ماذا لو نفذ حكم الإعدام في عبد الرحمان اليوسفي؟

الملف من اعداد : محمد خيرات-معنى السنوسي – احمد بيضي و محمد دهنون

لما تساءلت رئيسة «بيت الحكمة»، خديجة الرويسي، في برنامج تلفزي لميدي 1 تي. في: ماذا لو أن حكم الاعدام نفذ في عبد الرحمان اليوسفي، هل كنا سنصل التي الفترة التي نعيشها الآن، وكانت في حقيقة الأمر تضع سؤالا رهيبا ، يستند إلى ماضينا المعاصر، المحايث لكي تجيب على ما يمكنه أن يضيع منا مع تنفيد أحكام الإعدام!
وسيرة عبد الرحمان اليوسفي، سيرة المناضلين الذين قادوا المعركة من أجل التحرير وعودة الشرعية الملكية في شخص الملك محمد الخامس آنذاك، وتابعوا المعركة من أجل السيادة الشعبية وبناء الدولة الوطنية الديموقراطية، ووجدوا أنفسهم في سراديب الموت المتعددة، في منتصف الستينيات وفي البسعينيات، وبعد أن فرضت عليهم المنافي، لدواعي العنف أو لدواعي المعركة واستكمالها. وفي تاريخه، كان اليوسفي قريبا من الموت دائما. وتقول الحكاية إن الملك الحسن الثاني قدمه إلى نجله الملك محمد السادس باعتباره «أخطر مهرب سلاح من أجل المقاومة».
وهو كان من ضمن الذي توبعوا غيابيا في محاكمة 1971، ومنهم أسماء في الملف الذي بين أيديكم، وقد صدر فيهم الحكم بالإعدام غيابيا.. ونحن نعمم السؤال كله: ترى لو أن الاعدام، كل الإعدام نفذ، أي مغرب سيكون لنا اليوم، بالرغم من أننا نلنا ما يكفي -ويزيد- من الإعدامات ومن القتل الرسمي للمعارضين وغير الرسمي، بعد الاختطاف والقتل السري؟
شكرا للذين رحلوا وللذين أصروا، أكثر من قوة الدولة العادمة، على الحياة..

العدالة، السلطة
والسياسة في المغرب

الله وضع الملك على العرش من أجل حماية الملكية. ومن أجل هذه الحماية، ينص المذهب المالكي أنه إذا اقتضى الأمر ذلك، لا يجب التردد في التضحية بثلث السكان الذين يحملون أفكاراً سيئة من أجل الحفاظ على ثلثي السكان الصالحين…
الحسن الثاني

بعد الإنذار الجدي الذي وجهته محاولة الانقلاب العسكري بالصخيرات للسلطة، شاهدنا تدهوراً للمناخ السياسي وانحصاراً لأهم دواليب النظام، وبالرغم من الانخراط في شبه الإصلاحات، شاهدنا تنامياً للصراعات في أغلب القطاعات التي تنتمي إليها مختلف الشرائح الاجتماعية.
من جانب السلطة، استبد الشك والخوف بكل خدام الدولة. فبعد أن تم تطهير الجيش، ولاشيء يتسرب عن هذا الموضوع، اللهم إلا أن الألسن بدأت تخرج عن صمتها، وأنه تم إعطاء عناية خاصة لمشاكل ومطالب الضباط المادية. ويبدو أن جهاز الأمن لم يتضرر. ولم تعد إدارة تأطير الاقتصاد والسكان تعرف في أي اتجاه تسير.
وهكذا شل الخوف مسالك الفساد المباشر وكل اقتصاد الريع الذي كان محرك آلة الدولة توقف. وتنقيلات الموظفين الكبار والمتوسطين تحرك جميع دواليب عمل الدولة. الجميع كان واعياً بالفراغ، فقبل 10 يوليوز، كان هناك فراغ في الأحزاب السياسية. والآن بدأ البعض يهمس بأن هناك فراغاً في السلطة، لأن قاعدته الطبقية الضيقة أصلا تجتاز أزمة ثقة كبيرة.

داخل أوساط رجال الأعمال، هناك حذر وترقب بين الأقوياء، وتحولت عمليات البيع من بين الوسائل التي شكلت فرصاً سانحة للأقوياء. لكن هؤلاء لا يشترون، كانوا خائفين، وكان الفرنك مفقوداً. وكانت البورجوازية الوطنية غارقة في بلاغاتها الصحفية التي لم تكن تخيف أحداً في وقت كانت أزمة كبيرة داخل النظام تستفحل.
وبعدما أخذ احتياطاته في الخارج، سيتوجه النظام عما قريب نحو المشاكل السياسية الداخلية، ربما تجاه معارضته أو على الأقل ما تبقى منها، وسينفذ برنامج هذه المعارضة بدون مشاركتها. وهذه هي روح الإصلاح، سباق نحو هذا الإصلاح بأسلوب ديماغوجي واضح. إنه جانب الهروب إلى الأمام لوضعية تفكك النظام هاته.
في جميع قطاعات الحياة الاقتصادية والاجتماعية، كان النظام يصدر سيلا من البلاغات التي تبرز »إنجازاته«. و نادراً ما بلغت كثافة الدعاية هذه الحدود.
في مجال الفساد، كانت فرصة تصفية الحسابات بين الأجنحة والإدارات. لكن هذه الحملة لم تخدع أحداً. أصبحت الرشاوى أكبر وأغلى لأنها الأكثر خطراً.
في مجال الفلاحة، كانت كلمة إصلاح فلاحي متداولة بكثرة. والمسؤول عن هذا المجال، المسير الحقيقي لوزارة الداخلية، شاب تقنوقراطي يبدو أنه جعل من العلاقة مع الفلاحين هوساً. وكان واحد من أكثر الأشخاص ولاء وواحداً من أكثر خدام النظام فعالية، قد خرج من الظل. شخص يؤمن بالقوانين ويريد تطبيقها، وخاصة القوانين التي تهدف إلى خلق طبقة متوسطة في البادية.
في الغرب تم بالفعل نزع ملكية 4000 هكتار وتوزيعها على الفلاحين. ومس قرار نزع الملكية مغاربة من الكبار، وخاصة الحاج البشير والأمير مولاي حسن، بن ادريس، تابييرو، وتم أيضاً نزع ملكية 6000 هكتار ودائماً في منطقة الغرب. ومست هذه القرارات مصالح شخصيات قوية أمثال الحاكي أو الأمير مولاي عبد الله. والمعارضة لم تكن ساذجة. فإذا كانت هذه العمليات تهدف فعلاً إلى امتصاص »غضب« الفلاحين، فإنها شكلت بالخصوص طريقة ملتوية لبيع أراض مزعجة للدولة وبأثمان رخيصة. ذلك أن هؤلاء الملاك وحتى المقربين من القصر باعوا الأراضي التي كانت مردوديتها ضعيفة.
وفي مجال الاستقطاب الإيديولوجي كانت كل الأساليب جيدة، الدين، الله، الملك، الأخلاق. كل شيء كان مقبولا من أجل محاولات خلق فيودالية محلية تشبه إلى حد كبير السياسة القبلية للحماية.
كيف عاشت الطبقات الشعبية هذه الوضعية؟ حجم هذه الحركات تؤكدها الإضرابات العمالية، سواء التي نفذت في إطار الأجهزة النقابية أو خارجها. وليس صدفة أن تقع هذه الإضرابات في هذا التوقيت.
في خريبكة، شملت الإضرابات الأحياء المنجمية واستمرت أسابيع، وفي بعض الأحيان، أزيد من شهر. إضرابات لم يجد لها الموظفون الحكوميون المكلفون حلا. لم يكونوا يعرفون مع من يتكلمون، فالعمال يصرون على أنهم لن يستأنفوا العمل إلا بعد تلبية مطالبهم، وذلك بدون حاجة لمفاوضات مع أي كان. كان العمال يطعنون في الأجهزة النقابية، أي القيادات النقابية
وحسب أقوال أحد الكتاب الوطنيين للاتحاد المغربي للشغل، فإن سياسة النظام تمثلت في استفحال الإضرابات مصحوبة بالترهيب، من خلال حصار الأحياء المنجمية. وهذه السياسة كانت نتيجة مناورات استهدفت ضرب النقابات العمالية من خلال الأساليب التالية، والتي نجحت في:
ـ تنقيل »الرؤوس« القيادية إلى مناطق نائية.
ـ طرد المندوبين دون اعتبار لوضعية المنجمي.
ـ الإرشاء الذي أسفر عن تفكيك فيدرالية باطن الأرض التابعة للاتحاد المغربي للشغل.
وهكذا، فإن وزير الشباب أرسلان وأعضاء ديوانه لم يكونوا سوى الكاتب العام وأعضاء مكتب فيدرالية باطن الأرض التابعة للاتحاد المغربي للشغل!
من جهة أخرى، يبدو أن مناخاً من الفرحة كان سائداً في صفوف الفلاحين الذين استفادوا من عمليات نزع الملكية الأخيرة. نعم بعيداً عن هذه الفرجة، هل كان يهيمن على ضمير هؤلاء الفلاحين الامتنان للدولة؟ أم القناعة بأن النضال الذي خاضوه ووضعية ضعف النظام هي التي مكنتهم من تلك الأراضي؟ أم الامتنان لأعبابو؟
يبدو أن الحلين الثاني والثالث كانا هما الغالبان.
فمنذ أحداث الصخيرات، أبدى النظام أريحية لا تعادلها سوى ضعفه. لم يعد نظاماً لا يفنى ولا قوياً، وبالتالي كانت سياسة الضغط والتهديد تحت مظاهر المصالحة. هل هو تحول؟ هل استخلص الملك الدروس من عزلته؟ هل من مصلحته تغيير سياسته، كما كان يريد مستشاروه الذين لم يكن ينصت إليهم؟ »الآن البلد يعرف ملكه، وهذا هو الأخطر«، كما علق أحد رجال الأعمال المغاربة »»الذي يبقى ملكياً لكنه يريد من الملك أن يقبل ألا يمتلك من السلطات أكثر من ملكة بريطانيا، وذلك من أجل إنقاذ النظام ضامن وحدة المغرب««.
الشعب يعرف ملكه. لم يعد يراه كثيراً، ولكنه يسمع عنه: مساء يومي الأربعاء والسبت: يحكي زعيم استقلالي قائلا: كنت ألقي محاضرة، وكما هي العادة، كان مناضلو الحزب مكلفين بإلقاء الأسئلة… رأيتهم ينسحبون وسألت: ماذا يجري؟ كان الجواب: »لاشيء، حانت ساعة برنامج راديو طرابلس. لابد من الاستماع له«.
وخوفاً من الانتقام، لا أحد يقر بأنه ينصت إلى هؤلاء المغاربة الذين يتحدثون عبر الإذاعة الليبية التي تفضح جميع

