كسر الخاطر : شيزوفرينيا يا مولاي …

عبد الحميد جماهري

لا أعتقد أن هناك تعريفا دقيقا، ملموسا ومباشرا للازدواجية المرضية، والشيزوفرينيا بلغة علم النفس ، يعادل ما نعيشه الآن في مغرب الحكومة الجديدة،
وبالضبط في ما يخص قضية تهريب الأموال .. وعودتها.
لنقلها بتلخيص، الحكومة تأتي بقانون، استعانت فيه بالأغلبية الديموقراطية وبالحيلة لكي تمرره، وفي نفس الوقت الحكومة في شخص رئيسها ترفع تهريب الأموال في وجه حزب الاستقلال المعارض.
ما الذي يقع بالضبط حتى تصل الأشياء الى الحضيض؟
ما الذي يجعل المؤسسة الحكومية، تقدم مشروع قانون المالية أمام الغرفة الثانية ثم يصهل رئيسها في الغرفة الأولى ضد أشخاص في المعارضة بتهمة تهريب الأموال؟
لنبدأ القصة من أولها.
يوم 20 نونبر تقدمت الحكومة بنص مشروع قانون المالية 2014، ولم يكن هو نفس القانون الذي صوتت عليه الغرفة الأولى ، مجلس النواب، فقد دست فيه الحكومة فصلا سمته «التعديل رقم 10» المساهمة الإبرائية برسم الممتلكات والموجودات المنشأة بالخارج-المادة 4 المكررة مرتين.
وجاء في تعريف مضمون المشروع :
«تحدث مساهمة إبرائية برسم الممتلكات والموجودات المنشأة بالخارج قبل فاتح يناير 2014 ، دون مراعاة القوانين المنظمة للصرف وللتشريع الجبائي من طرف الأشخاص المشار إليهم في 2أدناه. كما حددت فيه نسبة 10 % كمساهمة من المهربين في تسوية أوضاعهم في بلادهم ( الثاني أي المغرب).
والممتلكات الموجودة في الخارج، هي كما يعرفها القانون ، الذي كان مشروعا فحسب، هي على شكل:
أ – أملاك عقارية مملوكة بأي شكل من الأشكال، كما هو حال شقة ياسمينة بادو مثلا.
ب – أصول مالية وقيم منقولة وغيرها من سندات رأس المال وديون مملوكة بالخارج
ج – ودائع نقدية مودعة بحسابات مفتوحة لدى هيئات مالية.
الحكومة التي يرفع رئيسها صوته عاليا مهددا بنشر اللوائح للاشخاص المعنيين هي التي تبيح في قانونها كل أشكال الامتلاك في الخارج عبر قانونها إذن.
وماذا حصل من بعد يا سيدنا الشيخ؟
حصل أن المعارضة انتبهت الى الحيلة السياسية للحكومة ، فقررت رفض المشروع، وهو ما اعتبره رئيس الحكومة «تبوريدة»، فرد بأحسن منها.
وتبين أيضا أن حيلة ما ،حتى لا نقول تحايلا ونصبا حكوميا محصنا بالدستور، قد تم.
فعاد المشروع الى الغرفة الاولى التي صادقت عليه بالزغاريد « وتيوتيوا والما لحلو»
وكان يوم 25 دجتبر2013
وبعد ذلك يا سيدنا الشيخ؟
بعد ذلك بأيام معدودات، يوم 31 دجنبر، وقف السيد رئيس الحكومة، الحكومة التي تقدمت بالقانون وضمنت له الاغلبية العددية التي مررته كما قلنا بالزغاريد لكي يشهر سيف تهريب الاموال في وجه حزب معارض !
أولا حزب الاستقلال كان حليفا، الى أقل من نصف السنة، ولم يكن وقتها شريكا سيئ السمعة( وهذا ليس دفاعا لا عن بادو ولا عن شباط)، ولم يكن فيه أشخاص يهربون الاموال؟
ثانيا : كيف اكتشف الرئيس، فجأة أنه بعد المصادقة على القانون، عاد الى ما قبله؟
هناك سؤالان: هل القانون، كما جاء به محمد بوسعيد مر فوق رأسه أو تحت أقدامه، وكان مثل المعارضة ومثل خلق الله الفقراء بلا علم؟
وفي هذه الحالة من الذي أقنع ( وهو إصلاح خفيف لكي لا نقول أمر) السيد محمد بوسعيد بأن يضمن القانون مادته التي صادقت عليها الحكومة بالاغلبية والزغاريد وتيوتيوا والما لحلو؟
