قضايا التنوير  ( 1 التنوير.. 2 العقلانية ..3 العلمانية ..4 الحداثة ..)

 

قضايا التنوير (القضية الأولى)

 

 التنوير 1

 

 ترجمة: د. عدنان عويّد

  على الرغم من أن التيار الفكري الذي دعي بتيار “التنوير” غالبا ما ارتبط بالقرن الثامن عشر، غير أن جذوره في الحقيقة تعود إلى أبعد من ذلك بكثير، وقبل أن ننظر في طبيعة هذه الجذور، لابد لنا من تحديد طبيعة هذا المفهوم أو تعريفه.

 يعتبر التنوير واحدا من التيارات أو الحركات التاريخية النادرة، التي ساهمت في تسمية نفسها في الحقيقة، وأن المفكرين التنويريين الحقيقيين الأوائل في كل من “باريس ولندن” الذين اعتقدوا بأنهم كانوا أكثر تنويرا من مواطنيهم، قد أعدوا أنفسهم من أجل تحقيق هذه المهمة. لذلك كثيرا ما كان هؤلاء المفكرون التنويريون يعتقدون بإمكانية استخدام العقل الإنساني في محاربة الجهل والاضطهاد والاستبداد، وبالإمكان أيضا استخدامه في بناء عالم أفضل للإنسان. أما أهم القضايا التي وضعوها نصب أعينهم وناضلوا من أجلها آنذاك فهي: استبدا الكنيسة، مجسدا في الكنيسة الكاثوليكية في فرنسا، وسيطرة الطبقة الارستقراطية الوراثية على مقدرات المجتمع.

  الخلفية التاريخية للتنوير:

  لكي نعرف لماذا أصبح تيار التنوير مؤثرا في حياة القرن الثامن عشر لابد لنا من العودة إلى الوراء والتعرف عل جذور هذه المسألة.

 على العموم، بالرغم من أننا غير قادرين في الغالب على اختيار أي فكرة محددة للبحث في هذا الاتجاه، لذلك دعنا ننطلق مع “Thomas Aquinas” “توماس كويناس” (القرن الثالث عشر) في استرداد “المنطق الأرسطي” من تراث الفلسفة اليونانية، حيث نجد في هذا المنطق تلك الإجراءات المنطقية المنظمة بعناية شديدة، والتي من خلالها تمت عملية تحديد أو تعريف تلك القوانين الجامدة للمسيحية. أما في القرنين التاليين، أي “الرابع عشر والخامس عشر” فقد راح المفكرون الآخرون الذين عرفوا ﺑ”المدرسيين” يلاحقون أو (يجزون) كل تلك القوانين أو المبادئ الدينية المسيحية الجامدة بوسائل المنطق، الأمر الذي جعل فولتير يشير إلى هؤلاء المفكرين مرارا ناعتا إياهم ﺑ”الدكاترة” وكان يعني بذلك دكاترة اللاهوت.

 أما بالنسبة للكنيسة الكاثوليكية، فمن سوء الحظ، لم يعد بالإمكان حصر استخدام وسائل المنطق الأرسطي اليوناني لديها فقط، بل راحت بعد فترة هذه الوسائل المنطقية ذاتها تستخدم بشكل فاعل لدى الكثير من الكتاب والمفكرين العلمانيين داخل الثقافة الوثنية التقليدية (أي غير الدينية- المترجم) التي بدأت تطرح نفسها أمام العقيدة المسيحية الكاثوليكية. وهذا كان من الأسباب الرئيسة في رغبة الأوربيين السير عبر هذا الاتجاه العلماني في المراحل الزمنية اللاحقة.

  الحركة الإنسية في عصر النهضة:

  عبر القرنين الرابع عشر والخامس عشر، ظهرت في كل من فرنسا وايطاليا مجموعة من المفكرين عرفوا ﺑ”الإنسيين”، نسبة إلى الحركة الإنسية، التي لم تكن حينذاك قد أخذت بعد موقفا من الروابط الدينية، كما تأخذ الآن في النقاشات المعاصر، هذا وقد كان غالبية هؤلاء المفكرين والكتاب عمليا من الكاثوليك، حيث دارت نقاشاتهم حول: إن عبادة الله الصحيحة تتضمن بالضرورة إعجاب خلقه، وعلى وجه الخصوص إعجابهم بقوة الله في خلق الإنسان، ثم بمكانة الجنس الإنساني وقدراته، كما دارت نقاشاتهم حول أن عبادتهم لله هي في حقيقة أمرها أو جوهرها أفضل بكثير من عبادة القساوسة والرهبان الظلاميين الذين يعزفون على وتر الخطيئة العامة، والدعوة المستمرة للناس كي يعترفوا بخطاياهم ويتواضعوا بدل التعالي. هذا وقد كان بعض هؤلاء المفكرين والكتاب يدعي بأن الإنسان يشبه الله، ولكن بنصيبه المتمثل في قوته المبدعة والخلاقة. فالرسام، والمهندس، والموسيقار، والمدرس، استطاعوا بقوة ذكائهم وتدريبهم وممارستهم لدورهم في هذه الحياة، إنجاز الأهداف التي تدعو إليها السماء. ولكن بالرغم من هذه القدرة الإنسانية، إلا أنها – أي القدرة- مُزجت في عصر النهضة مع عناصر الظلمة والخرافة، كما أن دروب السحر طُرقت في هذه الفترة بأساليب لم تكن موجودة حتى في العصور الوسطى.

  لقد كان هدف الحركة الإنسية في عصر النهضة، هو تقييد بعض زهو أو كبرياء وسعة الروح التي عوّلت عليها الكنيسة، ثم إعادة إنتاج روح الإبداع اليونانية والرومانية القديمة (أو ما سميت بالوثنية – المترجم)، رغبة في تكرير نجاحاتهم والذهاب إلى أبعد مما وصلوا إليه. فالأوربيون طوروا الاعتقاد الذي يقول بأن التقليد يستطيع أن يحقق التغيير نحو الرقي الإنساني وإعادة تشكيل حياة الإنسان بصورة جديدة، وذلك من خلال تشذيب وتوضيح وسائل التقليد ذاتها. فا “Galileo Galilee” “غاليلو غاليلو” على سبيل المثال، كان قد استخدم النوع نفسه من المنطق الذي استخدمه المدرسيون والذي أصبح بدوره – أي المنطق- أكثر قوة مع الملاحظة، وبخاصة عندما راح يناقش عام 1632 من قبل “الكوبرنيكية” بأن الأرض تدور. هذا في الوقت الذي أخذت فيه الكنيسة والنص المقدس معا يعترضان على هذه الأفكار، منطلقان من أن الكتاب المقدس لا يقول بما يقول به كوبونيك، مجبرين بذلك “غاليلو” على التراجع عما كتبه أو أعلنه من أفكار، وبالتالي منعه من ممارسة التعليم فيما بعد.

  إن انتصار الكنيسة كان نصرا باهظ الثمن، ومن خلال هذا النصر، أُسكت “غاليلو”، غير أن هذا الانتصار لم يستطع أن يسكت العلم أو يمنع تقدمه، الأمر الذي دفع الكثير من التقدميين التنويريين إلى الهجرة والاستقرار في شمال أوربا البروتستانتية، بعيدا عن تناول البابا وتحقيقاته. بيد أنه قبل “غاليلو” وفي القرن السادس عشر، كان العديد من الإنسيين قد أخذوا يطرحون أسئلة على درجة عالية من الخطورة أمثال الراهب والفيزيائي الفرنسي “François Rabelais” “فرانسيس رابيليز”، الذي تأثر بالبروتستانتية، وراح يندفع إلى الأمام متمردا ومتحديا سلطة الكنيسة، الأمر الذي جعل العديد من المواطنين المؤمنين المحيطون به يسخرون منه، واعتبروه شخصا مضحكا وسخيفا.