الفضائح وتنقد بشدة أسلوب عيش الملك وعائلته والمحظوظين… بدأت بدور التمرد تنبت سواء في الدار البيضاء أو في البوادي ودخلت أجهزة الشرطة الخاصة والموازية والوحدات الخاصة في فورة أكبر بكثير مع فورة ماضي سنوات الستينيات التي ماتزال حاضرة في أذهان من يتحدثون عن »تلك الأغلبية الصامتة« هل هو الهدوء الذي يسبق العاصفة؟ أصبح الحل الوحيد هو اللجوء إلى القوة أكثر من أي وقت مضى وحصيلة هذا العقد من الزمن واضحة في هذا الموضوع.
1 – تمرد » «عدي وبيهي»« من أجل انقاذ القصر من »دكتاتورية الاستقلال« الحزب المهيمن آنذاك: وفاة عدي وبيهي في السجن وادانة العديد من رفاقه.
2 – مجزرة الريف (أكتوبر 1958) إعادة نفس العملية باثارة »تمرد« الريف وقبائل زمور ضد الفاسيين: خلال هذه الحرب التي أخذت شكل مجزرة وحشية نفذ خلالها أوفقير أساليب التعذيب بإقدامه على تشطيب قرى بأكملها وإحراق المدنيين ووضع قنابل في جلابيب بعض المعتقلين قبل أن يأمرهم بالجري…
3 – المؤمرة الأولى ضد حياة ولي العهد مولاي الحسن:
– أكتوبر 1959 محاكمة الحزب الشيوعي المغربي الذي فرض الديوان الملكي حله بمرسوم.
– دجنبر 1959 حملات القمع الأولي ضد الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ثلاثة أشهر فقط بعد تأسيسه والتي استمرت حتى فبراير 1960.
4 – التمرد العسكري في الأطلس المتوسط (فبراير 1960) وهي بالإعدام والبشير الزموري بالأشغال الشاقة والعديد من الأحكام القاسية بالسجن.
5 – المؤامرة الثانية ضد حياة ولي العهد مولاي الحسن: الحكم على الفخاري بن حمد ومحمد أزناك (وهما مقاومان سابقان) بالإعدام وتنفيذه وحكم على 20 آخرين بالسجن من 10 إلى 25 سنة.
6 – محاكمات يوليوز 1963: الحكم على 11 قياديا ومناضلا من الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بالإعدام والحكم على آخرين بالسجن من 3 إلى 20 سنة، ولكن بفضل حملة تضامنية دولية صدر العفو عن البصري وعمر بن جلون.
7 – النزاع الحدودي بين المغرب والجزائر (أكتوبر 1963) بإسم الاتحاد الوطني للقوات الشعبية أدان المهدي بن بركة النزاع المغربي الجزائري بخصوص ترسيم الحدود ،واعتبره مؤامرة كولونيالية وحكم على بن بركة وبرادة (رئيس الاتحاد الوطني لطلبة المغرب آنذاك) بالاعدام غيابيا.
8 – محاكمة مراكش الأولى (أكتوبر 63)، كان ذلك المؤامرة الرابعة ضد شخص الحسن الثاني منذ حصول المغرب على الاستقلال.
-اعدام عدد من المقاومين من بينهم لحسن الملقب بـ »»السيكليس»« أحد أبطال المقاومة ومحمد مول الكاراج.
9 – عملية الاستفزاز على الحدود المغربية الجزائرية (يونيو 64) الحكم بالإعدام ضد 14 شخصا نفد الحكم في مارس 65.
10 – حكم على شيخ العرب في يوليوز 1964 بالإعدام غيابيا خلال مؤامرة يوليوز. وقتل خلال مطاردته في الدار البيضاء.
11 – أحداث 23 مارس 1965 بالدار البيضاء شهدت لأول مرة التنديد بالنظام وخرجت عن سيطرة التنظيمات السياسية والنقابية وشهدت لأول مرة كذلك أول خطاب للملك يتضمن نقدا ذاتيا ثم اعلان حالة الاستثناء في يونيو وأكتوبر من نفس السنة واختطاف واغتيال المهدي بن بركة.
12 – تزايد القمع السياسي والمحاكمات (1967 – 1969).
– الحجز المستمر والمنع الفعلي للصحافة الوطنية والتقدمية: الطليعة، الكفاح الوطني، المحرر، العلم، لوبينيون، ليبراسيون.
– اعتقال العديد من مدراء الجرائد من ضمنهم اليازغي والفرقاني بتهمة »المس بالنظام العام وتوزيع منشورات في أعقاب مظاهرة للتضامن مع الشعب الفلسطيني.
– اعتقال عمر بن جلون القيادي في الاتحاد الوطني للقوات الشعبية.
– الحكم على المحجوب بن الصديق الكاتب العام للاتحاد المغربي للشغل بالسجن 18 شهرا نافذة لكونه وجه برقية إلى الديوان الملكي يؤكد فيها أن »الطبقة العاملة تحس بالغضب من ثقل الامبريالية على البلاد وهيمنة الصهيونية على المراكز الحيوية لأجهزة الدولة.
– اعتقال عواب لكونه ساند بن الصديق خلال تدخل أمام المكتب الدولي للشغل في جنيف.
– وانطلاقا من أكتوبر 1969 جرت حملة اعتقالات جديدة واختطافات واحتجازات في صفوف الاتحاد الوطني للقوات الشعبية.
– يونيو 1971: محاكمة مراكش المعروفة »بمؤامرة مدريد«
التذكير بهذه »المؤامرات« و»التمردات« والمحاكمات والإدانات والتصفيات جاء لإظهار أن الحاكمات التي تقترح دراستها ليست معزولة، ولكنها تترجم جيدا الخط السياسي للنظام منذ وصول الحسن الثاني للسلطة. فالحسن الثاني أراد ملكية مطلقة دون اقتسام: فالسلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية تابعة له مباشرة. والله والشعب »الوفي« يؤكد أن له الشرعية، و ليس للمعارضة مبرر للوجود – وبالتالي لابد من تدمير المعارضة أينما ظهرت وبأي شكل كانت. والملك لا يخفي ذلك عندما يصرح بأنه لا يهمه أن يكون هناك 15 مليون معارض. طالما ليست هناك معارضة.
ورغم ذلك فسياسته لم تحد أو تقلص من حركات المعارضة، بل إنها قوتها وعززت من شوكتها ذا لم تساهم في إعطائها اشكالا جديدة كما حصل خلال السنوات الثلاث الأخيرة.
فالمحاولة الإنقلابية الأولى التي كادت أن تعصف بالملكية الحالية بالمغرب، ساهم في الصحوة المفاجئة للعديد من الحركات المعارضة سواء كانت يسارية أو راديكالية. والجيش بدخوله العنيف في الحياة السياسية المغربية أطاح بالتيار الانتظاري. والملك الذي لا يبدو أنه تأمل بعض خلاصات أستاذه السابق في الرياضيات، كان أول من فوجيء بمحاولة استيلاء الجيش على السلطة. بن بركة كتب سنة 1965 »»صحيح أن الحسن الثاني استخدم الجيش أكثر من مرة لإخضاع القوات الشعبية» وعندما استفحل الوضع، أحس الملك أنه لن يجد أمامه في النهاية سوى العناصر المهيمنة داخل الجيش. وهؤلاء الرجال هم في خدمة مصالحهم، وتحالفاتهم الخاصة و بالتالي فهم ليسوا رجاله. فهم رجاله إذا قبل أن يكون رجلهم، يمكن أن يكون حليفهم بالأمس ويخشى أن يصبح أسيرهم غدا«.

