ليس دفاعا عن أبي زيد

بقلم حسن اوريد

عن ياك لاباس

 

 

كنت بمحطة القطار أكدال مساء 6 يناير حين ابتدرني شخص، كان يبدو من لكنته أنه غير مغربي، وقدّم نفسه على أنه سوداني مقيم بالمغرب ومتزوج من أمازيغية، ثم عقّب :” السيد حسن أصنع شيئا فيما يخص قضية أبي زيد، المغرب لا يستحق هذا اللغط، أنا سوداني المولد، مغربي الهوى..”فابتسمت مرددا ” أنصر أخاك ظالما ، فكيف إن كان مظلوما”، وعقب الرجل : أرجوك، المغرب قِبْلتنا، وهو النموذج القائم الذي لم تنل منه الأنواء للتعايش واحترام الآخر.
تمليت المسألة بعدها . أخطأ أبو زيد، أخطأ في حق نفسه أولا، لأن الدماء الأمازيغية تجري في عروقه، فهو متحدر من الطاهرة للا كنزة، وأخطأ في حق وطنه، لأنه هؤلاء الذين عيّرهم هم مواطنون مثله ولو هو أراد النكتة، لأنه يعرف، انطلاقا من مرجعيته الإسلامية، أن هناك أشياء لا يُهزأ بها، فجِدها جِد، وهزلها جِد، وأخطأ حين فعل ذلك في بلد أجنبي، وقديما قالت العرب : آكل لحمي ولا أدعه لآكل..
ولكن أبا زيد اعتذر عما بدر منه، وأقر أنه لم يرد الإساءة، ولا توقع أن يكون لما قاله التبعات التي كانت له ، والإنسان معرّض للزلات ولذلك ينبغي للمسألة أن تُطوى، وأن نأخذ منها العبرة، وأول العِبر هو أن لا شيء يوغر في النفوس ويَقِر فيها مثل الإهانة والزراية، ولذلك ينبغي أن نحتاط في سلوكنا وبخاصة ممن له سلطه معنوية أو مسؤولية عامة، فإن تلك التصريحات تُخلّف ندوبا غائرة لا تمّحي مع الزمن، لدى الأفراد ولدى الجماعات، بل إن كثيرا من التحولات المجتمعية مصدرها ردود الأفعال ضد هزء يتعرض له شخص، أو جماعة، وهي قضايا أكب عليها علماء من مشارب عدة، منها الدراسات التي قام بها تشارلس تايلور Charles Taylor في كندا، حول التعدد الثقافي وأسبابه الكامنة في الاعتراف، ومنها الفيلسوف الألماني Axel Honneth في كتاب قيّم “الصراع من أجل الاعتراف”، حيث يرتبط بتراث هيجل، الذي يقطع مع نظرة كل من ماكيافيلي وهوبز والتي لا ترى في الحياة العامة إلا حلبة للصراع الشرس، فدعا لأنسنة هذه العلاقات ليس لاعتبارات أخلاقية وحدها كما دعا إلى ذلك كانط، بل لاعتبارات عملية، لأن التقدم لا يتحقق وَفق هيجل إلا حينما يتم الاعتراف بكل شرائح مجتمع ما. و حذر الفيلسوف الإسرائيلي أفيشاي ماركلاليت Avichai Margalitمما أسماه بندوب الإهانة Les cicatrices de l’humiliation.
وهي نفس النتيجة التي انتهي إليها أبو الطيب المتنبي في هذه الأبيات التي كان الأستاذ شفيق يدعو إلى أن تُرفع على واجهة بناية هيأة الأمم المتحدة لما لها من قوة وبعد إنساني :
ومُراد النفوس أصغر من أن نتعادى وأن نتفانى
غير أن الفتى يلاقي المنايا كـــــالحاتٍ، ولا يُلاقي الهوانا
فقد يصبر الناس على فقدان الحرية، وقد يتحملون الظلم إن انتفت موازين القوى ولكنهم ينتفضون ضد الإهانة، مهما كانت موازين القوى في غير صالحهم ولو كلّفهم ذلك حياتهم.
ومن الضروري التذكير بأن الخطاب الأمازيغي هو رد فعل ضد سلسلات من الإهانات التي تعرض لها الناطقون بالأمازيغية، فلقد اعتقد الكثيرون أنهم يمكن باعتناقهم لقيم المواطنة والحداثة، في إطار قوالب سياسية حداثية أنْ ستصان حقوقهم الثقافية، وتبينوا بكثير من الأسى أن تلك القوالب لم تكن تريدهم إلا منسلخين عن ذاتياتهم أو هوياتهم مثلما نقول اليوم، ولذلك انثنوا إلى ما يبرز خصوصيتهم، ولذلك فاللغة ليست غاية في حد ذاتها، بل إحدى وسائل التعبير عن قيم، ومنها العدالة والكرامة، والحرية.
