مشكلات في وجه الاتحاد الأوروبي

الأحد, 12 يناير 2014 

د. عبدالاله بلقزيز

خلافًا لما درجنا على اعتقاده – منذ فترة طويلة- في الوطن العربي، لم يكن الرهان الوحدوي الأوروبي سهلاً لعدّة أسباب تتصل بعامل المنافسة الدولية، كما بعوامل الممانعة الداخلية لسيرورة التوحيد الإقليمي. ولعلنا نُجمل تلك الأسباب في ثلاثة رئيسة:

 

 

 

 

 

 

 

أولها: ان مشروع أوروبا الموحَّدة – في نسيجها الاقتصادي ونظامها المالي والنقدي- لم يَحْظَ بإجماع سائر القوى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية داخل كل بلدٍ من بلدانها؛ إذ لقي اعتراضًا وممانعة من طَيْفٍ متنوع من القوى نَظَر بكبيرِ ريبةٍ وتوجُّسٍ لمشروع الوحدة الاقتصادية ذاك، وعبَّر عن مخاوفه من أن تتحول الوحدة تلك إلى ابتلاع كامل للكيانات المستقلة، أو استتباع بعضٍ منها لبعضٍ آخر، أو مناسبة لتدمير مصالح اقتصادية لا تجد في الوحدة إطارًا للتعبير عن نفسها. ولقد مثلت هذا الموقف القوى الاقتصادية الرأسمالية المحافظة في المجتمعات الأوروبية، المرتبطة شديد الارتباط بسوقها القومي وأسواقها الخارجية التقليدية التابعة؛ مثلما مَثَّلَتْهُ القوى السياسية اليمينية واليمينية المتطرفة، المتشبثة بصيغة الدولة القومية، والحريصة على استقلالها الاقتصادي وسيادتها السياسية.

 

 

 

وثانيها: ان بعض دول أوروبا ناهضَ مشروع الوحدة ذاك، ولم يَكْتَفِ بمجرّد رفض الانخراط في سيرورته، أو حتى فرض شروطه في المفاوضات الأوروبية البَيْنيّة التي أَفْضَتْ إليه، بل زاد على ذلك كله بمعالنَتِه الاعتراض، وخوض حملات التشهير ضده. ويتعلق الأمر في هذا – على نحو خاص- بموقف بريطانيا من المشروع، وسعيها – مع أطراف أخرى- إلى إجهاضه. ولم يكن الحامل على ذلك الموقف حرص بريطانيا على حماية استقلالها الكياني والاقتصادي حيال مشروع إقليمي يفرض بعض القيود على ذلك الاستقلال، بل كان ممَّا حَمَل عليه أن بريطانيا تطلعت إلى النهوض بدور «عالمي» في أوروبا لا يكون فيه القرار أوروبيًا!

 

 

 

أما ثالثها: فهو أن المنافسة الاقتصادية الأوروبية – حتى في حال الوحدة- ليست سهلة مع القوى الاقتصادية والتكنولوجية العظمى (الولايات المتحدة الأمريكية، الصين، واليابان)، ذلك أن الاقتصاد القومي الأمريكي – وبمعزل عن شراكته الإقليمية مع كندا والمكسيك – متفوق على الاقتصاد الأوروبي برمَّته: أعني في صيغة «الاتحاد الأوروبي»! كما أن اقتصاد اليابان لوحدها – ودون شراكتها مع محيطها الآسيوي- ينافس اقتصاد كل دول «الاتحاد الأوروبي» ويكاد يقترب من رقم الإنتاج الإجمالي فيه، وإن فاقَه كثيرًا في معدَّل النّموّ! وعليه، فإن مشروع الوحدة الاقتصادية الأوروبية – حتى في أفضل صيغ التعبير عنه- يبدو متواضعًا جدًّا في معركة المنافسة الاقتصادية على الصعيد العالمي مع القوى والتكتلات الاقليمية الكبرى!

 

 

 

،،، ولعلَّه من قبيل الخطأ أو سوء التقدير اعتبار هذه العوامل الكابحة والسلبية غير ذات تأثير في السيرورة التوحيدية للمجال الأوروبي. فحين نستعرض سياق اعتراضاتها، نقف – بالدليل المادي- على مقدار ما كانت تستطيع أن تقوم به من دور ضد مشروع «الاتحاد»، مثلما سَنَتَبَيَّن مقدار ما تستطيع القيام به – مستقبلاً- ضد هذا المشروع: إذ ليس تفصيلاً سياسيًا عاديًا ما قامت به القوى المناوئة للوحدة – داخل كل بلدٍ أوروبي- ضدَّ مشروع «الاتحاد». نعم، لقد أجيزَ المشروع بالوسائل الدستورية والقانونية: الاتفاقات المصادَق عليها من طرف البرلمانات القومية الأوروبية، ومن طرف «البرلمان الأوروبي» في ستراسبورغ، ثم الاستفتاءات التي أكَّدَتْ على الخيار الأوروبي داخل قسمٍ من دول «الاتحاد». ومع ذلك، فإن أحدًا لا يستطيع أن يتكهَّن بما يمكن أن يُسفر عنه المشهد السياسي القادم في أوروبا في حال تراجع الاشتراكيين (وهم الذين صنعوا مشروع أوروبا الموحدة)، وصعود القوى اليمينية والقومية المتطرفة المعادية للاندماج الاقليمي. ثم ليس تفصيلاً عاديًا ما قامت به بريطانيا تجاه مشروع الاتحاد ذاك؛ إذ انه يعبّر – في جانبٍ من جوانبه- عن فيتو أنجلوساكسوني «غير معلن»، على المشروع ذاك. وهو فيتو لم يعبّر عن نفسه – فحسب- من خلال ترجيح بريطانيا لولائها الثقافي واللغوي والديني على ولائها الإقليمي للمجال الأوروبي الذي تنتمي إليه، أو من خلال انتداب نفيها للقيام بدور معادٍ للوحدة الأوروبية نيابة عن الولايات المتحدة…، بل عبَّر عن نفسه من خلال سياسات أمريكية صريحة الجهر باعتراضها على مشروع «الاتحاد الأوروبي»، من حيث هو – في حسبانها- غنيمة من غنائم ما بعد الحرب الباردة.

 

 

 

ليس سرًّا – هنا- القول إن وحدة ألمانيا كانت أُولى تلك الغنائم. ارتضتها الولايات المتحدة حين كانت في أتون السَّعي إلى مصادرة النفوذ السوفييتي في أوروبا الشرقية؛ غير أن انهيار «المنظومة الاشتراكية» ثم الاتحاد السوفييتي جَعَلَ من ذلك الغُنْم مكسبًا ثقيلاً، لأنه صبَّ في رصيد المشروع الأوروبي: الذي ظلت وحدتُه متوقفة على وحدة ألمانيا (= قطبُه الأساس). وعليه، لا شيء يضمن أن يجرّب الأمريكيون كل الوسائل لإفشال «الاتحاد الأوروبي» أو احتوائه!