المحاولة الإنقلابية الثانية التي تستبعد أية فكرة للحادث العرضي، أدخلت عنصرا جديدا في الحياة السياسية بالمغرب: فمنذ الاستقلال لم يسبق أن استهدفت الصراعات الداخلية مباشرة شخص الملك، لكن المحاولتين أكدتا أنه يوجد في المغرب تيار جديد يحدد هدفه في تدمير شخص الحسن الثاني. وهناك كذلك تيار داخل الجيش يبحث عن تغيير طبيعة النظام.
وعلى ضوء هذا العنصر الجديد، يمكن أن نلخص النهج السياسي الذي يمكن أن ينهجه الملك كالتالي: تدمير كل ما يمكن أن يهدد عرشه، والسير إلى حد استعمال العنف على الملكية و»تلثي الشعب السليم«.
وهكذا سنشهد عملية إخراج مسرحي ستنتهي بتدمير التقنوقراطية المدنية التي تشكلت منذ 1960 والتي حملت جزئيا مسؤولية تدهور الوضع من خلال نهب الأموال العمومية والعيش في رفاه مستفز في وقت يرزح الشعب تحت وطأة الفقر والبطالة والأمية. سيكون ذلك محاكمة الفاسدين حيث سيحاكم وزراء وموظفون كبار بقساوة لكونهم لم يكونوا في خدمة الدولة التي من المفترض أن يكونوا في خدمتها. سنحاول دراسة هذه المحاكمة على ضوء النقاشات خلال جلسات المحاكمة التي حظيت بتغطية إعلامية واسعة سواء من طرف الصحافة شبه الرسمية أو الإذاعة و التلفزة الوطنية أو من طرف صحافة »المعارضة«، وفي المقام الثاني سنتابع المسطرة المتبعة لتفكيك الجيش المسؤول بحق عن خدش صورة الملكية التي كانت في أحداث مستغلا الغموض الذي تلا وفاة المذبوح ورحيل عبابو نحو الرباط بحثا عن الملك. لكن الملكية كمؤسسة تلقت ضربة قاسية حتى لا نقول جرحا قاتلا. وستترجم عملية تفكيك الجيش بإجراءات إدارية وخاصة من خلال محاكمتي القنيطرة حيث ستتم على التوالي محاكمة انقلابيي الصخيرات والطيارين المسؤولين عن المحاولة الانقلابية الثانية (16 يوليوز 1972). وكما هو الشأن بالنسبة للكثير من الأشياء في المغرب كان لابد من انتظار هذا الهجوم العنيف الثاني في الأجواء، لتصحيح عدد من التقديرات فيما يتعلق بسير و نتائج المحاكمة الأولى. وفي المقام الثالث سنتحدث عن محاكمة مراكش المعروفة »بمحاكمة 33« التي بدأت في 1 فبراير 1972، وتدخل هذه المحاكمة في إطار المواجهة ضد اليسار الثورتي الجديد، وشهدت سنة 1972 عد اضطرابات سواء في الجامعة أو في القطاع المنجمي أؤ الضواحي العمالية. و طبيعة هذه الحركات واختلافاتها النوعية بالنظر إلى أشكال الصراع المعروفة سابقا، أعطت الانطباع بوجود تنظيم جديد يثير ويقود هذه الحركات التي كان حجمهاغير مسبوق في المغرب: شلل تام في الجامعات، اضرابات ومظاهرات عنيفة للطلبة و التلاميذ مدعومة في الغالب من المواطنين ضد قوات الشرطة، إضرابات متتالية في قطاع النسيج والمناجم والموانئ (الدار البيضاء على الخصوص) وسرعان ما ستمتد هذه الإضرابات الى المدن الأخرى، وستكون حملة الاعتقالات الواسعة والاختطافات هي رد النظام على مطالب 10% من السكان النشيطين التي تعمل في الصناعة والمناجم والصناعة التقليدية والنقل. وسيمثل العديد من الأشخاص الذين كانوا في عداد المفقودين أمام قاضي التحقيق بتهمة »المس بالأمن الداخلي للدولة« وهذه المحاكمة التي تأجلت عدة مرات لن تفتتح إلا يوم 30 يوليوز 1973 في أعقاب إضراب عن الطعام نفذه المعتقلون لمدة شهر للمطالبة بالحق في المحاكمة ضمن مطالب أخرى. سنة 1973 لم تشهد التهدئة المأمولة من طرف النظام ستكون سنة تتميز بأحداث مارس بمناسبة عيد العرش. وقد تم احتواء «المتمردين«« بسرعة واعتقال بعض الأشخاص كان كافيا لإقامة محاكمة جديدة »ضد المعارضة الشعبية، أي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. وكانت هذه محاكمة القنيطرة الثالثة أمام محكمة عسكرية طالت 159 مناضلا ومسؤولا في الاتحاد الوطني من ضمنهم أغلب أعضاء اللجنة الإدارية للحزب.
I – محاكمة الفاسدين:
»»هي حقيقة يقرها جميع المغاربة بأن سيطرة الفساد أرساها النظام، إذا كان الدركي وموظف الحالة المدنية والممرض الخ يسرقون فلأنهم يتبعون المثال، وهكذا شيئا فشيئا نصل إلى قيمة هرم الدولة حيث الوزراء والجنرالات والمقربون بوظائف غير محددة ومجموعة من المحظوظين يتقاسمون المغرب، يستغلونه بكل حرية ويعتبرونه ملكيتهم، يتصرفون فيه حسب رغبتهم، هذه الصورة لم تعد تستفز أحدا في المغرب حيث بإمكان أي شخص أن يعلم عبر إذاعة طرابلس أن السلطان أكبر مالك عقاري وأنه من جهة أخرى ينخرط في الأعمال ويستقبل في 47 قصرا .في كل المناطق النائية تكشف الاذاعة نظام نهب صناديق الدولة من طرف »كبار المملكة««
حاولت الحكومة التشويش على نداءات الثورة هاته. نجحت في ذلك بالدار البيضاء والرباط، لكن في غيرهما من المناطق كان بالإمكان معرفة لائحة ممتلكات الملك أو شقيقه، الاذاعة الليبية كانت تتحدث أيضا عن كبار الأعيان الموالين للنظام وتشرح كيف تحول هؤلاء خلال عشر سنوات إلى أصحاب ثروات طائلة.
ومن ثم كان وضع بعض الوزراء والأعيان في السجن غير كاف لبلوغ الهدف المنشود: تأكيد أن شيئا ما تغير في طريقة الحكم بالمغرب.
أدين سنة وزراء وثلاثة موظفين سامين وأربعة رجال أعمال بالرشوة أو محاولة الارتشاء في قضية بيع أرض لشركة »بانام« في مارس 1971. اكتشاف هذه الفضيحة التي لم تنجح محاولات طمسها، أبرز ظهور اصلاحيين جدد ليسوا من الجبال الوعرة والقاحلة بل من التكنات.
يوم 20 شتنبر 1972 كتب علي يعتة الأمين العام لحزب التحرير والاشتراكية (الممنوع) في مذكرة رئيس الدولة: »الفساد أصبح وباء عاما يسبب خرابا هائلا ويمس بسمعة بلادنا«.
رائحة المال كانت تخيم على جميع الادارات والقطاعات العمومية وستتم اثارة مالا يقل عن 27 قضية أمام محكمة العدل الخاصة لإثبات فساد المتهمين.
هذه المحكمة الخاصة المكلفة بالنظر في جرائم الفساد واستغلال النفوذ والاختلاسات التي يرتكبها موظفو الدولة، ينظمها ظهير بمثابة قانون رقم 157 – 72 – 1 بتاريخ 27 ذو القدعة 1392 موافق 6 أكتوبر 1972 الذي يعوض القانون رقم 64 – 4 بتاريخ 17 ذو القعدة 1384 (20 مارس 1965) الذي تم تغييره بالمرسوم الملكي بمثابة قانون رقم 65 – 562 بتاريخ 17 شعبان 1385 (11 دجنبر 1965) مقرها بالرباط ويمكن لوزير العدل أن يأمر بمرسوم بعقد جلسة أو عدة جلسات في مكان آخر وتتشكل المحكمة من رئيس معين بظهير وقاضيين مساعدين وثلاثة مستشارين وقاضي ممثل النيابة العامة وكاتب ضبط.
وحسب الفصل 11 يقوم قاضي التحقيق أو يأمر بفتح تحقيق حول الشخص المتهم وخاصة حول أصوله وموارده ومحتوى ممتلكاته ووسائل عيشه.
وهكذا مثل أمام قاضي التحقيق 14 شخصية سابقة من عالم السياسة أو الاقتصاد المغاربة بتهمة الفساد، ستة وزراء سابقين: محمد العيماني ويحيى الشفشاوي وكلاهما كانا يشرفان على حقيبة الاشغال العمومية وعبد الكريم لزرق ومامون الطاهري وكان مشرفين على المالية ومحمد الجعايدي (التجارة والصناعة والمناجم والملاحة التجارية) وعبد العزيز كريم (السياحة).
وبطل هذه المحاكمة كان بدون منازع هو عمر بن مسعود الذي أسس »شركة التيسير والتمثيل الدولي هدفها استثمار رؤوس الأموال الأجنبية بالمغرب«. وكان بذلك المؤهل والمحاور الوحيد لكل شركة تريد الاستقرار بالمغرب من أجل تطوير استثماراتها. من الفرنسيين إلى اليابانيين والسويسريين والبلجكيين والألمانيين والكنديين وخاصة الأمريكيين الذين اكتشفوا أن الفاتورة أصبحت غالية أكثر فأكثر مع تطور الشبكات والمسارات في الداخل وتصل إلى أعلى دوائر السلطة.بن مسعود الذي لم يكن «همه سوى تطوير المغرب».« كان يعطي الانطباع بتطوير حساباته البنكية في سويسرا، وعندما عاد المذبوح وفي يده هدية مسمومة من أمريكا أخبر الملك بقلقه من أساليب هذه »الشبكة الواسعة من الفساد واستغلال النفوذ،« وعد الحسن الثاني بالتدخل.
وقع تعديل وزاري أبعد بعض الوزراء المشبوهين. عاد المذبوح ليكرر طلبه لكن بدون فائدة. وكان لابد من وقوع محاولة انقلابية لكي يفتح الملك أعينه ويقرر تقديم أكباش فداء كما وصفتها الاذاعة الليبية. وحسب شهادات جديرة بالثقة، تم إعداد سجن لعلو كما يجب لاستقبال نزلائه الاستثنائيين… بالتأكيد الموظفون يمرون لكن الامتيازات تستمر وحتى السجون يجب أن تكون في مستوى هذه الشخصيات البارزة التي وقعت على عقود تتعلق ب»بناء خمسة معامل للسكر وسد، وتمركز شركة جنرال تاير الامريكية بالمغرب وإعداد مناجم الريف، وتجزئة أمباسادور بالرباط وبيع الحديد والرصاص أو المنغانيز إلى الخارج.
باختصار انفاق الذكاء بالنسبة لهذه المشاريع يستحق 12 مليون فرنك يؤكد محمد العيماني خلال المحاكمة «أؤكد لكم أن جميع الاجراءات المتعلقة بإنجاز مشروع مصنع السكر سوق السبت بتادلة أنجزت طبقا لمقتضيات طلب عروض الأثمان الدولي ودفتر التحملات المنشور في هذا الموضوع وطبقا للشروط الادارية والتقنية والمالية التي حددتها الدولة المغربية لهذا الغرض». وردا على أسئلة رئيس المحكمة حول الأفعال المنسوبة إليه، نفى العثماني التهم الموجهة إليه من طرف وكيل الملك والمتمثلة في كونه تلقى 250 ألف
درهم كرشوة من أجل تسهيل توقيع العقد من طرف شركة ألمانية: »السيد دفيد عمار، ممثل هذه الشركة الألمانية بالمغرب، الذي أعرفه منذ أزيد من 16سنة، أعطاني بالفعل قرضا بقيمة 250 ألف درهم لمساعدتي على بناء فيلا في الرباط.
وهذا القرض منح لي في اكتوبر 1964 شهرين بعد مغادرتي نهائيا للادارة العامة للمكتب الوطني للري (oni) والسيد دفيد عمار لم يمنحني هذا القرض بصفتي مديرا عاما لهذا المكتب، بل بصفتي كعضو في ناديه الرياضي لكن السيد العماني اعترف أن هذا القرض لم يكن موضوع اعتراف بدين ولا عقد سداد.
ويظهر من التوضيحات التي قدمها السيد العيماني الى المحكمة أن الفيلا المعنية كلفته 700 ا لف درهم وانه باعها بعد استكمال بنائها بمبلغ 1200000 درهم. وتحت الضغط المعنوي والتهديدات. التي لم يوضح السيد العيماني مصدرها ولا طبيعتها، صرح أمام الشرطة انه تلقى 250 ألف درهم كتحفيز لكونه قبل استقبال مدير الشركة الألمانية ووقع معه العقد.