     مايكل دي مونتيغني: (Michel de Montaigne):

      بكثير من الهدوء والتواضع، ولكن في النهاية بطريقة أكثر قدرة على الهدم، سأل Michel de Montaigne سؤالا ولأكثر من مرة عبر مقالاته وهو: “ماذا أعرف؟” وهو يرمي على ما يبدوا من وراء هذا التساؤل التأكيد على أننا لانملك الحق في فرض العقائد على الآخرين، هذه العقائد التي تمارس سلطتها على السلوك الثقافي كحقائق المطلقة. فالتأثير القوي الذي تحقق عبر اكتشاف ثقافات أخرى مزدهرة لا تنتمي للمسيحية، وفي أماكن بعيدة جدا عن الثقافات أو الحضارات الأوربية، مثل “البرازيل”، حيث فسح على سبيل المثال، في المجال واسعا للنقاش على أن الأخلاق في جوهرها ذات طبيعة نسبية، لذلك عندما راح البعض يتساءل، من هم هؤلاء الأمريكيون ليؤكدوا بأن البرازيليين الذين يأكلون لحوم البشر الميتة بدلا من إتلافها، هم من الناحية الأخلاقية سفلة وبدائيين؟، جاء تساؤلهم في الحقيقة مشروعا ويثير مسائل إنسانية عدّة مقارنة مع هؤلاء الأوربيين الذين يضطهدون ويقمعون كل من يستنكر أعمالهم الإجرامية بحق الشعوب المستعمرة من قبلهم.

  إن هذا التحول باتجاه نسبية الأخلاق الحضارية، أو الثقافية، أسس على قليل من الفهم أو الإدراك المتعلق بمسألة الشعوب المكتشفة حديثا، إلا أنه استمر بفعالية عالية ليأخذ تأثيره العظيم في وقتنا الحاضر عبر ساحة التفكير الأوربي، وهذه في الواقع إحدى المعطيات المميزة للتنوير.

   إن فلاسفة أو مفكري التنوير اعتمدوا في تفكيرهم ونشاطهم على انجازات الحضارات الأخرى كي يفوزوا بالحرية، وليعيدوا تشكيل ليس فلسفتهم فحسب، بل ومجتمعاتهم أيضا. لقد أصبح واضحا من جهة أخرى بأنه لم يعد هناك شيء حتمي حول نماذج التفكير الأوربي وحياة الأوربيين ذاتهم، أو بتعبير آخر أكثر تجريدا، هناك حتما العديد من الطرق المحتملة لوجود الإنسان عموما، أما الطرق الجديدة منها فيمكن إبداعها.

   أما المساهمة الأخرى التي قدمها (Montaigne) للتنوير، فقد انبثقت من الوجه الآخر لسؤاله المشهور (ماذا على أن أعمل؟)، ومفاد هذه المساهمة يأتي من القول: إذا لم نستطع أن نكون واثقين من أن قيمنا هي معطاة من قبل الله، إذن فليس من حقنا أن نفرضها بالقوة على الآخرين!!، فالقضاة، والباباوات، والملوك، على السواء لا يملكون أمر أو مهمة إجبار المريدين والتابعين اعتناق أو تطبيق المعتقدات الدينية أو الفلسفية بشكل خاص.

 على العموم، هذه واحدة من تناقضات التاريخ العظيمة التي تقر بأن (الشك) المتطرف كان ضروريا لذلك النوع الجديد من الحقيقة التي تدعي العلم، فالعالم الجيد هو الذي يرغب في فحص كل افتراضاته من أجل مقاومة كل الآراء التقليدية التي تحول دون اقترابه من الحقيقة التي ينشدها. وإذا كانت الحقيقة (مطلقة) كالتي طرحت من قبل المفكرين الدينيين بعيدة المنال عن العلماء، فإن حقيقة العلم إلى حد ما، وفي أفضل حالاتها، هي قابلة للتغيير، ولم تكن أبدا مطلقة، وذلك كون المعرفة في طبيعتها تعتمد على البرهان والعقل، وتظل السلطة التعسفية فقط هي وحدها القادرة على معاداتها.

  *******************

قضايا التنوير: القضية الثانية «الحداثة»… “1، 2، 3، 4”

 

د. عدنان عويّد

الحداثة… (1)

     في المفهوم:

الحداثة في سياقها العام، هي سلسة من الإصلاحات الثقافية، شملت الفن والهندسة والموسيقى والآداب والفنون التطبيقية. والتعريف في عموميته غطى العديد من الحركات أو الاتجاهات السياسية والثقافية والفنية التي حققت جملة من التغيرات في المجتمع الغربي عند نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.

 

والحداثة بتعبير آخر أيضا، هي ميل من التفكير الذي أكد على دور القوة والإرادة الإنسانية في تحسين أو إعادة تشكيل محيطه الاجتماعي عبر المعرفة والتكنولوجيا والتجربة الخاصة.

 

لقد استطاعت الحداثة تشجيع إعادة امتحان كل الوجوه الحياتية بدءا من التجارة وصولا إلى الفلسفة، بهدف القبض على مقومات الوجود الاجتماعي التي كانت تعرقل تقدم الإنسان، واستبدالها بمقومات جديدة قادرة على تحقيق الأهداف المنشودة في التقدم الإنساني.

 

في جوهر المسألة، استطاعت الحركات الحداثية عبر كل مستوياتها أن تناقش الحقائق الجديدة لزمن الصناعة والتكنولوجيا، التي شملت إضافة إلى ما أشرنا إليه أعلاه، حداثة الفيزياء، وحداثة الفلسفة، وحداثة الرياضيات… الخ التي راحت تكتمل، أو هي على وشك الاكتمال، والتي أصبح من المفروض على الناس تكييف صور عالمهم أو حياتهم بما يتناسب وقبول كل ما هو جميل وجيد وحقيقي من منجزات الزمن الجديد، زمن الثورة التكنولوجية.

 

وللتأكيد نستطيع القول هنا: إن مسألة التغير والحداثة شملت أيضا الكثير من أعمال المفكرين الذين ثاروا ضد أكاديميي ومؤرخي التقليد في القرن التاسع عشر، معتقدين أن صيغ الفن التقليدي في الهندسة والأدب والتنظيم الاجتماعي ومعطيات الحياة اليومية المباشرة،، أصبحت من العهد القديم. وعليهم مواجهة المعطيات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي أفرزها العالم التكنولوجي.

 

لقد قام بعض المفكرين في القرن العشرين بتقسيم الحداثة إلى فسميين هما: الحداثة، وما بعد الحداثة، في حين لمس بعضهم أن الحداثة وما بعد الحداثة وجهان لعملة واحدة. سنحاول في هذه القضية الثانية من (قضايا التنوير)، ان نتعرف على الحداثة وما بعد الحداثة كما ظهرت في الغرب، وكما فهمها الغرب، وبالتالي أين نحن اليوم منها موقعا في الساحة العربية.

 

 

د. عدنان عويّد

*******

 

 

 

جذور الحداثة… (1)

 

 

 

Roots of Modernism

 

 

Christopher L. C. E. Witcombe by.

.

 

 

ترجمة: عدنان عويّد

 

 

 

حتى وقت قريب، استخدمت كلمة (حديث) للإشارة بشكل عام إلى المعاصرة، علما أن كل الفنون الحديثة تعتبر حديثة بدءا من الوقت الذي تنجز فيه.

   في عام 1437 ميلادي، وضح “سنيون سينيني” (Cennino Cennini) أن الفنان “جويوتو” (Giotto) قد أنجز في ذلك الوقت لوحات رسم حديثة. كما أشار أيضا “جيورجيو فاساري” (Giorgio Vasari) في كتاباته، في القرن السادس عشر، أن الفن في حقيقة أمره هو فن حديث.

   أما إذا رغبنا في تحديد الفترة التاريخية التي راحت تنتج فيها الحداثة أو ما سمّي بالفن الحديث، فيمكن تحديدها تقريبا ما بين 1860 و1970 ميلادي، فهذه هي الفترة التي استخدم فيها بدقة الفن الحديث، وراح الناس يتحدثون فيها أو يكتبون أيضا عن هذا الفن بشكل ملفت للنظر.

 هذا وقد استخدم تعريف الحداثة أيضا ليشير إلى فترة إنتاج الفن، ويمكن القول أيضا الإشارة إلى الفترة ذاتها التي راح يشار فيها إلى فلسفة الفن الحديث.

   في كتابها الذي يحمل عنوان (جذور الحداثة)، تطرح “سوزي كابليك” (Suzi Gablik) أسئلة عدّة عن الحداثة مثل: هل فشلت الحداثة؟.. هل هي تعني ببساطة فشل الإحساس بقدوم النهاية؟.. أو هي تعني أيضا أن الحداثة قد فشلت في تحقيق أي انجاز؟.

