استقالة النهضة تطيح بآخر أوراق التوت الإخوانية

 

أهم نتيجة تحققت إلى الآن في مهمة الكشف والفضح أن ثمة اعترافا لدى قيادات ‘النهضة’ مفاده أن التجربة السياسية أساءت إلى وجهها الديني الذي كانت تجمع به الأنصار.  
عن صحيفة العرب مختار الدبابي [نُشر في 11/01/2014، العدد: 9435،

 

استقالة رئيس وزراء تونس حملت دلالات كبيرة لمن راهنوا على ثورات “الربيع العربي”، التي بدأتها تونس منذ ثلاث سنوات وأغلقتها تونس باستقالة علي العريض.

فكثير من الحالمين وهواة التوصيف السياسي أطلقوا على ما جرى في تونس ذات 14 يناير 2011 “ثورة ياسمين”، لكن النتيجة بعد ثلاث سنوات أن التونسيين لم يروا ياسمين ولا ربيعا، بل هدما ممنهجا لما تم بناؤه طيلة خمسين عاما من عمر الدولة الوطنية.

سيقول البعض إن تونس أرست تجربة ديمقراطية امتدحها كتاب مشهورون ومنظمات ومراكز بحث، لكن ما فائدة المديح إذا كانت الديمقراطية السائبة التي لا مقاسات لها ولا ضوابط قد حققت ما فشل معه “الاستبداد” في ضرب الدولة كفضاء جامع وأعادت مكانه روابط القبيلة والعروش.

ديمقراطية ثلاث سنوات أخذت من تونس صورة الدولة المتحضرة المنفتحة التي تمتلك كفاءات علمية وتقاليد مدنية، وزرعت بدلا منها صورة الفوضى السياسية التي أخرجت أحزابا صغيرة نامت لعقود في السرية وظلت حبيسة ماض تريد أن تسقطه على حياة الناس.

فقد وقف التونسيون على حقيقة مفزعة، ذلك أن المعارضة “المناضلة” التي ذاقت ويلات السجن والتهجير ليست سوى مجموعات تمارس العنف قولا وفعلا، وبدل أن تهتم بأمن الناس وأرزاقهم صار همها إشعال الحرائق وفرض الإضرابات وخلق مناخ خصب للاغتيالات.

فأين الربيع؟ وربيع من؟

ولأن المجموعات الصغيرة ستظل هامشا في السر والعلن، فإن العيون تركزت على جماعات الإسلام السياسي، وخاصة حركة النهضة ذات الخلفية الإخوانية.

وسيكون من السهل على القارئ الذي يتخذ مسافة عن صراع الديكة وإعلام الشتيمة والتهويل، أن يخلص إلى نتائج منطقية حول تجربة النهضة/ الفرع الإخواني في تونس (كامتداد فكري وتنظيمي).

لقد أخذت حركة النهضة ما يكفيها من الوقت لتحكم، أو لنقل كي تكشف عن نواياها في الحكم إذا جارينا أنصارها ورموزها الذين يقولون إن الخصوم لم يتركوا لنا الوقت لنحكم، وأننا اكتفينا بلعبة ردة الفعل الشرطية وفق مقاربة بافلوف.

فما الذي حققت من شعاراتها التي كانت هي ومجموعات الإسلام السياسي الأخرى تقول إنها لقادرة بها على أن تنقذ العالم وتقوده إلى العدل والحرية؟

أول عنصر مهم أنها تولت بنفسها كسر شعار “الإسلام هو الحل” من خلال التخلي العلني عن تطبيق الشريعة، وهو المطلب المحوري الذي خاضت حوله حملتها الانتخابية، ووظفت من خلاله منابر المساجد لفائدتها.

ومن المهم الإشارة هنا إلى أن حركة النهضة لا تمتلك من الأدبيات المرجعية سوى ورقة تحمل اسم “رؤية فكرية” تصنف نفسها من خلالها كحركة أصولية إخوانية، أما ما سوى ذلك فمتروك لنصوص رئيسها راشد الغنوشي الذي جذب الحركة تنظيميا إلى التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، وإنْ كانت كتبه تناقش قضايا وملفات (الحريات والديمقراطية) توحي بخروجه عن المنظومة الإخوانية.

