دروس من النبي صلوات الله عليه  وسلامه في ذكرى مولده الشريف ..

 

مصطفى المتوكل . تارودانت

الخميس 16 يناير 2014′

قال تعالى  {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}[الأنبياء – 107]، وقال: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ}[الجمعة – 2]…وقال سبحانه: (فبما رحمةٍ من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك) [آل عمران: 159].

والامة الاسلامية تستحضر عيد المولد النبوي ومن خلال الذكرى سيرة وعمل الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم الذي يعتبر رحمة مهداة من الرحمن الرحيم الى سائر الخلق والناس كافة..نتامل وننظر بعين العقل و  قلب مؤمن  الى واقعنا المعيش في مشارق الارض ومغاربها لاشك اننا سنطرح علىا نفسنا اكثر من سؤال واستفهام يتعلق بحقيقة الايمان وعمق استيعاب مرتكزاته ومقوماته ومدى تجلي ذلك في واقعنا ومحيطنا وسلوكنا ونوايانا وتوجهاتنا ايا كنا … فلا نحن تشبهنا بالنبي شكلا ولا مضمونا ولا اقتدينا بفهمه الذي يتجلى لنا في اقواله وافعاله وتقريراته وسياساته …

انه رحمة للعالمين …وهو معلم الكتاب والحكمة …وهو الاسوة الحسنة …

انه مخرج الناس من الظلمات الى النور  والذي يهديهم الى الصراط المستقيم ..

 انه الرجل الذي وصفه القران ووصفه معاصروه من انصاره والمؤمنين به وحتى خصومه واعداؤه بصفات متعددة منها … الصدق والامانة والحياء والجود والكرم والعفو والرحمة والوفاء والايثار والعدل  ورجاحة العقل والشجاعة والحلم والتواضع والصبر والتشاور والزهد والتقوى وصلة الرحم وحسن المعاشرة  وجميل الصحبة وكريم النفس …

انه الرسول الكريم ناصر المظلومين والمستضعفين والمدافع الامين عن المراة بجعلها شقيقة للرجال في الاحكام  فكرمها وامر ببرها وطاعتها كام اكثر من الاب …وامر بتوقير النساء واكرامهن و وصف من يهينهن باللئيم …وامر بتنشئة الابناء وتربيتهم بالعلم والمعرفة من اجل الكرامة والعزة …وامر بالتدبير الامثل لامور المسلمين والناس كافة عدلا و اقتصادا وعيشا وتعليما ورعاية …

انه الرحمة المهداة  الذي وضع خطة عملية للقضاء على الرق والاستعباد بكل انواعه الفكري  والعرقي والاقتصادي..وساوى بين الناس وجعل  التقوى هي ما يفضل به بعضهم على الاخر   لقوله تعالى ” وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم ” ولم يربط التقوى بنوع من الناس دون سواهم كما لم يجعلها في  الحكام او العلماء والمتعلمين او الاغنياء  دون سواهم .. ولم يقصرها على من يدعي لنفسه ذلك  مظهرا وكلاما .. ذلك ان الله …اخفى ثلاث في ثلاثة اولياءه في خلقه واخفى سخطه في معصيته واخفى رضاه في طاعته لكي لايستطيع احد تزكية نفسه غرورا وتجبرا  في مقارناته لشخصه مع غيره وفي هذا حكم عدة …

…لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مثالا  يحتدى  و أُسوة حسنة على مستوى  أخلاقه  للافراد والجماعات فوصف نفسه بانه انما بعث ليمم مكارم الاخلاق ..

ومن ابرز صفاته  الحلم والاحتمال والتحمل والصبر والعفو والتجاوز البناء للممارسات والتصرفات المشينة للاخرين تجاهه كانوا من المسلمين او المنافقين او الكفار او من اصحاب الملل الاخرى  تجعلهم امام رجل عظيم يعجزون عن تحقيق ماربهم او التمادي في الاساءة بفضل سلوكه المترفع عن التفاهات والصراعات المفتعلة التي قد تلهيه عن اهداف الاسلام والنبوة خدمة للبشرية في الدنيا والاخرة   وهي اداب ومعاني   أدّب الله بها نبيه سيدنا محمد  صلى الله عليه وسلم  حيث قال تعالى : { خُذ العفو وامُر بالعُرفِ وأعرِض عن الجاهلين } سورة الاعراف. ….