  إن الإجابة على هذه الأسئلة تقول: إن الحداثة امتلكت أهدافا، بيد أنها فشلت في تحقيقها، ولكن يظل السؤال المطروح هنا هو: ما هي هذه الأهداف؟.

   لأسباب ستكون واضحة فيما بعد، فإن سؤال الحداثة قد صيغ إلى حد كبير في تعاريف يغلب عليها الطابع المدرسي، وربما قلة الاهتمام أيضا، وأن مؤرخي الفن عندما تحدثوا عن الفن الحديث في الفترة الماضية كهم أساس وبصورة جوهرية، فهم غالبا ما تحدثوا مثلا عن اللون، والمستوى الفني، وهذا انسجم بشكل عام مع “ادوار منيت” (Édouard Manet)، وهو أول رسام حداثي، حيث أن صفة الفن الحداثي قد انطبقت في الحقيقة على لوحاته التي رسمها عام 1860، مثل لوحته المسماه (Le Déjeuner sur l’herbe) التي شقت طريقها في فترة ما سمي بالحداثة.

   بيد أن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: لماذا هذه اللوحة بالذات؟، والجواب المنطقي على هذا التساؤل هو: كون هذه اللوحة تعتبر في دلالاتها أهم كشف موضوعي لما سمي بالفن الحديث، وقيم الرسم الحديث، والعلاقات المكانية الحديثة، غير أن هناك أسئلة كثيرة أخرى تكمن وراء هذا السؤال مثل: لماذا “ما نت”، (Manet) كان الممثل لموضوع للحداثة، وقيم الرسم الحديث، والعلاقات المكانية الحديثة؟. هل لكونه أنتج الرسوم الحديثة؟، ولكن لماذا هو أنتج مثل هذا الرسوم؟.

عندما عرضت لوحته (Le Déjeuner sur l’herbe) في صالون العرض (des Refusés)، عام 1863، فالكثير من المشاهدين قد اشمأز من هذه اللوحة الفاضحة، وعندما عرضت لوحته الثانية بعد فترة (Olympia) كان الناس في الحقيقة أكثر اشمئزازا وقلقا، لذلك يظل السؤال مطروحا وهو: لماذا تلك اللوحات الزيتية التي عرضها (Manet) قد سببت مثل هذه الصدمة للعديد من الناس المشاهدين لها آنذاك؟. (أعتقد لكونها قد جسدت مواضيع العري الجسدي، وهذه لا تتناسب مع القيم الأخلاقية التي كانت سائدة في ذلك العصر بالنسبة لأوربا– المترجم).

إن إمكانية الإجابة على أسئلة الحداثة في سياقاتها الواسعة، تستطيع أن تكشف جوهر فلسفة الحداثة، وغاياتها، وأهدافها، كما ستكشف أيضا البعد الأخر لوجهة نظر الفن، ومعرفة العالم الحديث.

إن جذور الحداثة قد امتدت في التاريخ الأوربي لفترات زمنية هي أعمق بكثير من منتصف القرن التاسع عشر، فبالنسبة للمؤرخين، ولكن ليس (مؤرخو الفن)، إن فترة التحديث تعود في الواقع إلى عصر النهضة الأوربية، وكذلك النقاشات التي دارت حولها ربما تعود إرهاصاتها الأولية ببساطة إلى الفترة ذاتها. فعندما ننظر في معطيات (الحركة الأنسية) التي اعتبرت الإنسان مقياس كل شيء، في هذا المجتمع (الدنيوي المدني)، نجد أن بدايات هذه الحركة الأنسية كانت مع يوتوبيا “توماس مور” (Sir Thomas More) عام 1516 ميلادي. وعندما ننظر في أحداث الماضي نستطيع وبكل ثقة أن نميز في (الحركة الأنسية) لعصر النهضة تعابير لدلالات الحداثة، وبأن المجتمع الإنساني يستطيع التعلم ليفهم الطبيعة وقوة تأثيرها على الإنسان، وكذلك يفهم طبيعة آلية عمل الكون، ومقومات تشكيل حياتنا وأقدارنا الشخصية ومستقبل العالم.

إن التفكير الحداثي الذي راح يتشكل عبر عصر النهضة، بدأ يأخذ شكله كأنموذج له مكانته الواسعة في القرن الثامن عشر، وربما هذا التفكير خلق في بداية الأمر ذلك الصراع الذي دار ما بين القديم والحديث، أو ما يمكن تسميته بالصراع مابين (الأصالة والمعاصرة)،هذا الصراع الذي سيطر أيضا على حياة أوربا الثقافية خلال القرن الثامن عشر، والذي كانت النقطة الأساسية فيه (بالنسبة للذين عاشوا القرن الثامن عشر)، تدور حول طبيعة التساؤل التالي: هل الحداثة (آنذاك) أخلاقية وأرقى فنيا بما هي عليه عند الرومان والإغريق قديما؟. فالنقاشات حول هذا الموضوع قدمت فصلا هاما بين الاتجاهين، حيث أصبح هذا الفصل الأساس لسؤال الحداثة، كما أنه عبر هذه النقاشات الدائرة حول هذا التقسيم أو الفصل بين القديم والحديث دفع القوى التقليدية كي تدعم التوجهات الدائرة في هذا النقاش والمؤيدة لما هو قديم، بينما كانت القوى الأكثر حداثة تدعم كل ما هو حديث.

*******

قضايا التنوير (القضية الثالثة)… العلمانية (2)

د. عدنان عويّد

العلمانية والإسلام – مقاربة عقلانية

 

العلاقة الجدلية مابين العلمانية والحداثة:

قبل الوقوف عند مفهوم العلمانية وتبيان دلالاتها كما أراها، لا بد لنا بداية من الإشارة إلى أن العلمانية من حيث سياقها التاريخي كظاهرة اجتماعية وسياسية وثقافية واقتصادية جاءت مرتبطة بالحداثة، والحداثة هنا، إشارة مرسلة تدل على تطور تاريخي لمجتمع ما في إطار التاريخ العالمي. أو بتعبير آخر، إشارة مرسلة تدل على حدوث تحول وتطور لمجتمع من المجتمعات في مجمل مستوياته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية… تحول وتطور عقلانيان يشيران إلى تجاوز قوى وعلاقات الإنتاج القديمة، وتشكل أو إنجاز قوى وعلاقات إنتاج جديد تتناسب مع اقتصاد السوق وتحرير العملية الاقتصادية من رحم الاقتصاد البطريريكي (الأبوي)، بالترافق مع بدء انتشار وتكون وعي جديد ذي سمات علمية وعقلانية لتفسير حركة وآلية عمل الطبيعة والمجتمع بعيدا عن أسس التفسير السابقة المستندة على الرؤى والمفاهيم الذاتية والغيبية، هذا إضافة إلى تشكل جمعيات ثقافية وأحزاب سياسية ذات تصورات أيديولوجية مختلفة تتوزع مابين اليمين واليسار، واتساع لدوائر ومؤسسات الدولة الحديثة ذات التوجهات الليبرالية والسمات العقلانية.

إن كل ما أشرنا إليه، رافقه بالضرورة تحولات وحراك اجتماعي طال فئات وطبقات اجتماعية واسعة في المجتمع تمثل في انتشار التعليم وزيادة نسبة المتعلمين واتساع حرية المرأة وبروز تبدلات في القيم والعادات والتقاليد… الخ.

نقول: إذا كان هذا الذي جئنا عليه يصب في العلاقة الجدلية ما بين الحداثة والعلمانية، فما هو مفهوم العلمانية إذن؟.