ولا أريد أن أنكّيء الجراح بالتذكير ببعض من تلك الإساءات.
والمسألة الثانية، هي أن هذا البخل الذي ُيعيّر بها “عرق” من بلادنا، يسمى بتعريف آخر اقتصادا، وهو ميزة، لأنه يؤدي إلى تراكم الثروة، وعقلانية العلاقات الاجتماعية، وإماطة الأسطورة في الحياة العامة، مثلما ذهب إلى ذلك ماكس فيبر. أعتبر هذا الذي قد يراه البعض بخلا، مصدر فخار، لأنه كان وراء تقدم الأمم المتحضرة، ويكفي المرء أن يزور الدول المتقدمة ليرى حرصهم الشديد على نبذ الإسراف في المال أو حرصهم على تدبير الزمن.
واعتبرت دوما أن هذا الميل للاقتصاد الذي نجده في مناطق معينة بالنظر إلى ندرة الموارد، أو شرائح تعرضت للظلم بل للإبادة مثل المورسيكيين كما في تطوان والشاون والرباط، هو ميزة، وهو ينطوي على وجه آخر في سلوكات هؤلاء، منها الجد والمثابرة والصدق..
ولست أرى فيما كان ُيدرّس لنا من نحر حاتم الطائي لفرسه إكراما للضيف َميْزة، ولست أرى فيما تدعو له الأغنية “بع الجمل يا علي واشتر مهر لي” أمرا خليقا أن يُحتذى، فكيف يبيع المرء رأسماله إرضاء لنزوة عابرة، فقد يكون ذلك جميلا، ولكنه ليس عمليا، وهو الأمر الذي دفع واحدا من كبار اللغويين العرب صاحب جوامع الدروس العربية مصطفي الغلايني إلى القول ” لا لسحبان ولا حاتم..” وهو العربي الأصيل، أي لا للخطابة الزائفة، ولا للتبذير وما يرتبط به من بذخ.
والمسألة الثالثة، وهي أن نكف عن التنابز بالألقاب، مثلا يدعونا إلى ذلك ديننا الحنيف، حتى على سبيل النكتة، لا فيما يخص العقيدة أو العرق، أو اللسان، أو اللون..وإذا كانت الأمم المتحضرة جرّمت ذلك فلأنها تدرك أثره في النفوس، وخطره على المجتمعات. علينا أن نحترم ما يدخل في ذاتية الأشخاص والمجتمعات، وإن كنا لا نفقهه أو لا نشاطره، سواء أتعلق الأمر بلسان، أو منطقة، أو ثقافة أو معتقد أو عقيدة.
ورابعة، هي أن الهيأة السياسة التي ينتمي إليها السيد المقريء أبو زيد، كان حريا بها، وهي تدبر الشأن العام، أن تتخذ موقفا صارما فيما يخص الهزء ب “عرق معين”، لأنها مؤتمنة على مصالح الشعب المغربي قاطبة، وكان حريا أن تتخذ مما جرى مناسبة لتفعيل ترسيم الأمازيغية، وليس ُيرضي أحدا منا أن يُمَسَّ واحد من أبناء شعبنا بأذى، سواء انتمى للعدالة التنمية أو لسواها.
لقد أبانت فعاليات أمازيغية عن حس سليم بالانتفاض ضد الضيم، وقد تحقق المراد الذي تروم. حسْـبُها ذلك حتى لا يصرفها الموضوع عن الأهم، ليس لوحدها، بل كافة القوى الحية في بلادنا. فنحن نعيش مرحلة دقيقة، هي انتقال بين مرحلة ومرحلة، وهي مرحلة غبش، فلا ينصرمَ العقد الاجتماعي الذي يربطنا. وليكن مما جرى مناسبة للإسراع في تفعيل ترسيم الأمازيغية قانونا وممارسة.
الأمازيغية أعمق من أن ينال منها مجتريء، فقد صمدت أمام الغزاة والطغاة ، بقي لسانها حينما اندثر لسان أمم ذات حضارات راقية، اندثر لسان مصر الفرعونية ولسان الكلدانية والفنيقية واللاتينية، وكاد رسم السريانية أن يمحي، ولم يسند الأمازيغية في ذلك سلطة دينية ولا سلطة سياسية، وبقيت ذهنيتها في نفوس ساكني أرضها حتى ولو نسوا لسانها، بقيت قيمها هذه التي جلاّها أصحابها بوقوفهم ضد الظلم، ونصرتهم للحق ودعوتهم للتضامن، وإيمانهم بالحرية منذ يوغرثن ويوسف بن تاشفين وعبد الكريم الخطابي..من نالها بسوء فكأنا يضرب الجبل الأشمّ برأسه، لن يوهنه وسيوهن نفسه.