقد قدمت الحكومة الحالية مثالا فاقعا على سوء تدبير الزمن السياسي، خاصة ما يتعلق بتحديد أجندة الإصلاحات المستعجلة .. وليس المخاض الطويل لإعادة تشكيل الحكومة والذي استغرق شهورا، واستمرار العمل بالدستور السابق في ما يخص هيكلة مجلس المستشارين، وعدم إجراء الانتخابات الجماعية في وقتها المحدد إلا مظهرا للاستهتار بالزمن ، والتعاطي العبثي اللاعقلاني معه سلوكا وتدبيرا .. فكل الملفات الاقتصادية والاجتماعية مازالت بلا أفق منظور للمعالجة والتقويم والإصلاح .. هناك ضجيج كبير حولها، ولا وجود لتصور تشاركي ناضج لمقاربتها مقاربة تأخذ بعين الاعتبار مفعول الزمن .. ألم تنقض عشرية إصلاح التعليم ، ثم سنوات البرنامج الاستعجالي ، فوجدنا أنفسنا وقد عدنا إلى نقطة الصفر في الإصلاح التربوي المطلوب ؟ .. حساب الزمن هو أقسى حساب ، ولكن كثيرين ممن يدبرون السياسات العمومية يديرون له الظهر لأنهم في منأى عن مفعوله المباشر .. فلا يكتوي بعبثية تدبير الزمن على المدى البعيد غير الوطن ومواطنيه البسطاء الذين يمثلون معظم فئات الشعب التي تنشد الخبز والمقعد في المدرسة والمستوصف في الحي، والكرامة في السكن والشغل للأبناء والفرح العميق الصادق في الأعياد…
زمننا دائري تكراري.. سيرنا فيه ومعه سلحفائي .. لا نتقدم خطوة إلى الامام إلا لنتراجع خطوات إلى الوراء .. لنتأمل ما يقع من حولنا ، هنا وهناك ، كي نتأكد أن حلول سنة جديدة لا يعني بالنسبة لإيقاع حياتنا العامة كمجتمع ، غير استبدال وزيادة : استبدال رقم بآخر ، وزيادة كمية في عمر معاناتنا مع واقع تأخرنا التاريخي الشامل .. وعلى الرغم من ذلك أقول للجميع : سنة سعيدة …

1/1/2014