وربط رسولنا الكريم بين حسن الخلق واللطف بالاهل في جميع امتداداته فقال “إِنَّ مِنْ أَكْمَلِ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، وَأَلْطَفُهُمْ بِأَهْلِهِ“…

وكان عليه الصلاة والسلام لطيفاً رحيماً، فلم يكن فاحشاً ولا متفحشاً، ولا صخاباً مع الناس  ولا يقابل  السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح ويتجاوز وينصح وفي مثل هذا قال عنه انس رضي الله عنه ” خذمت الننبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي اف قط  و لشيئ صنعته لم صنعته  ولا لشيئ تركته لم تركته ..”

وكان يعتبر نفسه معلما ومربيا للجميع في ربط رائع بين المعرفة والاصلاح المتدرج في افق التغيير الذي يبني ولا يهدم يحترم ولا يحتقر  يتكامل مع كل ماهو ايجابي وصالح  ولا يلغي كل شيئ سبقه الا ان كانت فيه مضرة او مفسدة او اثم  ……ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه  يقول:..”انما انا لكم بمنزلة الوالد اعلمكم “….  -و قال : ( إن الله لم يبعثني معنِّتاً ولا متعنتاً ، ولكن بعثني معلماً ميسراً ) رواه مسلم …وكان – صلى الله عليه وسلم –  اذا اراد مخاطبة متعسف او متجاوز او جاهل يستره ولا يذكره باسمه حين يصحح خطأه ليستفيد هو وغيره  وليتجنب الاحراج او تعميق الجراح النفسية ….لهذا ارتبط سلوك النبي صلى الله عليه وسلم بالرفق والتسامح فقال ” ان الله يحب الرفق في الامر كله ” و ” ان الله يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لايعطي على العنف ومالا يعطي على سواه “وقال” من يحرم الرفق يحرم الخير”

وفي علاقة بموضوع الرفق نقدم حديثا مرويا عن عائشة رضي الله عنها قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في بيتي هذا ” اللهم من ولي من امر امتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه ومن ولى من امر امتي شيئا فرفق بهم فارفق به “

…. انه القائد الكريم صلي الله عليه وسلم تعامل بقوة  هنا مع موضوع  حرمات الناس وخصوصياتهم  فحرم التجسس عليهم وتتبع عوراتهم، سواء من قِبَل الأفراد، أومن قِبَل الحكام واعوانهم  فقال صلي الله عليه وسلم:” من استمع الى حديث قوم  يكرهونه صب في اذنيه الانك يوم القيامة “والانك اي الرصاص المذاب بفعل التسخين ..فعن ابي برزة الاسلمي قال . قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم   يا معشر من امن بلسانه ولم يدخل الايمان قلبه لاتغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فانه من اتبع عوراتهم يتبع الله عورته ومن يتتبع الله عورته يفضحه في بيته ”

ومما تميز به سيد ولد ادم  انه ينهى بشكل قطعي اي تشكيك في اسلام الناس وايمانهم و نعتهم بالكفر تحت اي مبرر ..فعن أسامة بن زيد – رضي الله عنهما – قال : (( بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحرقة من جهينة ، قال : فصبحنا القوم فهزمناهم ، قال : ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلا منهم ، قال : فلما غشيناه قال : لا إله إلا الله ، قال : فكف عنه الأنصاري ، فطعنته برمحي حتى قتلته ، قال : فلما قدمنا بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال : فقال لي : ” يا أسامة ، أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله ؟ ” قال : قلت : يا رسول الله ، إنما كان متعوذا ، قال : فقال : “أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله ؟ ” ، قال ، فمازال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم ))…وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” ايما امرئ قال لاخيه يا كافر فقد باء بها احدهما .ان كان كما قال والا رجعت عليه “ رواه البخاري ومسلم

 وفي هذا قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً} [الأحزاب: 58].