على العموم، إن العلمانية إن جاءت من (اَلْعَاْلَمْ)، أي من الحياة اليومية المباشرة بكل معطياتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، أم جاءت من (الْعِلْمْ) بكل قوانينه الوضعية، فإن للعالم والعلم كلاهما قوانينه الموضوعية التي تفرض نفسها على الإنسان وإرادته، وتتحكم بسير حركة الواقع وتطوره بعيداً عن إرادة الإنسان ورغباته. بيد أن العلمانية التي تقر بوجود هذه القوانين الموضوعية لاتنفي بالمقابل أن للإنسان وعيه وحريته اللتان تعطيانه القدرة على التحكم أيضا في آلية عمل الكثير من هذه القوانين وضبط حركتها لمصلحته. أي إقرار العلمانية، بأن ثمة فسحة واسعة من الحرية قد امتلكها الإنسان ليفكر ويمارس ويبحث عن ذاته وتنميتها، وبالتالي، فالعلمانية في أبسط صورها هي: قدرة الإنسان على الممارسة والتحكم بتلك المساحة من التفكير والإرادة الكامنة فيه بحرية وعقلانية من اجل تأمين حاجاته المادية والروحية بعيدا عن أية سلطة مادية او روحية تحد من هذه القدرة بادعائها أن الإنسان ضرورة فقط. أي إنسان يفتقد القدرة على التفكير والممارسة بحرية.

إن هذا الفهم البسيط للعلمانية يشكل برأيي نقطة الخلاف الأساس ما بين العلمانيين ومناهضي العلمانية من متديني الإسلام السياسي المعاصر، وبخاصة هؤلاء الذين يريدون أن يحجروا على حرية الإنسان وعقله، ويقروا بكل صراحة باستقالة العقل أمام النقل، ويمثل هؤلاء كل أصحاب الفكر السلفي الذي تعبر عنه المدارس الفقهية والكلامية التي رفضت العودة إلى العقل لتفسير النص المقدس القرآن والحديث خدمة لتطور الواقع وما يفرزه من أحداث ووقائع جديدة تفسح في المجال واسعاً أمام (البراءة الأصلية) كما يقول بعض الفقهاء، أي خدمة لتوسيع دائرة المباح بدلاً من تضييقها، لذلك قرروا أن ما قاله السلف وما مارسوه حتى القرن الرابع للهجرة حيث توقف الاجتهاد، هو المعتمد في التفسير أو العودة إليه لتفسير هذا الجديد معتمدين على مصادر التشريع الأربعة وهي: القرآن والحديث والإجماع والقياس – قياس الحاضر على الماضي-، بعد أن ضبطها الإمام الشافعي وأصبحت مدرسة لرجال الفقه والفكر السلفي مثل ابن حنبل وأبو حسن الأشعري وأبو حامد الغزالي وابن تيمية وابن قيم الجوزية ومحمد بن عبد الوهاب، وكل رجالات الفكر السلفي المعاصرين الذين ينتمون إلى هذا التوجه الفقهي ومن اشتغل عليه من السلف. وبالتالي فإن أي خروج عن سلطة النقل والامتثال للمطلق يعتبر عندهم بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. وعلى هذا الموقف الفكري الجبري والامتثالي، كُفر كل من اعتمد على عقله أو أعطى لإرادته مساحة واسعة من الحرية في التعايش مع الحياة ومجاراة تغيراتها تحت ذريعة الخروج عن النص المقدس الذي فسره مشايخهم الأوائل، أو استنتجوا أحكامه ودلالات ومقاصده كما فهموه أو أرادوه، وغالباً ما تحكمت في تفسيره المواقف السياسية التي كانت تخدم السلطات الحاكمة المستبدة، على اعتبار أن هذا الموقف السلفي السياسي في صيغته الفقهية أو الكلامية، هو من برر فساد السلطة ومنع من يقاومها، واعتبر أن من يخرج عليها كافر. فهذا ابن حنبل يقول: (فإن من غلبهم بالسيف حتى صار خليفة، وسمي أمير المؤمنين، لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبت ولا يراه إماماً عليه براً كان أو فاجراً، فهو أمير المؤمنين.) (راجع كتاب السلطة في الإسلام، عبد الجواد ياسين، ط1، المركز الثقافي العربي، ص 86). كما يقول في هذا الاتجاه أيضاً أحد كبار الأشاعرة وهو الباقلاني: (إن الإمام لا ينخلع لفساده وظلمه، بغصب الأموال وضرب الأبشار، وتناول النفوس المحرمة، وتضييع الحقوق، وتعطيل الحدود.). (المرجع نفسه ص 86). وذلك كله يأتي تحت ذريعة الخوف من عقدة الفتنة. وأحب أن أشير هنا إلى مسألة على غاية من الطرافة والدلالة، ففي الوقت الذي كان فيه ابن حنبل يحكم على من يقول بخلق القرآن بالكفر والزندقة، كان يقول عن الخليفة المعتصم الذي سجنه كونه رفض القول بخلق القرآن: (بأمير المؤمنين). وهذه الرؤى والمواقف الحنبلية السلفية الجبرية ذاتها آمن بها الأشاعرة وعلى رأسهم أبو الحسن الأشعري الذي يعتبر المؤسس الثاني بعد الشافعي للفكر السلفي في صيغته المنهجية بعد أن ادخل علم الكلام في الفقه، وهو الذي يقول: (قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها، هي التمسك بكتاب الله ربنا عز وجل، وسنة نبيه محمد “ص”، وما روي عن السادة الصحابة والتابعين، وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون بما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن حنبل نضر الله وجهه وأجزل لمثوبته قائلون، ولما خالف قوله مخالفون.) (المرجع نفسه ص 54 و55). وهنا أتساءل: كيف يدعي الأشاعرة بأنهم وسطيون، وهم يميلون كل هذا الميل الذي لا حياد عنه إلى الحنابلة؟. عموماً نقول في هذا السياق: لقد حول هؤلاء السلفيون أحكامهم واشتهاداتهم الشرعية إلى نصوص مقدسة، شأنها شأن النص المقدس نفسه (القرآن والسنة). هذا مع تأكيدنا على أنهم في الكثير من الأحكام التي اجتهدوا فيها قد انطلقوا في آلية عملهم أو منهجهم الفقهي من اللفظ إلى المعنى عند قراءتهم للنص المقدس بشكل خاص، أي كثيراً ما نظروا إلى النص المقدس أثناء بحثهم عن الأحكام الشرعية، على انه بناءٌ من الألفاظ والجمل والتراكيب اللغوية، ومن هذا البناء اللغوي يجب استنباط الأحكام الفقهية، أكثر من نظرتهم أو تعاليمهم مع هذا لنص على أنه علم من الأحكام والنظم والمقاصد يجب أن يشتغل العقل للوصول إليها. لذلك هذا ما جعلهم على سبيل المثال أن يفسروا مثلاً سورة (العلق) تفسيرا طغى عليه البعد اللغوي أكثر من الغوص في عمق دلالات مقاصده ونظمه وأحكامه، أو النظر إلى السورة نظرة كلية شمولية بما تحتويه هذه الشمولية من دلالات إنسانية، لا نظرة تجزيئية تعتمد على الكلمة أو الجملة أو العبارة. (راجع تفسير الجلالين). وإن وجد هناك من حاول أن يغوص في دلالات هذه السورة، فقد وقف عند معجزة تقول: إن هذا الرسول الذي استطاع أن يغير مجرى التاريخ هو أمي لا يجيد القراءة والكتابة، وقد نزل على مجتمع أمي، استطاع بعون الله أن يحقق كل تلك الانجازات التاريخية، وبالتالي لم تؤخذ هنا الدلالات التي تؤكد على دعوة الله للإنسان عموماً وليس للرسول فحسب، أن يتعلم، لأن العلم والمعرفة ستساعدانه على امتلاك إرادته، وتعطيانه القدرة كي يتحكم بالواقع الذي يعيش فيه، وأن لا يكون اتكالياً، وعليه أن ينظر بنفسه إلى الواقع المحيط به، وما يفرزه أو يقدمه هذا الواقع من وقائع مستجدة دائماً والتعامل معها وفقاً لمصالحه.

إن الدين في حقيقة الأمر إذن لا يخالف العلمانية من حيث الجوهر، فالدين لم يلغ في نصوصه البينات حرية الإنسان ودفعه إلى تجميد أو إلغاء حرية التفكير والممارسة عنده، بل على العكس، فإن معظم النصوص تطالب الإنسان بالتفكير وتشغيل العقل للوصول إلى الحقيقة، ولم تخف هذه النصوص الدعوة بتكليف الإنسان ذاته خلافة الله على الأرض، هذا التكليف الذي رمى على عاتق الإنسان مسؤولية الإشراف والحفاظ على حسن سير الطبيعة والمجتمع معاً، ولكي يدرك الإنسان ويعرف طبيعة هذه المسؤولية الملقاة على عاتقه، أُمره الله أن يسلك طريق المعرفة، فكانت أول آية قرآنية نزلت وخاطبت الإنسان هي (اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم.).

