في الحاجة إلى الحجر على بنكيران
بقلم عبد الرحيم اريري
 

ابتداء من اليوم على كل مواطن مغربي أن يتحلل من الامتثال لأي دعوى يتوصل بها من الشرطة أو الدرك الملكي أو وكيل الملك. فالدستور أقر بالمساواة في إخضاع المواطنين كلهم للضوابط. القانونية. إلا أن الواقع اليوم يكذب ذلك بالنظر إلى أن البوليس والدرك والنيابة العامة «يجاهدون» فقط في المواطن البسيط بينما لم يتحرك أي مسؤول أمني أو دركي أو قضائي لاستدعاء رئيس الحكومة بنكيران للتحقيق معه فيما صرح به من مزاعم حول توفره على لائحة للمفسدين.
فهناك ثلاثة اعتبارات تضع رئيس الحكومة تحت طائلة القانون، وتدفع إلى تحريك كل المساطر لوضعه تحت الحجر إثر اتهامه بالفساد بدون الإدلاء بالحجج لجزء من الفاعلين السياسيين، وتحديدا لقيادات استقلالية دون تسميتها من خلال اقتناء شقق في باريس بطريقة غير شرعية حسب قوله، مضيفا بأنه يمتلك معطيات عن تورط أشخاص في عمليات تهريب أموال خارج المغرب.
الاعتبار الأول: من يسمع بنكيران يتحدث تحت قبة البرلمان يظنه مثل «أيها الناس» لاحول ولا قوة له غير الشكاية، مستثمرا ذلك المرور التلفزيوني العمومي ليبلغ العالم شكواه ومظلوميته. في حين أن الرجل يعتبر تاريخيا أول رئيس حكومة في البناء الدستوري المغربي يتمتع بسلطات دستورية واسعة في التقرير والتعيين والتوجيه ويعتبر الرئيس الإداري لـ 860 ألف موظف عمومي. ومن ثم فقد كان الأولى أن يحرك هذه السلطات ليفعل شعار الحكامة، وليحرك مسطرة المتابعة، خاصة أن وزارة العدل تتبع عمليا إلى رفيقه في الحزب. ومن ثم ينتفي كل مبرر حول تقاعس الآخرين من أحزاب أخرى في تحريك مسطرة المتابعة.
الاعتبار الثاني: يتعلق بجهاز النيابة العامة نفسها، فهل يعقل أن تظل صامتة أمام اتهامات تحدث في فضاء عمومي أمام أنظار المغاربة وكل العالم. علما أن النيابة العامة مفروض أن تتحرك بمجرد تداول إشاعة فأحرى أن تسمع رئيس الحكومة يقر بذلك بالبرلمان.
إن الصمت في هذا المقام لا يعني فقط فساد السياسة كنظام حكم وقيم، ولكن أيضا فساد البلاد بكاملها. إذ لا يعقل أن نرى شخصا معتوها، على سبيل المثال، يرمي الناس بالحجر، ويكسر واجهات المحلات ويهدد المارة ويغتصب الأطفال والنساء دون أن تتدخل السلطات العمومية لمتابعة الرجل في إطار القانون.
بنكيران لا يقترف فقط هذه الجرائم المادية. إنه يفعل أكثر من ذلك حين يدوس القيم، ويحول حقل السياسة إلى مجال ابتزاز.
نعم إنه الابتزاز بعينه.
لقد سبق لبنكيران أن اتهم صلاح الدين مزوار رئيس التجمع الوطني للأحرار بالفساد، وباستعمال الشطط في الحصول على المال، وها هو اليوم يتحالف معه لإنقاذ النسخة الثانية من حكومته.
نعم إنه الابتزاز بعينه، إذ كيف يتسنى للمواطن أن يثق في بنكيران وفي السياسيين، وهو يرى رئيس الحكومة يتهم فصيلا كان في الأمس القريب حليفا معه، وجزءا من الأغلبية الحكومية.
المواطن المغربي لا ينقصه الذكاء لكشف أن بنكيران لا يعترف للأشخاص بطهارتهم ونزاهتهم وبياض تاريخهم إلا إذا قبلوا التحالف معه. أما إّذا خالفوه الرأي وعارضوا توجهاته فهم فاسدون همازون لمازون مشاؤون بنميم.
الاعتبار الثالث: أخطر من ذلك لأنه يرتبط بانتماء المغرب والمغاربة إلى هذا العالم باعتباره قرية صغيرة. قصير النظر من يعتبر أن ما يجري داخل قبة البرلمان هو مجرد مسرحية هزلية لتبذير الوقت. ما يجري هناك لحظة حقيقية من واقع السياسة المغربية يتتبعها المراقبون في العالم، سواء في مراكز التحليل والمتابعة داخل السفارات الكائنة في المغرب، أو في مراكز صنع القرار السياسي والمالي في العالم. تلك اللحظة الحقيقية تعطي الدليل لهؤلاء لا فقط على سقوط المصداقية في أعلى مناصب القرار التنفيذي، ولكن أيضا تشيع فكرة أن المغرب ليس بلدا آمنا للاستثمار الخارجي، ولتنقل رؤوس الأموال ما داموا يرون أن رئيس الحكومة المغربية نفسه لا يملك إلا الشكوى أمام ما يعتبره فسادا وتورطا في تهريب الأموال. فكيف الحال بأجنبي ننتظر أن يحل بيننا لترويج الاقتصاد الوطني ولاستثمار أمواله؟
الرجل الذي قلنا إنه يرمي الناس بالحجر، ويكسر الواجهات لا يكتفي بذلك فقط. إنه يعرض الأمة المغربية بكاملها للتشهير وللقذف والإساءة في واضحة النهار.
بنكيران نفسه الذي يحول قبة البرلمان إلى قاعة حمام، إذا استعرنا مفرداته، حيث يرغي ويزبد هو نفسه الذي حول تدخله في منتدى عالمي للتظلم حول ما يتعرض له حزبه من معاناة واضطهاد! ناسيا اعتباره كرئيس حكومة وكرجل دولة، وهو الذي أساء التعامل البروتوكولي مع رجال السياسة والدبلوماسيين العالميين،
وقبل هذا وذاك هو الذي يعيث في أرض السياسة فسادا بعد أن ضرب بالقيم عرض الحائط.
ما العمل إذن؟
هل يظل المغاربة مستسلمين إلى هذا العبث إلى أن تحين الانتخابات التشريعية القادمة؟ أي إلى أن يسقط سقف البيت على ساكنيه؟
أم أن المصلحة العليا للوطن تقضي التدخل لوقف النزيف، ولإعادة الرشد للسياسة، ولتفعيل شعارات الحكامة. وفي هذا الإطار فالمؤسسة الوحيدة التي لها كل السلطات الدستورية، ولها الشرعيات الدينية والتاريخية والدستورية للتدخل في هذه النازلة المستعجلة هي الملك حامي الوطن والملة والدين والقيم وحامي الموروث المغربي.
إنه الدور التاريخي الذي يقوم به الملك دائما كلما حصل انزلاق أو انزياح في مكان ما. ولا نعتقد أن ما يقترفه رئيس الحكومة اليوم لا يرقى إلى اعتباره انزلاقا حقيقيا.
ما يفعله بنكيران له اسم واحد هو العبث. وإن لم يتم استدعاؤه للتحقيق معه، فعلى رجال الشرطة ورجال الدرك الملكي ووكلاء الملك تقديم استقالتهم فورا لأنهم فقدوا المصداقية ونسفوا الدستور ودكوا مبدأ المساواة.

العدد 548
عبد الرحيم أريري

عن الوطن الان