وخلال المناقشات المسطرية ذكر الاستاذ برادة انه ليس من العدل أن تركز مسطرة التحقيق على تصريحات متهم هو عمر بن مسعود »ولمساعدة قاضي التحقيق على تسليط الضوء على هذه القضية، طلبنا منه الاستماع للوزير الأول كمساعد والاطلاع على الملفات الادارية المتعلقة بالقضايا التي تورط فيها المتهمون وتلقى تصريحات مدراء الشركات الاجنبية المعنية. لكن قاضي التحقيق للاسف، رفض هذا الطلب واقتصر على تصريحات عمر بن مسعود الذي ليس موظفا عموميا«.
اسم عمر بن مسعود ارتبط بجميع الملفات وتصريحاته كانت كافية بالنسبة للمحكمة. وفي قضية معمل السكر سيدي علال التازي. كافأ بن مسعود السيد يحيى الشفشاوني بهبة قدرها15 ألف دولار. وعبد العزيز بن شقرون بهبة6000 دولار، ومامون الطاهري بهبة 100 الف دولار.وفي قضية معمل السكر بلقصيري،دفع رشوة بقيمة 250 الف درهم لفائدة السيد يحيى الشفشاوني مدير المناجم السابق و 20 الف درهم كقرض للسيد ناصر بلعربي المدير السابق لمكتب الابحاث والمساهمات المعدنية brpm وفي قضية المحطة الحرارية لجرادة، قام السيد بن مسعود بالتدخل لصالح الشركة الروسية ايندرجو اكسبور لدى وزير الاشغال العمومية الذي طلب مبلغ 100 الف دولار. أما بخصوص وزير المالية السابق السيد الطاهري فقد طلب مبلغ 60 الف دولار مؤداة في الخارج. وهناك تصريحات اخرى مثيرة للمتهم الرئيسي «المرة الاولى التي سمعت الحديث عن هذه المجموعة، كان خلال تنفيذ المشروع المتعلق بالدراسات والتخطيط ومراقبة الاشغال ومعدات مناجم الريف بالناضورعندما اشترط السيد يحيي الشفشاوني مدير مكتب الابحاث والمساهمات المعدنية وقتها، اشترط ما أسماه حصته وحصة المجموعة المتكونة من عبد العزيز بن شقرون الذي شارك في المفاوضات مع الشركة الكندية ورايت WRIGHT محمد الجعايدي مسير شركة مناجم الريف او عبد الكريم لزرق الكاتب العام لوزارة المالية« الشفشاوني طلب مبلغ 50 الف دولار حتى يستمر التأخير المسجل في أداء الفواتير الشهرية للشركة الكندية. ويمكن أن نجد الكثير من الأمثلة من هذا النوع. ونقتصر على دراسة الدوائر ومتابعة تطورها حتى المرحلة النهائية.
الشركة الفرنسية أونتيك مهتمة ببناء مصنع للمعالجة في مناجم قطارة وربما لم تكن الوحيدة خاصة وان المساعدة الفرنسية الممنوحة لانجاز المشروع كانت مرتبطة بشرط بناء مصنع قطارة من طرف شركة فرنسية مديرها العام التجأ الى بن مسعود وتعامل معه للاتفاق على نسبة العمولة، كانت 4 بالمئة من الكلفة الاجمالية للمشروع اي ما قيمته 80 الف دولار. بن مسعود تعامل بدوره مع الوزراء والشخصيات المعنية. وقبل شروطهم ومطالبهم بالرغم من احتجاجات شريكه السيد براسور. ولكن في الغالب لا يفي بكل وعوده الا عندما تظهر صفقة جديدة.
كل شيء كان يجري كما لو ان الادارة المغربية تتجمد عند كل مشروع استثماري وان ابن مسعود وحده قادر على تحريكها.
وفي النهاية لم تسمح هذه المحاكمة. بالرغم من قساوة الاحكام بفتح نقاش في العمق. وكل محاولة لتقريبها من المحاولتين الانقلابيتين ليوليوز 1971 وغشت 1972 تم استبعادها تماما. وقضية بانام التي تورطت فيها شخصيات محمية، ورغم انها كانت مصدر كل النصائح كان مصيرها الحفظ. وهذه المحاكمة التي غطتها الصحافة المغربية بشكل واسع، وخاصة صحافة المعارضة، لم تتر اهتماما كبيرا لدى المواطنين.
الدفاع طلب البراءة للشخصيات المتهمة بالفساد. و صرح عدد من المحامين أنه إذا كان هناك فساد واستغلال نفوذ كما تزعم النيابة العامة فانهم مندهشون لعدم رؤية شخصيات اخرى لا تقل شهرة في قفص الاتهام مع المتهمين، بنفس الافعال أو أفعال شبيهة ورغم ان بعضهم ذكر اسمه في التحقيق. والعنصر الاهم الذي يبرز من هذه المحاكمة هو التناقض بين الاحكام بالسجن القاسية نسبيا مقارنة ببساطة الملفات.. التي كانت اساس هذه الإدانات. والملفات الحقيقية لم تتم دراستها أبدا من طرف المحكمة. والتناقض الاخر هو الذي يعيشه النظام تحت الضغط الشعبي. على التضحية باللعديد من خدامه السابقين.
والدولة كانت محاصرة في تناقضاتها بين اتجاهات موالية للامبريالية وأخرى رجعية من جهة والضغط الشعبي من جهة أخرى. وكانت مجبرة على التراجع ولو شكليا من خلال إدانات وأحكام ارادتها مثيرة. و الملف الاكبر لم يفتح بعد والمتعلق بالازمة العامة التي تعيشها البلاد. وأزمة سببها جزئيا تتزايد باستمرار شهيتهم لان يجعلوا من المغرب ملكية خاصة.
واحباط الذين يؤدون مكان الآخرين دفعهم إلى أن يتساءوا أمام المحكمة لماذا يؤدون و حدهم »الثمن« أو يؤكدوا أنهم لم يقولوا كل شيء…
II محاكمة الانقلابيين
تفكيك الجيش
محاكمة انقلابيي الصخيرات التي بدأت يوم 31 يناير 1972 لم تكشف عن أي مفاجآت أو تطورات جديدة. أوفقير الرجل الداهية حرص على سماع اعترافات رجاله شخصيا. ونعرف البقية: اعترافات كاملة، ربما انتزعت بالتعذيب وتم إعدام الضباط والجنرالات على الفور من طرف أوفقير. المدذبوح الذي قتل في الصخيرات وعبابو في مقر القيادة العامة، بعدهما لم يبق سوى المنفذين البسطاء للمحاكمة على محاولة الانقلاب بالقصر الملكي بالصخيرات يوم 10 يوليوز 1971. وجهت لهم تهم المس بالأمن العام الداخلي، والتآمر ومحاولة الانقلاب على الملك والعائلة الملكية وشكل الحكومة. وينص الفصل 163 من القانون الجنائي أن محاولة المس بشخص الملك عقوبتها الإعدام. وإذا ما اقتصرنا فقط على صرامة القانون الجنائي لا أحد فوق القانون، والقانون يطبق على الجميع دون تمييز في المرتبة بالنسبة للذين شاركوا في الانقلاب الذي كان يهدف إما إلى تدمير أو تغيير النظام أو تراتبية ولاية العرش أو حمل السلاح ضد السلطة الملكية« سواء تم ضبط هؤلاء الأشخاص في مكان وقوع التمرد أو خارجه.
المتهمون الـ 1081 في عملية الصخيرات طبق في حقهم قانون صدر يوم 26 يوليوز 1971 الذي غير قانون العدالة العسكرية. المحامون احتجوا ضد هذا القانون الذي لا يمكن أن يطبق بأثر رجعي في حق المتهمين مع ما يتضمنه من مقتضيات قاسية ومجحفة أكثر بالمقارنة مع المساطر المعمول بها أثناء وقوع الأفعال. وقد رفض وكيل الملك هذا التعليل مؤكدا قانونية المسطرة.
وباستثناء الضابط محمد الرايس الذي اعترف أنه قتل ضابطا، ظل المتهمون الآخرون ثابتين مثل الضابط عقا، الذي اعترف بقتل الجنرال بشير البوهالي ماجور عام في الجيش. أما باقي المتهمين فقد احتموا وراء تلقيهم الأوامر.
وبعد مرافعة دامت يومين طالب العقيد بنعيادة يوم 22 فبراير بالإعدام في حق 25 متهما والسجن المؤبد في حق 26 متهما والسجن 20 سنة في حق 25 متهما. وارتكزت مرافعته على الملف المبني خلال التحقيق الذي أقر بمسؤولية الضباط على أساس التصريح الذي صدر عن الكولونيل عبابو قبيل الهجوم: »بالنظر إلى الوضعية الحرجة للبلاد.
قررت القيادة العامة للبلاد اسقاط الملك ومهاجمة قصر الصخيرات«.
ورغم التهم الثقيلة لم تصدر المحكمة يوم 29 فبراير 1972 سوى حكم واحد بالإعدام، وتمت تبرئة 1008 متهم وثلاثة أحكام بالسجن المؤبد وأحكام أخرى تراوحت ما بين سنة و20 سنة سجنا.
وبمناسبة الذكرى 16 لتأسيس القوات المسلحة الملكية أصدر الحسن الثاني عفوا بتحويل حكم الإعدام الصادر في حق الضابط الرايس إلى السجن مدى الحياة.
كان الجنرال أوفقير وقتها وزيرا للدفاع، يقال انه أحال على التقاعد 15 ألف جل، وكان يغير باستمرار لوحة قيادة الجيش من خلال التنقيلات في صفوف القيادات بشكل لا يسمح بنسج صداقات متينة بين الضباط. ألغى المناطق العسكرية التي كان على رأسها جنرالات مستقلين تقريبا لكونهم كانوا يقودون في نفس الوقت القوات البرية والجوية وحتى البحرية في مناطقهم. هذه الفيوداليات العسكرية قد تصبح خطيرة في حالة وقوع انقلاب، وتم نزع سلاح أغلب الوحدات.
لكن سنلاحظ أن أوفقير المكلف بالقمع نهج التهدئة بدل القمع، كثف من ترقية الضباط، وبدأ في تنفيذ مخطط واسع للإصلاحات. لكن وبشكل خاص خلال المحاكمة سنلاحظ أن أوفقير تغير بالفعل. ذلك أنه تدخل لفائدة المتمردين، وبشكل مثير وغريب فإن أوفقير أبدى رحمة في الوقت الذي أعطى الملك أوامره للقضاء بإدانة الجميع بالإعدام حتى يمكنه فيما بعد ممارسة حق العفو، والنتيجة تمت إحالة كل القضاة على التقاعد، يا له من مفهوم للعدالة التي تقدم خدمات وليس تصدر أحكاما!
يوم الثلاثاء 17 أكتوبر 1972، تم تقديم 220 عسكريا ينتمون للقاعدة الجوية بالقنيطرة أمام المحكمة العسكرية بتهمة محاولة الانقلاب التي نفذت يوم 16 غشت 1972 ضد الملك الحسن الثاني والعائلة الملكية ومحاولة قلب النظام والمس بالأمن الداخلي للبلاد والاغتيال واحراق وتدمير بنيات عمومية وعدم تقديم المساعدة لشخص في خطر، ويظهر من رفض التهمة أن
– الليوتنان كولونيل أمقران مهندس العملية كان يقود هذه العملية انطلاقا من برج المراقبة بالقاعدة الجوية بالقنيطرة، وكان يرافقه ا لقبطان العربي المتهم أيضا.
– القائد الوافي كويرة، الليوتنان حميد بوخالف واليوتنان عبد القادر زياد هاجموا طائرة البوينغ الملكية.