..ومن الامثله التي نوردها لابراز قوة  صبره وعفوه وحلمه صلى الله عليه وسلم  أنّه يوم أحد ابتُلي ابتلاء  شديدا حيث كُسرت رباعيته وشج رأسه  حتى صعب  ذلك على أصحابه  فقال عليه الصلاة والسلام :” اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون”  إذ لم يقتصر على السكوت عنهم بل ودعا لهم، أي للمشركين، بالهداية فقال ” اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون”.واستمر في اعتبارهم قومه …وعندما فتح مكة التي أخرجه اهلها بعد ان اذوه واساءوا اليه وتامروا على قتله وحاصروه اقتصاديا وواجهوه  بثلاثة حروب، بدر، وأحد، والخندق،وقتلوا خيره اصحابه واهله   ليقف مخاطبا الناس اي الكفار واعداؤه  ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، قال:فاذهبوا فأنتم الطلقاء…

 انه عليه الصلاة والسلام يدعو  الكافر إلى الله ـ بحكمة ورفق ـ ويعمل كل ما في وسعه لتبليغ حقيقة الإسلام  الى الناس كافة واعتبر ذلك من أعظم الإحسان وقربة عظيمة الى الله  ، ، فقال  ـ صلى الله عليه وسلم ـ لعلي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ لما بعثه إلى خيبر وأمره أن يدعو اهلها  إلى الإسلام قال : ( فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً خير لك من حمر النعم ) رواه البخاري .وقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( من دل على خير فله مثل أجر فاعله ) رواه مسلم .

ومما اتصف به وامر بالاقتداء به حسن الجوار  وعدم الإيذاء .وكذلك اوصى بالإهداء للكافر ، وقبول الهدية منه بل والتعامل معهم في مختلف مجالات الحياة العامة  فعن عمرو بن شعيب عن أبيه قال : ذُبِحتْ شاة لابن عمرو في أهله ، فقال : أهديتم لجارنا اليهوديّ ؟، قالوا : لا ، قال : ابعثوا إليه منها ، فإني سمعتُ رسولَ الله – صلى الله عليه وسلم – يقول : ( ما زال جبريل يوصيني بالجار ، حتى ظننت أنه سيورِّثه ) رواه أحمد .وقد قَبِل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هدية المقوقس ، وهدية كسرى ، وقبل الشاة المهدية له من اليهودية . وعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ : ( أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ اشترى طعاما من يهودي إلى أجل ، ورهنه درعا من حديد ) رواه البخاري ، وانه ( توفي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ودرعه مرهونة عند يهودي في ثلاثين صاعاً من شعير ) رواه البخاري .

هكذا كان يتعامل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع غير المسلمين ، تعاملاً قائمًا على العدل والرحمة والتسامح   والإحسان إليهم ، وكذلك فإن سيرته ـ صلى الله عليه وسلم ـ خير شاهد على تمتع  غير المسلمين بالحرية الدينية ، فلم يقدم  يومًا على فرض  عقيدة الإسلام عليهم  ، امتثالاً لأمر الله تعالى : { وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ }(يونس:99) . و  لقوله تعالى    { لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ } (البقرة: 256).

فاين نحن والشعب المغربي  يعيش ذكريات مولد منقذ البشرية  من سيرة الرسول الكريم وهديه ورحمته وعطفه وسعيه لصالح البشرية وخاصة عندما نسمع لمن ينبري بطريقة  تخالف نهج النبي ومنهجه بتكفير الناس وسبهم واتهامهم ظلما وعدوانا والاساءة الى الاموات والاحياء واتهام نساء محصنات مسلمات في اعراضهن وكرامتهن … ان كل ما سمعناه  من تكفير وسب وقذف ليس من الحق في شيئ بل فيه اساءة للصورة التي بناها نبينا الذي نتبع بحب وصدق لا ننتظر من اي كان من الخلق ان يصنف الخلق  او يحكم على حقيقة الايمان عند اي كان من الناس  ولا ان ينصب نفسه باسمه او باسم جماعته او فئته متطاولا على ما في علم الله متدخلا بوعي او جهل فيما  خص الله به نفسه  ولم يفوض ذلك حتى لانبيائه الا فيما شاء واراد سبحانه لهم من وحي والهام … اننا ندعو الى عدم  اتباع اهواء البعض من مثيري الفتن والاحقاد والكراهية  .. وندعو الى التعامل بالتي هي احسن والابتعاد عن كل مايمزق ويشتت امتنا وينفر بعضها من بعض ويوقذ نيران العنصرية المقيتة او التكفير البغيض في نفوس متعددة حتى يكفر الناس بعضهم بعضا ويسعى كل عرق الى عرقه وكل فرد الى قبيلته  فتتداعى علينا الامم والكوارث ليس لقلتنا بل اننا كثر مزقهم التطرف والافق الضيق والغرور

ونختم بالصلاة والتسليم على خاتم الانبياء والمرسلين حبيبنا ومعلمنا ومرشدنا سيدنا محمد وعلى اله وصحبه …