نعم لقد كانت دعوة صريحة للإنسان الخليفة وتنبيهاً له، بأنه لن يستطيع أن يمارس دور الخلافة على الأرض ما لم يكن حرا ومدركا لدوره ورسالته وطبيعة المسؤولية الملقاة على عاتقه، وهذه لن تتحقق إلا باكتساب المعرفة، وأول ما عليه معرفته، هو، أن الواقع الذي يعيشه أقوى من النص المقدس ذاته، وأن النص جاء للواقع، ومن أجل تغيره وإعادة بنائه أو إعماره تحقيقاً لمصلحة الإنسان وبما يخدم تنميته والسمو به إلى عالم الإنسانية الرحب، ولو لم يكن النص المقدس كذلك لما جاء القرآن في الحقيقة منجما، ولما كان الناسخ والمنسوخ، ولما كان الفقه الذي يعني في الأساس، مجموعة الأحكام الشرعية التي يضعها أو يصدرها الفقهاء لمصلحة الإنسان بغية تيسير حاجته المادية والروحية، وهي أحكام لم تؤسس في معظمها على النص المقدس عند بعض الفقهاء أو المتكلمين العقلانيين، رغم أن هذا النص المقدس ظل محتكاً بالواقع وممتداً معه، ولكن هذا الواقع كان دائماً يسبق النص في حركته وتطوره، وهذا ما جعل عمر رضي الله عنه ينظر نظرة جديدة للنص في عام الرمادة، ومسألة الخراج، إن هذا الموقف الجريئ ذاته نظر من خلاله بعض الفقهاء العقلانيين، فإضافة لاعتمادهم على النص المقدس في إصدارهم لهذه الأحكام الفقهية بعد فتح النص الديني على كل دلالاته، أو العمل على استفزازه وتفجير طاقاته في مواجهة الزمان والمكان المتغيرين والمثقلين بالواقعات، نجدهم – أي الفقهاء والمتكلمون العقلانيون- يعتمدون على مصادر فقهية إضافية غير تلك المصادر الأربعة التي حددها السلفيون أو ما سموا (بأهل الحديث) وبخاصة القرآن والسنة والاجماع والقياس، وإنما اعتمدت أيضاً على مصادر عقلانية أخرى مثل المصالح المرسلة، والاستحسان، وتغير الأحكام بتغير الأزمان، وغير ذلك من مصادر فقهيه تمنح حرية واسعة لدور العقل وإرادة الناس انطلاقاً من مصالح الناس، بالرغم من موقفهم الرافضة لمصدري القياس والإجماع وما يصب في بوتقتهما من مصادر أخرى مثل أقوال الصحابة والتابعين وأعمال آهل المدينة وغير ذلك من المصادر التي تبناها السلفيون في فقههم. أما أهم من مثل هذا التيار العقلاني من مذاهب وتيارات فكرية، فهم المعتزلة على مستوى أهل الكلام، والمذهبان الفقهيان الحنفي والجعفري على المستوى الفقهي. فجميع هؤلاء أمنوا بأن الإنسان مخيراً وليس مسيراً، كما آمنوا بدور العقل وحرية الإرادة الإنسانية في التعامل مع النص الديني المقدس وضرورة فتحه على حركة الواقع واستيعاب ما يجري فيه من أحداث جديدة أو مستجدات. هذا وقد حوربت هذه المواقف العقلانية في شقيها الكلامي والفقهي من قبل ألتيار السلفي (أهل الحديث) بكل تياراته الكلامية أيضاً ومذاهبه الفقهية.

إن مثل هؤلاء الفقهاء والمتكلمين العقلانيين هم من آمن ضمناً بمقولة: إن هذه الأمة تحتاج كل مئة عام لمن يجدد لها في دينها. مع اعتقادي أن هذه الأمة أمام ما يتعرض له العالم من تطور وتغير يومي بسبب ما حققه الإنسان من تطور علمي وتكنولوجي، وتأثير هذا التطور بالضرورة على جملة حياة الإنسان الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، لا بد أن يوجد هناك من يجدد لنا ديننا كل يوم.

على هذا الأساس نتساءل: ما هي معطيات المقاربة ما بين الدين والعلمانية؟.

أولا: ضرورة الإقرار بأن النص الديني المقدس (القرآن والسنة)، يجب أن يفتح دائماً في دلالاته الإنسانية على مستجدات الواقع، ولا يجوز إغلاقه خدمة لمصالح قوى اجتماعية محددة ذات أبعاد أنانية ضيقة.

ثانياً: الإقرار بأن الإنسان يمتلك إرادة وتفكيراً حرين، ومسؤولية إنسانية توازي هذه الإرادة وهذا التفكير، وتعمل على ضبطهما بما يخدم حياة الإنسان الكريمة ومستقبله.

ثالثاً: الإقرار بأن الحياة في حالة من التطور والتبدل المستمرين، أي في حالة سيرورة وصيرورة دائمتين.

رابعاً: إن المجتمعات التي تتعدد فيها الأديان والمذاهب والطوائف، لا يمكن أن تحكم بالدين، وبالتالي لا بد من الإقرار بضرورة فصل الدين عن الدولة، أو السياسة، أو تحيده والعمل وفق مقولة: (الدين لله والوطن للجميع). وهي ضرورة لا تسيء للدين من جهة، ولا تسيء للمتدينين من جهة أخرى. فمن صلب العلمانية تنبثق الديمقراطية، ومن أولى أسس هذه الديمقراطية، احترام التعددية، وفي مقدمتها التعددية الدينية وحرية الاعتقاد.

خامساً: رفض النزعة العدمية تجاه الدين، وعدم الممانعة في الاتكاء عليه تربوياً وأخلاقياً واجتماعياً تحت مقولة ما نسميه التوظيف السوسيولوجي للدين. فالدين إذا ما وظف بشكل عقلاني لتربية الفرد على القيم الفاضلة سيحقق نتائج إيجابية رائعة، فهو الشرطي الكامن في أعماق شعورنا ولا شعورنا معاً. غير أنه يَفْسَدْ ويُفْسِدْ الفرد والمجتمع معه عندما يوظف سياسياً. إن الدين عندما يوظف سياسياً، يتحول إلى أيديولوجيا براغماتية، تعمل على تحقيق مصالح قوى اجتماعية محددة على حساب قوى اجتماعية أخرى، أو تجعل قوى اجتماعية محددة وصيّة على قوى اجتماعية أخرى، وهذا كله يجعل من النص الديني قوة أيديولوجية فوق الواقع وحركته وتطوره… قوة أيديولوجية تعمل على ليّ عنق الواقع كي ينسجم معها دائماً، أي مع مصالح القوى الاجتماعية الضيقة أو المحدودة التي تعبر عنها هذه الأيديولوجيا على حساب قوى اجتماعية أخرى، وهنا ندخل في باب التكفير والزندقة ورفض الآخر، وتحليل دمه أو قتله على هويته الدينية المخالفة للخطاب الديني السائد أو المسيطر، أو مَنْ يشعر مِنْ حملة هذا الخطاب أو ذاك أنهم هم الفرقة الناجية، وبالتالي سيساهم هذا الخطاب الديني العدواني في بنيته وأهدافه على تفتيت المجتمع وتجزيئه وتذريره إلى كونتونات اجتماعية تقوم على الطائفة والمذهب. ومن هذا الخطاب الأيديولوجي البراغماتي جاء موقف الإخوان من العلمانية كم حدده سيد قطب في كتابه (العلمانيون والإسلام) حيث يقول: (العلمانيون هم المرآة التي تعكس ما يريده أعداء الأمة من اليهود والنصارى، ولذلك فهم يتبنون كل ما من شأنه إبعاد هيمنة الإسلام عن حياة المسلمين.). وكذلك رأي رئيس المجمع الفقهي في السعودية: (إن هذه الدعوة الآثمة – فصل الدين عن الدولة– في حقيقتها عزل الدين عن الحياة ووأد الناس وهم أحياء…) (لمعرفة المزيد من هذه الآراء المتخذة ضد العلمانية. راجع كتاب ظاهرة التطرف الديني، للدكتور سفير أحمد جراد. دار محمد الأمين للطباعة والنشر والتوزيع. ط3. دمشق. 2012. من ص 507 إلى ص 512.). وللأسف إن كل التيار السلفي المعاصر دون استثناء يتبنى وجهة نظر (المجمع الفقهي) في السعودية من مسألة العلمانية. وإن كل هذه الآراء الواردة في هذا الكتاب من قبل العديد من الكتاب والباحثين الإسلاميين أو المؤسسات الإسلامية، تشير إلى قَبلِيَةِ هذه الآراء وتسييسها، فهي آراء لم تقم على مواقف معرفية ونقدية لفهم العلمانية وطبيعتها وأهدافها، أو حتى دراسة تاريخها وصيغها.