الليوتنان بوخالف وزياد عاودوا الكرة وهاجموا المطار مخلفين قتلى وجرحى.
– الليوتنان زياد، والملازم المهدي … والملازم البحراوي الطاهر، وبونوا العربي والضابط عبد الرحمان كامون قصفوا القصر الملكي.
– الليوتنان كولونيل أمقران والملازم اليازيدي الميداوي اللذين وضعا حاجزا أمنيا حول قاعدة القنيطرة فرا على متن طائرة هيلوكبتر إلى جبل طارق.
ملف الاتهام يشير إلى اسم الجنرال أوفقير رسميا كان هو قائد الانقلاب عندما نبحث في أصول القضية، نجد أن أوفقير كان يحاول التقرب من أطر القنيطرة فور تعيينه من طرف الحسن الثاني على رأس الجيش في أعقاب المحاولة الانقلابية الأولى يوم 15 نونبر 1971 انتقد وزير الدفاع بشدة العائلة الملكية أمام الليوتنان كولونيل أمقران وكشف له عن نواياه الحقيقية القضاء على الملك يوم 9 غشت وبينما كان الملك في قصر بيتز بالضاحية الباريسية، طلب أوفقير من أمقران وكويرة الاعداد لمهاجمة الطائرة الملكية، وقع الهجوم يوم 16 غشت.
كان يرأس المحكمة العسكرية عبد النبي بوعشرين الذي ترأس أيضا محاكمة انقلابيين الصخيرات وهو ينحدر من عائلة مخزنية عريقة. كان إلى جانبه الجنرال محمد بلعربي والكولونيل دليمي والكولونيل محمد الشرقاوي والليوتنان كولونيل بوبكر سكيرج، حيث حرص هؤلاء على إنزال أحكام قاسية والملاحظة أن الكولونيل الدليمي والليوتنان كولونيل سيكرج كانا صحبة الملك في الطائرة أما الكولونيل رمضان بنعيادة هو الذي اضطلع بدور مفوض الحكومة وهو نفسه الذي اضطلع بنفس الدور في محاكمة انقلابيي الصخيرات ولم تتم إحالته على التقاعد.
ولفهم مختلف حيثيات هذه المحاكمة التي سنتحدث عنها منذ اغتيال أو انتحار أوفقير وحتى الصمت المفروض خلال المحاكمة على المتهمين وعلى الدفاع مرورا بتسليم بريطانيا للمغرب الضباط الذين طلبوا اللجوء السياسي. ولابد من التذكير بأن الملك كان شديد الحرص على نزع أي طابع سياسي عن المحاكمة.
أوفقير رجل التحولات المفاجئة كتبت لوفيغارو بهذا الخصوص يوم 30 غشت 1972 »ماذا تريدون أن يفعل ضد ثلاثة؟ أن يموت أو أن تنقذه صحوة يأس« وأضافت »هناك على الأقل حقيقة ثابتة في هذه القضية وهي أن الجنرال أوفقير مات مقتولا وأن الكولونيل الدليمي الذي تكفل بهذه المهمة القذرة… وليس
مستبعدا أن جناحا ما من القصر أو الملك نفسه لم ينتظر الحصول على دليل إدانته ليتخلص من شخص يعتبرون مزعجا«.
وكتبت »لونوفيل أبسرفاتور« :»كل الذين شاهدوا فجر الخميس جثة الجنرال لم يشكوا في ذلك: كانت بذلته العسكرية ملطخة بالدماء ومخترقة بالرصاص. رصاصة ا خترقت قفاه وخرجت من عينه اليسرى، مكسرة زجاج نظارته. رصاصة أخرى أصابته في الصدر على مستوى القلب، ثالثة اصابته على مستوى الكيليتين ورابعة في ذراعه الأيمن، عندما يثار الحديث عن انتحار، لا يضحك أنصار أوفقير بل يهزون أكتافهم«.
من جانبها كتبت لوموند يوم 19 غشت 1972 لتفسير موقف الحسن الثاني: »في كل الأحوال، كان للسطات المغربية أسباب وجيهة، إذا كان أوفقير قد قتل فعلا، للتغطية على هذه التصفية »بالانتحار«: إذ كيف يمكن أن نشرح للشعب المغربي دون أن يطرح أسئلة حول الأسباب العميقة لمثل هذا الفعل«، بأن وزير الدفاع المعروف بكونه أحد الأوفياء المقربين من الملكية، كان متورطا في عملية ضد الملك هو الذي يعتبر رجل ثقته؟
الملك نفسه أوضح في ندوته الصحفية الشهيرة أن »كل هذه القضية هي مغربية خالصة، وأفضل أن ننظف غسيلنا الوسخ داخل العائلة.. وعلى الذين يعتبرون أنفسهم خبراء في الشؤون المغاربية، ويدعون أنهم يعرفون كل شيء بالعلم، ألا يزعجوني..«
وعلقت لوفيغارو يوم 22 غشت 1972 بالقول »لنقل ذلك بوضوح، كان الحسن الثاني مخيبا للآمال. ظهر أنه »»مخبر»« غير مقنع وسياسي غير مقتنع بعمق خطورة الوضعية«.
أوفقير كان من الماضي، وكان دائما خائنا، ألم يكن »نتاجا خالصا للإقامة العامة الفرنسية؟«
نتاج الإقامة العامة هذا لم يفرض على الملك، هو الذي قربه منه وأوكل إليه تنفيذ المهام القذرة التي كونته الإقامة العامة لأجلها: القمع والتعذيب، اغتيال بن بركة، مجازر مارس 1965، مجازر أولاد خليفة و اللائحة طويلة.
ويلخص تيري ديجاردان كل ذلك بشكل جيد: »الحسن الثاني لم يكن يجهل أن أوفقير خدم في الماضي الإقامة العامة الفرنسية، وبالتالي ألا يدين نفسه بنفسه لكونه شغل مثل هذا الرجل؟«
العيب الثاني يتعلق باستقلال القضاء، استقلالية خرقها أوفقير كذلك: »في محاكمة القنيطرة، تدخل أوفقير شخصيا ضدا على تعليماتي، تعليماتي مدونة في محضر، وتشير إلى نظرية البنادق الذكية: إذا كان شخص
ما مشبها في كونه قتل بدم بارد مدنياً، أحكموا عليه بأقصى العقوبة. أما أنا اتركوني أستعمل حقي في العفو«.
أوفقير، البوليسي المحترف، أشرف سنة 1958 على القمع الوحشي الذي أعقب ثورات الريف، حيث تم إحراق القرى والمحاصيل وقتل السكان. وكوزير للداخلية أشرف على مجزرة 23 مارس 1965، عندما فتح نيران الدبابات والأسلحة الأوتوماتيكية، (1000 قتيل وأزيد من 600 جريح)، كان الرئيس الفعلي للوحدات الخاصة التي كانت تمارس التعذيب والاختطافات في الخارج، والتسلل والاستفزاز عن طريق عملاء، والدسائس والمؤامرات بعرض كسر أي حركة ثورية…
انتحار أو اغتيال، الشعب كان يعرف أوفقير جيداً حتى لا يحزن على مصيره، عاجلا أم آجلا كان لابد أن يؤدي ثمن جرائمه الفظيعة. من الريف إلى سوس، تلقى السكان بارتياح خبر وفاة أوفقير. وحسب مجلة »افريقيا ـ آسيا« كان المخطط الذي وضع للتخلص من الحسن الثاني وتعويضه بمجلس وصاية يعود إلى بداية 1970، ويعتقد أنه حظي بدعم روكويل سفير الولايات المتحدة بالرباط.
دوافع الأمريكيين تلخصها وثيقة صادرة عن ضابط كبير في البنتاغون: »المهم بالنسبة للمصالح الاستراتيجية في غرب المتوسط، هو تفادي سقوط السلطة السياسية في المغرب بين أيدي نظام ليبرالي مزعوم يعطي الحرية لديمقراطية برلمانية مزعومة ويدفع في النهاية المغرب إلى اتخاذ مواقف قومية متطرفة. نحن بحاجة إلى نظام قوي، والملك لم يعد قادراً على ضمان ذلك بعد محاولة الانقلاب الأخيرة. لقد فشل، مهما كان حجم قوى القمع الأمني التي سيسخرها…«.
مفوض الحكومة لن يدخل في هذه الاعتبارات ويؤكدون تقديم أي دليل: أوفقير انتحر والمحكمة لم تطرح أدنى سؤال، لا أحد طالب بشهادة طبية، فبالأحرى عملية تشريح، وعائلة أوفقير لم تتقدم بأية شكاية.
وفي كل الأحوال، أمقران وكويرة كانا أحياء وأضفوا على المحاكمة طابعاً سياسياً. ربما نجحت الدوائر المحيطة بمراكز القرار من خنق الحقيقة جزئياً، لكنها لن تستطيع منع أن تأخذ المحاكمة منحى سياسياً.
يوم 16 غشت 1972، بعد فشل المحاولة الانقلابية توجه أمقران والميداوي من قاعدة القنيطرة إلى جبل طارق على متن طائرة مروحية، طلباً اللجوء السياسي من بريطانيا. كانا مرفوقين بثلاثة ضباط صرحوا عند وصولهم أنهم لم يشاركوا في التمرد وعبروا عن رغبتهم في العودة إلى المغرب.
ومنذ مساء الخميس، تم نقل اللاجئين المغربيين على متن طائرة عسكرية مغربية جاءت خصيصاً لنقلهم من جبل طارق.
الطريقة مخالفة تماماً للمبدأ الذي تتعامل به بريطانيا عادة تجاه اللاجئين السياسيين الذين يطلبون حق اللجوء. لم يكن هناك ما يجبر بريطانيا على تسليم اللاجئين، لأنه لا توجد أي معاهدة للترحيل بين لندن والرباط.
الأوساط الحكومية البريطانية أثارت أنها لو رفضت تسليم الضابطين، فإن المغرب كان سيوقف تموين الصخرة ويستدعي 3000 مغربي العاملين هناك، كرد على الرفض البريطاني.
الموقف البريطاني لم يكن مقنعاً، بل تعرض لانتقادات قوية، سواء في بريطانيا أو في الخارج. الحزب العمالي البريطاني أدان قرار الحكومة. الصحافة البريطانية (الغارديان، صانداي ميرور، بيبول، صانداي تايمز، أوبزيرفر)، انتقدت كذلك قرار الحزب المحافظ. وكتبت صحيفة »الأوبزوفي« ما يلي: »إذا كان حق اللجوء غير ممكن في حالة انقلاب عسكري ضد نظام استبدادي لملك فيودالي، إذن ممارسته يجب تحديدها بصرامة، أو بالأحرى سيكون ذلك، كما لو أن الأمر يتعلق بحجة ضمان علاقات ثكنة جبل طارق. إنها قضية بئيسة«.
صحيفة »لوموند« كتبت يوم 19 غشت »بإرسالها الكولونيل أمقران والليوتنان ميداوي إلى حبل المشنقة، غامرت الحكومة البريطانية كثيراً واتخذت قراراً قد ينقلب عليها… كان السيد هيت (رئيس الوزراء) يتوفر على وسائل أخرى وكان بإمكانه أن يرفض منح الرجلين حق اللجوء دون أن يرسلهم إلى الموت«.
على المستوى الدولي، تعرض موقف بريطانيا لانتقاد شديد من طرف الجمهورية العربية الليبية التي وجهت احتجاجاً شديداً لبريطانيا وحملتها مسؤولية ما يواجهه »الضباط الأحرار المغاربة«.
من هو أمقران
الليوتنان كولونيل أمقران، وعلى النقيض من الجنرال أوفقير، لم يدخل المسار العسكري إلا بعد استقلال المغرب.
أمازيغي من الريف وأكبر أبناء عائلة فقيرة مكونة من 12 فرداً. متزوج من ألمانية.
وله ولدان. يتكلم 6 لغات. تخرج من المدرسة العسكرية بطليطلة وكان واحداً من 500 طالب ضابط شكلوا الفوج الأول للضباط المتخرجين ما بعد الاستقلال (فوج محمد الخامس). حصل على دبلوم طيار من مدرسة »تور«. كان قائد سرية طيران بمكناس سنة 1963، قام بتدريب عسكري بالولايات المتحدة لمدة سنتين كطيار لطائرة f5. ظل على رأس القاعدة العسكرية بالقنيطرة لمدة 4 سنوات. وهناك عاش حياة بسيطة يساعد عائلته التي ظلت مستقرة بالريف، وشاهد التهريب الفظيع الذي يمارسه أعيان المملكة في السجائر والأدوات المنزلية والسجائر… إلخ بفضل الواردات التي يقوم بها الأمريكيون إلى قاعدة القنيطرة، والتي لا تخضع لمراقبة وواجبات الجمارك.
على الصعيد السياسي، يمكن أن نشير أنه خلال تدريب بالقاعدة الجوية بمراكش سنة 1959، حامت الشبهات حول إمكانية مشاركة أمقران في انتفاضة الريف. وخلال الانقلاب العسكري للصخيرات، تلقى الأمر بقصف الرباط ورفض. ومنذ ذلك الحين، عين نائب قائد سلاح الجو. كان يعيش في منزل بسيط ويركب سيارة قديمة مستعملة، لم تكن له أدنى علاقة بانقلابيي الصخيرات الأغنياء وبدون قناعات. الطيارون والجنود يحتفظون له بذكرى الصديق أكثر من رئيس.
من هو كويرة؟
الشاب الريفي كويرة من جيل ضباط ما بعد الاستقلال. استقامته وخصاله الإنسانية تجعل منه خليفة مشرفاً لأمقران على رأس قاعدة القنيطرة. استطاع كويرة أن يحافظ على روح الصداقة التي أرساها أمقران والدليل على ذلك، هو الانسجام الذي وحد كل قاعدة القنيطرة يوم 16 غشت خلال الانقلاب العسكري الفاشل.
المتهمان الرئيسيان اعترفا بالتهم المنسوبة إليهما. ومن ثم »هل يمكن معرفة الدوافع الحقيقية التي دفعت للمرة الثانية خلال 13 شهراً، العسكريين المدللين من طرف الملكية إلى التمرد؟… إبراز الطموحات السياسية الشخصية، الرغبة في تغيير النظام الاقتصادي والاجتماعي، الحديث عن محاولة تقليد جيوش عربية أخرى؟ دور وأهداف أوفقير، الذي لم يكن أحد في الرباط يرى فيه بالضرورة زعيم المؤامرة، هل يمكن توضيح ملابسات وفاته؟«.
لمحاولة الجواب عن انشغالات مختلف المراقبين والباحثين المهتمين بالمشاكل المغربية، سنترك الكلمة للمتهمين الذين اعترفوا بأنهم كانوا يريدون قتل الملك وقلب النظام الملكي. وفيما يلي بعض المقتطفات من التدخلات المدونة في محضر الاستنطاق.