وبالنتيجة، فإن غياب مدونة فكرية تأسيسية للنهضة جعلها تنشطر إلى فريقين، فريق سلفي إخواني يردد الآيات والأحاديث وأقوال ابن تيمية وسيد قطب، وفريق آخر يأخذ من كل شيء بطرف وحسب الوضعية، فتارة تجده إسلاميا إخوانيا، وأخرى اشتراكيا، وثالثة ليبراليا.

ونجحت التجربة السياسية التي مرت بها تونس خلال العامين الماضيين في أن تطيح بالتجانس المغشوش التي بدت عليه “النهضة” طيلة 40 عاما، أي منذ تأسيس “الاتجاه الإسلامي” في بداية الثمانينات.

لكن أهم نتيجة تحققت إلى الآن في مهمة الكشف والفضح أن ثمة اعترافا واسعا لدى قيادات “النهضة” وأنصارها مفاده أن التجربة السياسية أساءت إلى وجهها الديني الذي كانت تجمع به الأنصار، ولذلك تدعو غالبية أبناء الحركة إلى إعادة الحياة إلى تنظيم”الاتجاه الإسلامي” ليكون إطارا جامعا لأبناء الحركة الذين جرفت الكثير منهم الاستقالات المعلنة والصامتة بعد أن صدمتهم حقيقة “النهضة” التي تنازلت في كل اتجاه لترضي الضغوط الخارجية، والتي لم تعد تمتلك من إسلاميتها سوى بعض الآيات والأحاديث التي يرددها القياديون عرضا لإيهام المنتسبين والأنصار أن الحركة مازالت إسلامية.

وهذا يعني أن “النهضة” ستبقى حزبا سياسيا تعلق عليه شماعة الأخطاء والتنازلات، أما “الاتجاه الإسلامي” فسيحاول أن يحتفظ بـ”النقاء” الديني والأخلاقي الذي سبق له أن جمع به مئات الآلاف من الأنصار خلال العشريات الأخيرة لتذهب بهم لعبة السياسة في شهرين.

وهذا اعتراف صريح بأن الدين والسياسة لا يلتقيان في التجربة، وهذا حصل أيضا مع إخوان مصر الذين صدعوا الرؤوس طيلة ثمانين عاما بشعار “الإسلام هو الحل”، لكنهم كانوا أول من خرقوه من خلال الإفتاء بجواز أخذ القروض “الربوية” من المؤسسات البنكية العالمية تحت يافطة “الضرورات تبيح المحظورات”.

وفي سياق ثان، نجحت “الثورات” في أن تفضح انتهازية الحركات الإسلامية التي كانت تزايد على الأنظمة بعدائها للغرب “الاستكباري”، لكنها بادرت إلى الهرولة سريعا لعرض خدماتها عليه بتني “الحرب على الإرهاب” أو بإبرام اتفاقيات طويلة المدى معه تعطيه امتيازات تفوق ما كان يعطيه أي نظام سابق.

ولقد كشفت “انتفاضة الضرائب” التي عجلت باستقالة رئيس وزراء تونس علي العريض أن “النهضة”، كما حركات إسلامية أخرى، لا تعطي اعتبارا لأوضاع الناس ومعاناتهم رغم شعارات “العدالة الاجتماعية في الإسلام”، فمرت إلى تنفيذ حرفي لما كانت تنتقده وتتظاهر ضده، أي شروط صندوق النقد الدولي الذي يتمسك بالتضييق على تدخل الدولة لفائدة الطبقات الضعيفة (صناديق الدعم).

وخلاصة القول إن إسلاميي تونس تركوا المبادئ والشعارات وراء ظهورهم، وارتموا على السلطة دون ضوابط ليجدوا أنفسهم خارجها، لكنهم أضاؤوا الطريق أمام الناس لتكتشف أن من يزعمون أنهم “ممثلو الله على الأرض” ليسوا من الله في شيء.

* كاتب صحفي تونسي