هكذا نجد من خلال هذه المقاربة الأولية ما بين الدين والعلمانية، أن العلمانية ليست ضد الدين أو نافية له، بل هي الجانب العقلاني والإنساني فيه… إنها دعوة لحرية الإنسان وسيادة العقل والمنطق في تفسير آلية عمل ظواهر الحياة الطبيعية والاجتماعية وتسخيرها لمصلحة الإنسان… إنها دعوة لتسييد العقل على النقل والامتثال. هذا مع تأكيدنا في نهاية هذه الدراسة بالقول: إن العلمانية ليست صيغة واحدة معطاة بشكل نهائي، وقابلة للتمدد في صيغتها الوحيدة لكل زمان ومكان، إن العلمانية شأنها شأن الديمقراطية، فهي صيغ متعددة، تفرض كل صيغة منها طبيعة المرحلة التاريخية المعيوشة وحواملها الاجتماعية، لذلك نجد أن صيغة العلمانية التي طرحها رجالات الثورة الفرنسية في القرن الثامن شر، تختلف في الحقيقة من حيث الجوهر عن الصيغة العلمانية التي طرحها رجالات الثورة البلشفية في روسيا مع بداية القرن العشرين، أو عند لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية في النصف الثاني من القرن العشرين. فالثورة الفرنسية لم تحارب الدين من حيث كونه حالة روحية ووجدانية تتضمن في جوهره قيماً أخلاقية إيجابية كثيرة، وإنما جاءت العلمانية آنذاك، ضد سلطة الكنيسة الاستبدادية التي التقت مع السلطة الاستبدادية الملكية ضد الشعب ومصالحه، وبالتالي فقد كانت تهدف العلمانية عند قيام هذه الثورة الفرنسية إلى فصل الدين عن الدولة بغية منع سلطته الاستبدالية من جهة، ومركزته في الفرد بدل الكتلة ضرباً للطائفية والمذهبية لا أكثر من جهة ثانية. بينما نجد صيغة العلمانية في الثورة البلشفية، أنها كانت تتجاوز مسألة فصل الدين عن الدولة، لتدخل في مسألة فلسفة الإلحاد، وهذا ما أوقع الاتحاد السوفيتي سابقاً في مآزق كثيرة لدى شعوب الاتحاد السوفيتي، إن كان عند بعض قومياته التي تتخذ الإسلام ديناً لها من جهة، أم عند اليهود والمسيحيين الروس أنفسهم من جهة ثانية. ثم هي غيرها أيضاً في بعض دول أمريكا اللاتينية التي اتخذت من لاهوت التحرير منهجاً لها في موقفها من الدين والدولة، وسخرته تسخيراً ثورياً لضرب مواقع الاستبداد والفساد دون الدعوة إلى تبنيه بديلاً عن الدولة المدنية أو دولة القانون والمؤسسات..

*****

ملاحظة: هذه الدراسة نشرت منذ أكثر من خمس سنوات في العديد من المواقع والصحف الالكترونية، وقد اعتبرها البعض من أوائل الدراسات التي تناولت موضوعة المقاربة مابين العلمانية والإسلام. وأنا أعيد نشرها اليوم ضمن سلسلة مقالات قضايا التنوير بعد أن أجريت عليها الكثير من التعديل.

**************

 العقلانية… (3)

الفلسفة الواقعية ضرورة تاريخية لمواجهة الامتثال

إذا نظرنا إلى الواقعية كرؤى أو مواقف ذهنية (عقلانية) تؤمن بدور التجربة والخبرة الاجتماعية في معرفة حياة الإنسان وما يحيط به من ظواهر عبر تاريخه الطويل، فسنجد إرهاصتها الأولية لدى كثير من الشعوب، ممثلة في أقوال بعض منتجي أساطيرها، أو لدى حكمائها الأولين، كما هو الحال مثلاً في رد “أناناتبشم” على “جلجاميش” في (ملحمة جلجاميش) عندما اشتكى “جلجاميش” ﻟ”أنانا تبشم” عجزه في إيجاد سر الخلود بعد ان بحث عنه طويلاً، حيث قال له “أناناتبشم” مواسياً: (متى بيننا بيتاً دام إلى الأبد!؟، ومتى صنعنا ختماً دام إلى الأبد..!؟.). فمثل هذه المقولات الدالة على دور التجربة والخبرة في معرفة طبيعة الحياة وقوانين تطورها وتبدلها، كثيراً ما نجدها في ملاحم الشعوب القديمة وأساطيرها كما أشرنا.

أما إذا نظرنا إلى الواقعية كموقف فلسفي، فيبدو أنها جاءت عبر سياقها التاريخي كرد فعل على الفلسفة المثالية التي كانت تمجد المطلق والمجرد والغيبي والجبري والمستبد، والمؤمنة بكل تياراتها بأن الواقع يأتي بعد الفكرة التي تعتبر منبع الحقيقة مهما يكن مصدر هذه الفكرة (ما وراء الطبيعة– الروح- الفطرة- البنية النفسية- العقل المجرد.. الخ.). فالفلسفة المثالية – في نظرتها إلى العالم الخارجي والإنسان، تخالف في الحقيقة الفلسفة الواقعية التي تؤمن بالنسبي والملموس والعياني وحرية الاختيار. وأن الواقع المادي المحسوس عندها هو مصدر الحقيقة، وأن الحواس هي أداة المعرفة، أو الوسيلة التي توصلنا إلى هذه الحقيقة.

عموماً إذا كان “أفلاطون” هو مؤسس المدرسة الفلسفية المثالية، التي تأثر في أفكارها، أو قال بما يؤيدها، أو يقاربها فيما بعد، العديد من الفلاسفة والمفكرين، أمثال جورج باركلي، ودافيد هيوم، وكانت، وأبو حامد الغزالي، وغيرهم الكثير أيضاً ممن آمن بالتأمل العقلي واعتقد بأن عالم الفكر يسبق عالم الواقع. فإن “أرسطو” يعتبر رائد الواقعية كتيار فلسفي، حيث جاء فيما بعد أيضاً، العديد من الفلاسفة الذين أسسوا على أفكاره، أو قالوا بما يقاربها أو شبيهاً بها، أمثال القديس توما الأكويني، وفرانسيس بيكون، وابن رشد، وابن حزم، وابن خلدون، وجون لوك، وديكارت وغيرهم الكثير من الذين كانوا واقعي النظرة، وتجريبي النزعة، ويقرون بأهمية الإحساس في تشكيل المعارف للوصول إلى الحقيقة. مثلما كان لمسألة الربط بين العلم والتطبيق العملي، وللتربية في نظر بعضهم الدور الكبير والفاعل في إعداد الفرد لحياة سعيدة،، وبمثل هذه المواقف الفكرية التي آمنوا بها، جاء الواقع عندهم سابقاً على الفكر.

الفلسفة الواقعية إذاً، هي التي تقر في المحصلة بأن معرفتنا بحقائق الواقع تتزايد بالاكتشاف والتحليل الموضوعي والتفسيرات العلمية، فالظواهر تسير وفق قوانين طبيعية/ موضوعية، ودور الإنسان فيها هو الكشف عن هذه القوانين والتحكم بها وتسخير آلية عملها لمصلحته.