-أمقران: أوفقير كلمني على انفراد ليحدثني عن بلادنا عشرة ايام بعد ذلك وبالضبط يوم 25 نونبر 1971 اقترح أمامي تصفية الملك جسديا قال لي: الوضعية السياسية كارثية،يمكن ان يستولي على السلطة عناصر خارج السيطرة، الفساد سائد وأخلاق القصر تدهورت.
رئيس المحكمة بغضب: ليس من حقك التلميح للعائلة الملكية
-امقران: لماذا قبلت المشاركة في هذا الانقلاب؟ في سنة 1956 قدمنا من الريف الى الرباط للقاء الحسن بن محمد الذي كان رئيس أركان القوات المسلحة الملكية.
رئيس المحكمة لسنا بحاجة لمعرفة تعليقاتك ولا الدوافع التي دفعتكم للتحرك
-الاستاذ الفاروقي: الفصل 88من القانون العسكري يسمح لموكلي باثارة كل ما من شأنه كشف الحقيقة. شيئا أم أبينا هذه القضية هي قضية سياسية. انها تتعلق برئيس الدولة الذي هو شخصية سياسية وتتعلق بقلب النظام. ومن حق موكلي ان يدلي بأي تصريح مفيد لتحديد عنصر النية.
ـ أمقران: لماذا قبلت؟ انا وطني ولست سياسيا. عندما حكى لي اوفقير ما يجري في البلاد وخاصة في القصر الملكي، اصبت بالصدمة، يمكن ان اؤكد لكم انه لو كان الأمر يتعلق بوالدي، لكنت تآمرت ضده.
في سنة 1956 عندما انخرطت في صفوف الجيش، عانقت الملكية وشخصيا انا لست جمهوريا. و لكن يوم 16 غشت كان شعاري مختلفا وعبرت عن قناعتي بشكل مختلف لأن الامور تغيرت.
– مفوض الحكومة: ماهو المخطط الذي كان يتبعه اوفقير من خلال عملية نونبر، وهو المخطط ا لمدون في الكتاب الذي سلمه لك أوفقير؟
-امقران: كان يريد ان تكون عملية عنيفة وسريعة حتى لا يكون أمام القوى الرجعية ولا سيما الاحزاب السياسية وقت لتطويقها. كان يريد بذلك ان تتم العملية في اطار الشرعية ودون كثير من الضحايا.
-مفوض الحكومة : تزعم انك مخلص لشعار الجيش (الله، الوطن، الملك) لماذا اذا قبلت مقترحات أوفقير؟
– أمقران: قبلت بعدما حكى لي عن الملك والعائلة الملكية
مفوض الحكومة: كان بامكان اي كان ان يحكي لك مثل هذا الكلام.
-أمقران: ولكن لا يتعلق الأمر بأي ما؟ انه شخص كان يتوفر على كل السلطات بين يديه. يمكن القول انه كان ملكا.
مفوض الحكومة: ماذا كنت تأمل؟ انت الذي اجتزت الكثير من المراحل: أنت بدرجة ليوتنان كولونيل الآن.
-أمقران: تصرفت كوطني. لم تكن لي ادنى فكرة عما سيتم ارساؤه جمهورية: ديكاكتورية، اوليغارشيا.
-مفوض حكومة: قبل انخراطك في الجيش، اديت قسم الوفاء لشعارك الله، الوطن، الملك لماذا اخلفت هذا القسم؟
-امقران: كان ذلك سنة1956 وكان أمام محمد الخامس، اديت القسم أمام رجل ادى بدوره ا لقسم مثلي بالوفاء. انه مثل عقد زواج، لكن ا لطرف الاخر لم يحترم بنود العقد.
اما بخصوص الضابط كويرة الذي قرر الموت من أجل الشعب فقد اختار الحديث عن بؤس الشعب بهذه العبارات »سألت اوفقير ما الذي دفعه لهذا التصرف، رسم امامي صورة قائتمة جدا عن الوضع السياسي والاجتماعي في البلاد، حدثني عما يجري في القصر الملكي، عن المحسوبية السائدة في الادارة عن سياسة التعليم التي تقصي الطبقات الشعبية وعن اراضي المعمرين التي لم يتم استرجاعها لإعادة توزيعها على الفلاحين.
كانا رجلين غاضبين ربما لم يكن لديهما ما يخسران كانا يتحدثان بعض من آخر كلماتهم ستجعل من هذه المحاكمة، وخلافا لرغبة المحكمة، منبرا سياسيا يمكن ان نصفه بالبدائي لان عدة تناقضات كبيرة تظل قائمة. اوفقير، كماقال المتهمون كان بيده كل السلطات لكن كان لديه احساس بأن عناصر خارج السيطرة ستنتزعها منه.
اوفقير ليس سوى «شيطان» تمكن من التأثير عليهم انه ايضا انقلاب عسكري نفذه الجيش والاحزاب السياسية لكن كان هدفه هو قطع الطريق امام هذه الاحزاب نفسها.
وعن سؤال المندوب الحكومة «قلتم انه كان لديكم احساس قبل 16 غشت بأن كل الجيش كان الى جانب اوفقير. فهل تعتقد الان انه بعد فشل المحاولة كان ذلك صحيحا؟ كان جواب أمقران نعم.
-امقران يتناقض مع نفسه في رسالة موجهة لوكيل الملك: »لم افهم جيدا سؤالكم بالتأكيد ، ما كان لاي شخص عاقل ان يبقى وراء رجل خان ملكه«.
وبالتالي، هناك صعوبة كبيرة في فهم أمقران الذي يسانده بقوة القذافي بينما يصرح بانه «لا يحب لا جمهورية القذافي ولا جمهورية عبد الناصر او السادات«.
الدفاع من جانبه لم يساعد في توضيح الأمور حرصا على الحفاظ للمحاكمة على »»طابع الهدوء«« وربما البحث عن هذا الهدوء هو الذي جعل الجميع متفقا على عدم الأخذ بصيغة تقريبية للأمور، عندما يصرخ أمقران مثلا: »كان مفترضا أن يقدم لنا الأمريكيون مساعدة مالية لتنفيذ مشاريعنا، وكنت عضوا في اللجنة التي كان يشرف عليها أوفقير نفسه« لم يكن أحد يريد معرفة المزيد، لا المحكمة ولا الدفاع، والملاحظ كذلك أن كويرة كان يحيل دائما على الله والإسلام »يتعلق الأمر ببلدنا وإذا كان ما سنقدم عليه في غير صالح بلادنا أدعو الله أن يفشل مسعانا« وعندما سأله محاميه إن كان لديه شهود أجاب »ليس لي سوى شاهد واحد، هو الله«. كما ذكر عمر بن الخطاب صحابي الرسول المشهود له بالريادة في المساواة والعدل : »حاربوا الانحرافات بالقوة!« وعندما اقتيد أمام الحسن الثاني قال له : »ما قمت به، قمت باسم الشعب«. وعندما نعلم الشراسة التي تعامل بها كويرة لضرب طائرة الملك في الجو حتى النهاية، لا نفهم تصريحه أنه منذ أن رأى الحسن الثاني والسبحة في يده، فهم أن موقف الملك هو موقف مؤمن.
وسنجد هذا التحول المفاجئ عند امقران أيضا الذي أطنب أمام القضاة في ترديد عبارات المديح تجاه الملك. لكن أمقران الذي خانه أوفقير، لم يستسلم، وأرسل طائراته تقصف الملك في المطار وتقصف القصر. كل هذا يثير الصدمة ولكنه غير مفاجىء.
وجاء دور شهود الإدانة الذين ركزوا كلهم على مسؤوليات الجنرال أوفقير. كان ذلك منتظراً، كما كان منتظراً المرافعة العنيفة لمفوض الحكومة الذي طالب بـ 14 حكماً بالإعدام و 3 أحكام بالمؤبد و 4 بالسجن 20 سنة و 4 بالسجن 5 سنوات، وترك للمحكمة النظر في العقوبة لباقي المتهمين. وختم الكولونيل بنعيادة بالتأكيد: »النقاشات أثبتت أن أوفقير كان يريد التخلص من جميع من شاركوا في المؤامرة«.