لنفترض أن السيد بنكيران بدوره كان عليه أن يعمل بالنصيحة، فما معنى الضجة التي أقامها على حزب حليف إلى عهد قريب؟
وهل يمكن أن نسمح لخيالنا بالقول إنه يريد بالضجة أن يلغي ما جاء بالقانون وبالأغلبية التي هو رئيسها؟
إنه لا معنى لما يقع إلا أن نفترض بأن السيد رئيس الحكومة لم يكن راضيا عن القانون الذي أراد من ورائه بعض السيولة لعلها تبعد الأزمة ولو قليلا.
سياسيا نحن نعيش عبثا لا قياس له،
ووداعا لشرف السياسة أو ما تبقى منها ومنه.
أخلاقيا، لا يستقيم الدور الذي يلعبه رئيس الحكومة في التلويح بورقة هو أول من رماها من يده عندما سلم بالتحايل الإبرائي.
أم أنه كان يعلم ذلك، وحشد للقانون حشدا أغلبيا، وهنا كيف يمكن أن نسلم بأن هناك أخلاقا في السياسة ،ونسلم بأن هناك «معقولا» ما في ما يقع.
إنها أسئلة صغيرة على هامش موضوع كبير، تزداد غرابة عندما نقرأ، بدون تمعن حتى ، الايجابيات التي وردت لتبرير القانون، ورفع نواب السيد الرئيس أيديهم- ومنهم السيد بوانو الذي يهدد بنشر لوائح المستفيدين – أياديهم للمصادقة عليه، (وعين الحسود فيها عود يا حلاوة)
ماذا تقول الحيلة الابرائية ؟
تقول، يا سيدنا الشيخ «إن إصدار هذا المقتضى يكتسي عدة إيجابيات تتجلى بالأساس في ما يلي:
– تمكين عدد من المغاربة القاطنين بالمغرب من تسوية وضعيتهم إزاء القوانين الجاري بها العمل في ميادين الصرف والضرائب بالمغرب؛
– تسجيل الممتلكات بالخارج ضمن الاحصائيات المتعلقة بالوضع المالي الخارجي للمغرب ؛ وهو ما يقع لبادو .
– تدعيم موجوداتنا الخارجية جراء توطين الممتلكات بالعملة الأجنبية داخل الحسابات بالعملة الأجنبية أو بالدرهم القابل للتحويل لدى النظام البنكي المغربي ؛
– ضخ موارد جديدة في «صندوق دعم التماسك الاجتماعي» ناتجة عن دفع المساهمة موضوع هذا المقتضى من طرف المصرحين
الله الله الله ، على التماسك الاجتماعي الذي سيأتي به المهربون .. الله الله ، كالك الصدقة من دار الزغبي.
– تعزيز الثقة وتحسين المناخ العام للاستثمار بالمغرب. طبعا، طبعا، وماذا سيقول المستثمرون عندما يتابعون التبوريدة التي يقوم بها الشخص الثاني في الدولة ،
كيف نفسر هذا كله، في هذا الزمن الأغبر؟
إنها الشيزوفرينيا عندما تجعل الواقع القانوني مجرد «إكسسوار» للسياسة.
إنها الشيزوفرينيا السياسية التي يقول فيها رئيس الحكومة « أنا انفصامي ثم يصمت ويردد من بعد ذلك «حتى أنا، أيضا»
وبدون أن ننعته بالأفدح – حاشا لله تعالى- فإننا في موقع أن نسأل بجدية : ما هذه البارانويا الانفصامية التي تجعل السياسة هي تعداد الاعداء ، مرتين؟
هو موضوع ليس أخطر من محاولة «قوضنة» السياسة( من القضاء) واللجوء المفرط إليه في الشؤون التي تحكمهاالاخلاق المؤسساتية والدستورية ومبدأ الحكامة « العاقلة « (أما الرشيدة فمازال أمامنا فصل طويل من الجحيم)، وليس الذي يشتكي هو وحده الذي يميل الى التدبير القضائي للسلطة السياسية بل الذي يدبر السياسة بالقضاء ، دون الاعتماد عليه فعليا.
ربما لهذا لا نستبعد بالفعل أن يرى رئيس الحكومة التماسيح، ويرى العفاريت .
إننا في فضاء خيالي بامتياز !

عن جريدة الاتحاد الاشتراكي..7/1/2014