مبادئ وأسس منهج الفلسفة الواقعية المعاصرة:

في عصرنا الحاضر وأمام ما انتاب الحقيقة عموماً والفكر وتياراته على وجه الخصوص من ضياع وتهميش وتداخل تحت ظل النظام العالمي الجديد، وأهمها ذاك التداخل الذي حصل لتيارات الحداثة بكل تجلياته والفلسفة العقلانية من ضمنها، مع تيارات ما بعد الحداثة، ممثلة بموت ونهاية كل شيئ (الفن، الأدب، الفلسفة، الأخلاق، الدين وغير ذلك من مفردات الحياة)، ليتشكل تياراً فكرياً هجيناً (ما بعد حداثوي)، غابت فيه ملامح العقلانية والمثالية معاً، لتسود فيه رؤى فكرية يغلب عليها طابع الفوضى الفكرية، والعبث، واللا معقول، والتجزيئية، واللا أدرية، وعدم الإيمان بجدوى القيم الأخلاقية الجوهرية، والتمسك بالشكلي، والدعوى إلى النمذجة التي تحاول أن تجعل من الظاهرة، وفي مقدمتها الإنسان، ذرة معزولة عن غيرها من الظواهر ليس لها لون أو طعم أو رائحة، إلا لون وطعم ورائحة ما يخدم مصالح قادة هذا النظام الكوني الجديد.. الخ

من هنا وأمام مواجهة هذه الحالة من اللا معقول، وبخاصة ما يمارس اليوم تجسيداً عملياً لكل هذا اللا معقول في سورية ومصر وليبيا والعراق من قبل قوى الظلام ومن يساندهم على الساحة العربية والعالمية، يفرض علينا المنطق والواجب تجاه إنسانيتنا، ضرورة التمسك بما هو إيجابي وعقلاني، وإعادة إنتاج ما من شأنه أن يعيد إنتاج إنسانيتنا، وبخاصة الفكر التنويري بعد تنقيته من جراثيم ما بعد الحداثة، ونفض غبار الجهل عنه، وكل ما اعتراه من تفاهات فكرية هدامة وتخريبية تريد النيل من جوهر الإنسان، والعودة به مع حواملها الاجتماعية إلى حياة العصور الوسطى، عصور الظلام والجهل وأهل الكهف، هذا ويأتي في مقدمة الجهود الايجابية التي يجب أن تبذل الآن من أجل إعادة الإنسان إلى جوهر إنسانيته، هي رد الاعتبار للفلسفة العقلانية أو الفكر التنويري، ومحاولة إغنائه برؤى فكرية جديدة تضفي عليه طابعاً أكثر عقلانية وعلمية تتناسب وتحديات المرحلة الراهنة، منطلقين من إعادة التأسيس لمبادئ وقواعد أكثر علمية وعقلانية لفلسفة واقعية معاصرة تتناسب وطبيعة التحديات المعصرة، يمكننا تحديد أهمها بالتالي:

1- إن للظواهر قوانينها الخاصة بها والتي تتحكم بآلية عملها، وهي موجودة بشكل مستقل عن الإنسان – أي الظاهر- تؤثر فيه ويؤثر فيها، وتأثيره فيها يأتي بعد ملاحظتها واكتشاف قوانينها وآلية عملها.

2- إن الإنسان في طبيعته ليس ضرورة فحسب، بل وحرية أيضاً، وهنا تكمن استقلاليته النسبية عن الضرورة وبقية الظواهر الأخرى المحيطة به، وقدرته على التحكم فيها وتسخيرها لمصلحته.

3- الظاهر بمجموعها ومن ضمنها الإنسان ذاته، ليست ثابتة جامدة في معطياتها، بل هي في حالة سيرورة وصيرورة دائمتين، أي هي في حالة حركة وتطور وتبدل وتشكل دائم، وهذا بالتالي ما يمنحها نسبيتها وينفي إطلاقيتها، ويؤكد أن حقيقتها تقوم دائماً على معرفة ناقصة.

4- الفلسفة العقلانية المعاصرة لا تؤمن بوجود قوى فطرية موروثة خلقت مجردة عن تاريخ الإنسان قبل الولادة، بل تؤكد على أن الإنسان محكوم بتأثير البيئة الطبيعية والاجتماعية على تفكيره وسلوكياته، دون أن تنكر أن هناك استعدادات وراثية أولية لعبت فيها تلك الظروف الدور الأساس على وراثة الإنسان.

 5- الفلسفة الواقعية المعاصرة تؤمن بأن الفرد هو أساس الكيان الاجتماعي، وأن المجتمع ما هو إلا مجموعة الأفراد، وعليه فإن حرية الفرد لا يمكن لها أن تتحقق إلا في حالة تمتع الفرد بجميع الامتيازات والحقوق الخاصة، وهذا لا يتم إلا بانعتاق الإنسان وتخليصه من كل ما يعيق تطوره وتطور المجتمع معاً، وذلك عبر تجاوزه للكثير من المحرمات السلبية التي يفرضها المجتمع والدولة معاً على تفكيره وتصرفاته.

6- لا تقر الفلسفة العقلانية المعاصرة بالأخلاق المعيارية المسبّقة، والتي غالباً ما تسلبه حريته وإبداعاته، وإنما تقر بنسبية الأخلاق وضرورة مواءمتها للمرحلة التاريخية المعيوشة، فهي ضد القوالب الأخلاقية والفكرية الجامدة التي غالباً ما تدخل الإنسان في عوالم (دنكوشيتية) تحد انعتاقه ومن تطور ونمو إنسانيته.

7- العقل الإنساني في معطيات الفلسفة العقلانية المعاصرة ليس معطىً بيولوجياً تقوم آلية عمله بشكل مستقل عن مجموع علاقات الإنسان مع المحيط الاجتماعي والطبيعي الذي يتفاعل وينشط فيه، بل هو مجموعة الرؤى والأفكار والمعارف والمهارات التي شكلها الإنسان عن طريق إدراكه وحواسه وتجربته الفردية والاجتماعية تاريخياً، وراح يرفض أو يتبنى من خلالها ما يناسبه أو ما لا يناسبه من أفكار وسلوكيات وفقاً لطبيعة المرحلة التاريخية التي يعيشها، والتي غالباً ما تفرضها طبيعة مصالحه الخاصة والعامة.

8- تؤمن الفلسفة العقلانية المعاصرة بدور وأهمية التربية في تدريب الإنسان وإكسابه المهارات النظرية والعملية القادر من خلالها على التفاعل بايجابية مع الواقع الذي يعيش فيه، وحالات تبدل وتطور هذا الواقع.

9- الفلسفة العقلانية المعاصرة فلسفة ترفض تقسيم العالم بشكل تعسفي وجذري إلى مادة وصورة.. روح ومادة، فللجانب الروحي عندها أهمية في إغناء الجانب العملي، على الرغم من أن البداية للفعل، والعكس صحيح بالنسبة لتأثير الجانب العملي على الجانب الروحي، فالعلاقة بين طرفي المعادلة جدلية، والروح عندها هي المعرفة المكتسبة بالخبرة والتجربة وما تولده لدى الإنسان من مهارات ذهنية، وإحساسات داخلية تتجلى في شعوره بالحب والكره، والجمال والقبح تجاه الظواهر التي تحيط به ويتعايش معها.

هذه هي أبرز القواعد التي ترتكز عليها الفلسفة العقلانية المعاصرة في عالمنا المعاصر برأيي، والتي تشكل المنطلقات الفكرية لكل تفكير عقلاني تنويري يرمي إلى تجاوز عقلية وثقافة الجمود والتكفير والزندقة ورفض الأخر، إضافة إلى عقلية وثقافة المجتمع الاستهلاكي بكل ما تحمله من تفرد سلبي، وعهر، وتنمية للغريزة على حساب العقل وقتل لروح الإنسان وإبداعاته، وبالتالي العمل على نمذجته.