ملاحظات حول سير المحاكم

أشار الأستاذ سيمون بن عمارة بوعزيز المحامي بباريس والمنتدب كملاحظ من طرف الجمعية الدولية للحقوقيين الديمقراطيين أن هناك ما يدعو إلى »القلق فيما يخص احترام الحريات الفردية وحقوق الدفاع، وفيما يخص استقلالية السلطة القضائية…
ذلك أنه من بين الضباط الكبار الأربعة المشكلين لمحكمة القنيطرة إلى جانب الرئيس هناك الكولونيل الدليمي والكولونيل سكيرج. وهذان الضابطان كانا على متن البوينغ الملكية التي حاول بعض المتهمين إسقاطها ولهذا السبب فهما حكم وطرف في المحاكمة.

الأحكام بالإعدام

يتعلق الأمر بالليوتنان كولونيل أمقران (منسق الهجمات) الكومندان كويرة (قائد قاعدة F5 الذي شارك في مطاردة الطائرة الملكية) الليوتنان زياد والليوتنان بوخالف (اللذين قصفا الطائرة والمطار) الضباط الخمسة بلقاسم، مهدي، بنوا العربي، بحراوي وكامون (الذين هاجموا قصر الضيوف) القبطان العربي (الحاضرين برج المراقبة أثناء الهجوم) الضابط الميداوي اليزيد (الذي رافق امقران إلى جبل طارق).
وإلى جانب ردود الفعل الدولية كان للمحاكمة ردود فعل واسعة داخل البلاد، واعتبر أغلب المراقبين أن هذه المحاكمة تجاوزت كثيرا اطارها القضائي والقانوني وفرضت نفسها كحدث سياسي كبير.
فالأستاذ اكديرة، المعروف بعلاقاته الشخصية مع الملك، وخلال المرافعة التي قدمها أمام المحكمة ركز على العمليتن الانقلابيتين الفاشلتين تجدان تفسيرهما في تعليق نشاط المؤسسات السياسية والتمثيلية للشعب وبالتالي، فإن للمحاكمة طابع سياسي بارز. من جانبه طالب حزب الاستقلال عدم تنفيذ أحكام الاعدام بينما طالب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بإلغاء جميع الأحكام السياسية الصادرة دون تمييز، لأن المحاكمات العسكرية هي قبل كل شيء محاكمات سياسية…

III – محاكمات اليسار التقدمي والثوري

المحاولات الانقلابية ضد الملك الحسن الثاني، لم تكن فاشلة تماما في نظر أكثر المتفائلين. فقد ظهر أن الملك استخلص الدروس من الأحداث ويريد فعلا الانخراط في طريق المفاوضات مع الأحزاب وعندما طرح جان دانييل المدير السياسي لمجلة نوفيل اوبسرفاتور الفرنسية في يوليوز 1970، على الملك السؤال التالي: »… عندما يتم إسقاط ملكية كما في ليبيا مثلا ماهو رد فعلكم؟« أجابه الملك: ».. إذا ما سقطت ملكية فلأنها استوفت زمنها أو أنها تستحق ذلك، الجميع كان يتوقع منذ زمان ما وقع في ليبيا كما كان الأمر قبل ذلك بالنسبة لسقوط فاروق في مصر وإذا ما حصل لي ذلك فلأنني أستحقه…«.
كان ذلك سنة 1970 ونحن في سنة 1973 وخلال هذه المدة حصلت في المغرب أحداث كبرى ذات أبعاد درامية، الصخيرات 16 غشت واحد 3 مارس… كأبرز هذه الأحداث التي هزت ركائز النظام.
– فالعمليات الانقلالية أظهرت للعلن في الخارج. والأخطر من ذلك داخل أوساط الشعب المغربي نفسه وانعدام المصداقية والإنهاك الذي يعاني منه النظام الذي بدا منذ ذلك الحين »معلقا«.
– القوات المسلحة التي اعتبرت منذ زمان دعامة وسند للنظام أصبحت اليوم في حالة غليان صامت ولم تعد سندا للملك الذي أصبح يحتاط منها.
– التقنوقراطية المدنية المشكلة منذ 1960 اهتزت بسبب محاكمة الفساد ضد عدد من الوزراء وكبار الشخصيات.
– أما الشعب الذي ظل لزمن طويل وفيا، أصبحت الطبقة العاملة والفلاحين نفسها اليوم منقسمة بين النفور والثورة وتولدت بذلك لدى البعض أحاسيس بالتمرد ووقعت أحداث في غشت 1972 في عين الصفرة قرب وجدة.
وبالنظر إلى هذه الوضعية كان مكان الملك أن يختار بين حلين:
التفاوض على أسس بناءة أو اللجوء إلى القوة المدمرة.
وأصبحت المعارضة اليسارية (الاتحاد الوطني) واليسار الثوري الجديد هدفا سهلا تحمله مسؤولية المأزق الحالي، ولم تكن تعوزه الذرائع: يوم 13 يناير 1973 وعشية عيد الأضحى تم تنفيذ حكم الإعدام في حق الضباط المتهمين في انقلاب 16 غشت وقبيل تنفيذ الحكم، كشف أمقران وكويرة لمحاميهم سرا مثيرا:
»»في الأيام الأخيرة، تم استنطاقنا مجددا من طرف الشرطة، وخلال الاستنطاق (تحت التعذيب) كانت الشرطة تسأل لمعرفة ما إذا كانت لنا علاقات مع محمد اليازغي وعمر بنجلون«.
وحسب أمقران وكويرة كان هذان الزعيمان يواجهان خطرا ويجب تحريرهما. لم يتمكن المحامون من إخبارهما. ونعرف أنه في صبيحة. يوم 13 يناير تلقى محمد اليازغي وبنجلون (وفيما بعد السيد الدويري الذي كان يعتبر زعيم الجناح الراديكالي داخل حزب الاستقلال) رسائل ملغومة.
أصيب اليازغي بجروح خطيرة، نقل على إثرها إلى مستشفى ابن سينا في حالة ميؤوس منها تقريبا…
وقام الأستاذ ماريوستاسي المحامي بباريس في الفترة من 11 إلى 14 فبراير بزيارة للمغرب منتدبا من طرف الجمعية الدولية للحقوقيين الديمقراطيين والفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان والحركة الدولية للحقوقيين الكاتوليكيين وكتب في هذا الصدد تقرير جاء فيه» ان الانطباع العام بان وضع الاظرفة الثلاثةالمغلومة في نفس اليوم الذي اختير لتنفيذ حكم الإعدام في حق 11 متهما في محاكمة القنيطرة، يعطي الدليل أن الأمر يتعلق بتنفيذ ثلاثة اغتيالات إضافية..
والمعنيون يتهمون مؤسسات أمنية موازية ترتبط مباشرة بالهيئات العليا في المملكة…
خلال ليلة 2 إلى 3 مارس وقعت مواجهات مسلحة بين مجموعات مسلحة والشرطة في مولاي بوعزة في الأطلس المتوسط وكلميمة في الجنوب الشرقي. ويوم 3 مارس تم اكتشاف عبوات ناسفة في أماكن متفرقة بالدار البيضاء والرباط ومكناس. ويوم 9 مارس وبحجة »اعترافات« أفراد المجموعات المسلحة، تم اعتقال بنجلون وعدد كبير من مناضلي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. واندلع جدل واسع بين النظام والاتحاد الوطني حول المسؤولين عن هذه الأحداث.
وفي النهاية يوم 25 يونيو، تم تقديم 157 شخصا أمام المحكمة العسكرية بالقنيطرة بتهمة »المس بالأمن الداخلي للدولة ومحاولة قلب النظام وحمل وحيازة أسلحة بطريقة غير مشروعة والتآمر وعدم التبليغ وطبقت في حقهم المسطرة الاستثنائية التي أحدثت بظهير 26 يوليوز 1971 التي غريت القانون الجنائي وقانون العدالة العسكرية والتي طبقت بأثر رجعي على المتهمين بأحداث الصخيرات.
ويوم 1 فبراير 1972 افتتحت بمراكش محاكمة أخرى في حق 33 من العمال والفلاحين والموظفين والطلبة. وتم اعتقال 22 منهم على الأقل يوم 30 ماي 1971، أي أسبوعين قبل محاكمة مراكش الكبرى.
وهذا ليس صدفة لأن هؤلاء اعتبروا هذه المحاكمة »مهزلة« ودعوا الشعب إلى مساندة ودعم المقاومين والمطالبة بالإخراج عنهم.
ومنذ اعتقالهم تعرضوا لكل ألوان التعذيب علي يد الشرطة: الكي بالكهرباء، الخنق بالماء، المس بالكرامة، الضرب والتهذيب بتعذيب أفراد العائلة… وقد أبرز المتهمون آثار التعذيب التي تعرضوا لها أمام المحكمة…
وضع هؤلاء في سجن بولمهارز، واستمروا في تحدي النظام عبر الإضراب عن الطعام لدعم رفاقهم المرضى.. لكن بعد المحاولة الإنقلابية ليوليوز، وبالنظر لتأرجح النظام خلال هذه الفترة، تم تمتيع المعتقلين بالسراح المؤقت. ولم يمكن هذا السراح المؤقت سوى شكليا لأن الشرطة استمرت في مراقبتهم وكانوا في شبه إقامة محروسة.
المتهمون 33 كانوا متهمين بإعادة تشكيل تنظيم محظور »»حزب التحرير الاشتراكية) وتوزيع منشورات تحريضيه والقيام بأنشطة مناهضة للنظام العام.
في الواقع كان يؤاخذ عليهم الظهور إلى جانب العمال والفلاحين. حيث نددوا مثلا بحملة «»السدود»« وكل عمليات المضاربات العقارية المرتبطة بها وهي الحملة التي استهدفت في المقام الأول صغار الفلاحين، كما نددوا بالزيادات الزاحفة لأسعار المواد الغذائية الأساسية. (السكر، الزيت، الدقيق، الزبدة… ومن الأمثلة الأخرى مسادنتهم القوية لإضراب عمال مناجم قطارة…
وكان هؤلاء المتهمون يواجهون أحكاما تتراوح ما بين 5 سنوات والإعدام. ووجهت لهم تهم طبع وتوزيع منشورات تحريضية وأيضا »مهاجمة النظام لأنهم طالبوا بحق الشعب في أن يكون له تنظيم ثوري حقيقي. وأظهرت هذه الاعتقالات أن النظام السياسي في المغرب، بدأت يأخذ مسارا جديدا.
أحكام بالإعدام في حق 16 متهما و15 حكما بالمؤبد و56 حكما بالسجن.
محاكمة الدار البيضاء انتهت بإصدار المحكمة للأحكام التالية:
6 أحكام بالسجن 15 سنة، 13 حكما ب 10 سنوات، حكم واحد بالسجن 8 سنوات، 6 أحكام بالسجن 5 سنوات وحكمين بالسجن 18 شهرا والتي توبع خلالها 81 من مناضلي التيار الماركسي اللينيني. وأصدرت المحكمة أيضا أحكاما بالسجن مدى الحياة غيابيا مصحوبة بمصادرة ممتلكاتهم في حق 256 متهما.
في القنيطرة كان هدف القضاة هو ربط المعارضة السياسية الداخلية بالمناضلين المنفيين في الخارج والعسكريين المتورطين مع الانقلابيين الفاشلين.
في الدار البيضاء، ركزت المحاكمة على الافكار الماركسية اللينينية. وقد أكد المناضل الدرقاوي وهو قيادي سابق في الاتحاد الوطني لطلبة المغرب. أمام المحكمة قائلا: »نعم، أنا ماركسي – لينيني، وهذا هو الطريق الوحيد الذي سيمكن المغرب من الخروج من الازمة الخطيرة التي لا يمكن ان ينكرها أحد.
عبد اللطيف اللعبي، أستاذ اللغة الفرنسية بالرباط ومدير مجلة أنفاس أوضح ان لا علاقة له بالانقلابيين لانه ماركسي لينيني. ومغزى وهدف الانقلاب يتناقض مع الايديولوجية الماركسية. والشخص الذي يلجأ للانقلاب شخص يائس لا يؤمن بالقوة الخلاقة للشعب وقدرته على التحررمن القمع والاستغلال الذي يتعرض له.
وعن سبب تواجده امام المحكمة اعتبر اللعبي انه يحاكم كمدير لمجلة انفاس وان اختطافه و اعتقاله يهدف الى اسكات صوته ووقف صدور المجلة التي كانت لها مواقف تجاه الاحداث السياسية. وكانت مواقفها واضحة وهي الافكار التي يدافع عنها اللعبي. واعتقاله يعني في نظره خنق مجلة انفاس التي هي مصدر الافكار الحرة والثورية والتقدمية. وبخصوص انتمائه اوضح اللعبي امام المحكمة انه مناضل في صفوف الاتحاد المغربي للشغل. وعندما سئل عن علاقاته بالسرفاتي اوضح اللعبي ان السرفاتي مناضل وطني دخل السجن عدة مرات ابان مقاومة الاستعمار. واكد اللعبي انه يعرفه كمتعاون مع مجلة أنفاس
أنيس بلافريج المزداد سنة 1945 مهندس واستاذ بالمدرسة الوطنية للاشغال العمومية، نفى كل التهم المنسوبة اليه، وعبر عن استغرابه من اتهامه بالعمل تحت غطاء جمعية مساندة الكفاح الفلسطيني وللقيام بأنشطة مشبوهة بينما هدفه هو تعبئة الجماهير ضد تحركات الاوساط الصهيونية. وعن دوره في اصدار نشرة سرية رفقة خطبي وعبد القادر جمال وعبد الجليل الدرج بعد ان اشترى بماله الخاص آلة كاتبة وآلة نسخ اوضح بلافريج ان هذه النشرة كانت موجهة لتصحيح الأنباء المزيفة. وان هذه النشرة صدرت مرة واحدة ونفى رشق مركز للقوات المساعدة بقنابل المولوتوف خلال مظاهرة بتحريض منه حسب محضر الشرطة. وعن قوارير الزيت و البنزين التي قدمت كأدلة ادانة اوضح بلافريج انها تستخدم لتزويد سيارته.
وهذا المثال يظهر الى أي حد ان الادلة واهية وتثير الضحك عندما نعلم ان هؤلاء الشباب الاساتذة والمهندسين والصيادلة والطلبة و الموظفين والفنانين والعمال والفلاحين،
وجهت لهم تهم المس بأمن الدولة، وحيازة غير مشروعة للاسلحة وحيازة متفجرات وقد اثارت هشاشة الادلة التي ارتكزت عليها التهم احتجاجات المتهمين ودفاعهم واعتبروا ان النظام يريد من وراء هذه المحاكمة إسكات صوت التيار المساند للماركسية اللينينية.
وهكذا حوكم هؤلاء بسبب افكارهم، وباعتراف المحكمة نفسها حيث اعتبر ممثل النيابة العامة ان الماركسية هي عدو الحضارة المغربية والدين الاسلامي.
هذه المحاكمة كانت تستهدف ايضا الاتحاد الوطني لطلبة المغرب كما أوضح ذلك عبد العزيز لوديي الذي حكم عليه بالسجن 10 سنوات، والذي اعتبر ان هذه المحاكمة تندرج ضمن سلسلة من المؤامرات المدبرة من زمن ضد الاتحاد الوطني لطلبة المغرب من اعتقالات واختطافات وتعذيب في حق الطلبة واعتبر ان هذا القمع وهذه المؤامرات ضد الاتحاد الوطني ليس سوى جزء من سلسلة القمع والمؤامرات ضد المناضلين التقدميين مؤكدا انه منذ 1970 بدأ الاتحاد الوطني لطلبة المغرب يأخذ ابعادا شعبية وجماهيرية كبيرة.
التلاميذ بدورهم كان لهم نصيب في تلك الفترة وذلك من خلال اضرابات ومظاهرات 1972 – 1973 واعترفوا امام المحكمة
انهم ا نتفضوا ضد النظام الجديد للباكالوريا الذي يدفعهم الى توسيع صفوف العاطلين ورفضوا كليا تهمة التآمر لأن المؤامرات لا تتطابق مع النظرية الماركسية التي يتبنونها.
وفي الدار البيضاء كما في القنيطرة كان هناك متهمون صدرت في حقهم احكام بالبراءة سرعان ما اختفوا. وقد اصدرت الادارة العامة للامن الوطني انه عند الافراج عنهم وخروجهم يوم 30 غشت من سجن القنيطرة تم اعتقال هؤلاء الاشخاص مجددا لانه كانت تحوم حولهم شبهات خطيرة في اطار تحقيق تمهيدي حول مخالفات اخرى للقانون.
وهكذا يظهر ان القيام بدراسة حول المحاكمات السياسية في المغرب يبدو أمرا ثانويا لان اللائحة تبقى مفتوحة ما لم يتوجه النظام الى معالجة المشاكل الحقيقية.
وبتاريخ 1نونبر 1973 تم تنفيذ حكم الإعدام في حق 15 متهما.

ميشيل رودان
نونبر 1973

عن جريدة الاتحاد الاشتراكي …4/1/2014