قضايا التنوير (القضية الرابعة)… العقلانية (3+4)

د. عدنان عويّد

قضايا التنوير (القضية الرابعة)

العقلانية – rationalism)  4)

 

By: Louis Gustave- Ratisbonne

ترجمة: د. عدنان عويّد

 

العقلانية مفهوم استخدم في الفلسفة واللاهوت، بعيدا عن أية صيغة منهجية كانت، بغية احترام عقل الإنسان كمعيار نهائي، ومصدر رئيس للمعرفة، هذا مع المعرفة المسبقة أن مثل هذه الموقف المنهجي العقلاني في تحديد مفهوم العقلانية، سيتعارض بالضرورة مع كل العقائد التي استندت بشكل كامل على الرؤى المطلقة. فالفرد وفق هذا الموقف المنهجي أو الرؤية العقلانية، يجب عليه أن يبحث أو يتحقق عن كل شيء بنفسه، وهذا يتطلب منه في المحصلة أن يتخلى عن أي موقف – حتى ولو كان قانونيا أو شرعيا- غير قادر من خلاله أثبات عقلانية هذا الموقف. هذا وأن جوهر العقلانية في طبيعة الحال يكون متزامنا مع تطور الإنسان ذاته، وأن الدين نفسه ابتدأ أساسا كمحاولة عقلانية من أجل تحقيق العلاقات الودية ما بين الإنسان وقوى الطبيعة ذاتها غير المدركة أو المعروفة أسرارها آنذاك من قبل الإنسان، لذلك فكل ديانة من الديانات الميتة تلاشت في الحقيقة بعد أن كشفت أسرار وجودها، أي عوامل إنتاجها.

بيد أن تيار العقلانية قد كسب الكثير من العلاقات والارتباطات مع التفكير الحديث،. وفي حالات استخدامه الشائع وارتباطاته، غالبا ما واجه التيار العقلاني ودعاته كل الذين أعلنوا قبول تطبيق سلطة الكتاب المقدس كمدوّن معصوم وموحى به كرؤى صالحة لكل زمان ومكان. كما ترادف – أي التيار العقلاني- أيضا وبشكل عملي مع التفكير الحر، مع التنويه هنا، بأن هذا الأنموذج من العقلانية راح يؤسس بشكل واسع على نتائج البحث التاريخي والأركولوجي الحديث. فقضية الخلق في كتاب سفر التكوين، ترى من خلال هذا المنهج العقلي، عبر قراءة السجل الزمني لهذا السفر، أي عبر تاريخيته، حيث شكلت مسألة الخلق قيمة شعرية ورمزية اكتشفت عبرها الحضارات المتمدنة والأكثر أهمية في قدمها، ومن جهة أخرى، إن دراسة الدين المقارن قد وضعت الكتاب المقدس في علاقة حميميّة مع الأدب القديم أيضا، وذلك لما احتواه من أحداث ذات طابع قصصي، الأمر الذي جعل من الكتاب المقدس وفق هذا التصور العقلاني أقدم وثيقة أدبية.

إن الكتاب المقدس، وبالخصوص، العهد القديم (التوراة)، أُعتبر حتى من قبل المسيحيين الأرثوذكس ومن وجهة نظر عقلانية، مختلف جدا في تفسيره ما بين مراحل الكنيسة المبكرة والوسطى، فالعقلانية داخل الكنيسة المسيحية تختلف، ومع ذلك ظلت العقلانية تيارا فكريا اشتغل إلى حد ما على توضيح الحقائق الأساسية للعقيدة المسيحية. أما العقلانية المتطرفة على الجانب الآخر من المسألة، فقد أنكرت بشكل قطعي القوى الخارقة للطبيعة، ومع ذلك إن كانت هذه القوى موجودة أم لا، فهي تشكل مواضيع معرفة إنسانية.

إضافة إلى الصعوبات المتعلقة بالكتاب المقدس على اعتباره سجلا تاريخيا، وعلى الأخص بالمسائل الأدبية (القص) الظاهرة في النص المقدس، ثم لمجموع الانتقادات الأخرى التي وجهت إلى النص عبر تيار العقلانية بشقيه المعتدل والمتطرف، فإن المفكر الحديث ينكر بأن مسيحية العهد الجديد، أو تفسير هذا العهد من قبل اللاهوتيين الجدد قادر أن يقدم نظرية واضحة عن حياة الإنسان وواجباته، أو حتى جزءاً من الاستخدام العام للعقلانية باتجاه الدين خصوصا.

إن العقلانية الفلسفية هي ذاتها نظرية معرفة تحافظ على أن يكون العقل في ذاته وبذاته مصدراً للمعرفة، وأن تلك المعرفة المتحصلة هنا عبر هذا العقل، تمتلك سلطة جد عالية على المعرفة المتحصلة عن طريق الإحساس. وهذا الرأي يتعارض في الحقيقة مع العديد من المناهج الفكرية المختلفة التي تعتبر العقل في نشاطه المعرفي هذا وكأنه (قرص مدمج)، والعالم الخارجي في داخله يطبع نفسه عبر الإحساس. (نظرية المثالية الذاتية- المترجم). هذا وأن مسألة التناقض ما بين النظرية العقلانية (في صيغتها المثالية الذاتية- المترجم) والنظرية الحسية تبدو قضية مجردة وبسيطة جدا، وكثير من المفكرين قد أقر بهاتين النظريتين، حيث دعي هؤلاء بالفلاسفة العقلانيين الحسيين، ووفقا لذلك راحوا يؤكدون بشكل خاص على وظيفتي العقل والإحساس في المعرفة.

بشكل عام، إن العقلانية الفلسفية تعارض هنا النظريات التجريبية في المعرفة، هذا في الوقت الذي اعتبرت فيه – العقلانية الفلسفية- إلى حد ما أن المعرفة الحقيقية قد نتجت عن المفاهيم الأولية الأصيلة، (نظرية المثالية الموضوعية – المترجم)، وهذا الموقف الناقد للعقلانية الفلسفية، قد طرح من قبل “ديكارت” و”ليبنتز” و”وولف” وقد أسس على قاعدة أساسية ﻟ”ديكارت” مفادها، بأن المعرفة يجب أن تكون واضحة، وتمارس البحث من أجل أن تقدم للفلسفة اليقين، كما تقدم أيضا تلك السمعة أو الصيت الطيب عن الرياضيات.

أما الهجوم على العلاقة السببية التي قادت بشكل مباشر إلى العقلانية الجديدة ﻟ”كانت” فقد انطلق من “دافيد هيوم”، الذي قال بأنه من الخطأ اعتبار الفكر مجرد تحليلات مجردة، فالمفاهيم الأولية تكمن هناك، أي في الفكر المجرد، ولكن إذا كانت هذه المفاهيم ستُضخم أو تُفصل أكثر في نطاق المعرفة، يجب إخضاعها للنقد، أو بتعبير آخر ربطها بالمعطيات النقدية.

هذا وأن مفهوم العقلانية في الوعي اللاهوتي الضيق، قد استخدم بشكل خاص العقائد التي استخدمت من قبل مدارس اللاهوتيين الألمان، ومدرسي الكتاب المقدس الذين اشتهروا بالقسوة ما بين أعوام 1740 – 1836، ومع ذلك اعتبرت هذه العقلانية بمظهرها اللاهوتي داخل الكنيسة في ذلك الوقت تيارا فكريا تنويريا، عرف ﺑ(audklarung). بيد أن جوهر المشكلة الصعبة، كانت مسألة العقيدة الخارقة للطبيعة.. مسألة طبيعة العلاقة بين ما يوحى به والدين الطبيعي.

لقد اعتبر “ج – س – سيملير” (J. S. Smeller)، وهو أول قائد عقلاني، أن الدين الحقيقي ينبع من الروح الفردية، وهاجم سلطة الكتاب المقدس بروح نقدية عالية، وقد وصل إلى قناعة راسخة بأن الكتاب المقدس بالنسبة له يعتبر بكل بساطة واحدا من الوثائق القديمة، علما أنه لم يطعن في الكنيسة، بل اعتبرها شيئا نافعا استطاعت حفظ وحدة المجتمع الخارجية وهذا الموقف الفكري تبناه الكثير من المفكرين الأوربيين، ويأتي في مقدمتهم الفيلسوف المفكر “كانت” حيث قام بعرض هذه الفكرة على المستوى الفلسفي.

إن التيارين العقلانيين العظيمين في اتجاهيهما النقدي والفلسفي قد تعايشا في النهاية مع بعضهما، أو بتعبير آخر ترافقا مع بعضهما بعضا، بيد أن الملفت للنظر هو أن هذه العقلانية قد أطلق عليها “العقلانية البذيئة أو المبتذلة أو الساذجة” في فترة زمنية من تاريخ الفكر الأوربي امتدت من عام 1800 إلى 1833.

 ******************