في الخلفيّة الإخوانيّة لحركة النهضة الإسلاميّة التونسيّة

السبت 11 كانون الثاني (يناير) 2014

بقلم:

مصطفى القلعي

عن صحيفة الاوان

انّ دعم حركة النهضة الإسلاميّة، الحاكمة في تونس منذ الانتخابات التأسيسيّة لــ 23 أكتوبر/ تشرين الأوّل 2011، للجماعات العنفيّة أمر واضح في تونس. وأعتقد أنّ ممّا يساعد على تفسير ذلك الدعم أمرين هما انخراط حركة النهضة في مشروع خارجيّ يعدّه الاتّحاد العالميّ لعلماء المسلمين والتنظيم العالميّ للإخوان المسلمين(1) بالتنسيق مع الدوائر الغربيّة الاستعماريّة، أوّلا، ووفاؤها لأصولها ومرجعيّاتها الإخوانيّة، ثانيا. ولذلك من المفيد أن نحاول قراء شعار الإخوان المسلمين لعلّ ذلك يساعدنا في فهم هذه العلاقة بين حركة حاكمة وبين تيّارات عنفيّة خارجة عن القانون ولا تعترف بالدولة ولا بمؤسّساتها.


• شعار الإخوان:
أوّل ما يلفت الانتباه في تنظيم الإخوان المسلمين هو شعاره المركزيّ. إنّه يتكوّن من سيفيْن حادّين لامعين متقاطعين في دائرة خضراء تتوسّط مقبضيهما من الأسفل عبارة “وأعدّوا”، وتحيط بهما كلمة “الإخوان” يمينا و“المسلمون” يسارا، وتتصدّر حدّيهما من الأعلى صورة المصحف.


وكلمتا “الإخوان” و“المسلمون” متناظرتان أفقيّا، أمّا عبارة “وأعدّوا” وصورة المصحف فمتناظرتان عموديّا. وكلمة “الإخوان” على يمينها المصحف وعلى شمالها “وأعدّوا”. وكلمة “المسلمون” على يمينها “وأعدّوا” وعلى شمالها المصحف. وهو ما يعني أنّ الإخوان المسلمين يتبنّون إيديولوجيا نشر الإسلام بالسيف أي بالجهاد المسلّح.



ولا يستطيع الباحث أن يطرد من ذهنه رمزيّة صورة السيف والمصحف مجتمعيْن معا القادمة من صِفِّين ومن حادثة التحكيم المغشوشة التي تعدّ أوّل عمليّة استيلاء على السلطة بالخديعة والمكر والحيلة في التاريخ الإسلاميّ. كما تذكّرنا برفع جيش الأموييّن للمصاحف على أسنّة الرماح والسيوف في معركة صفّين نفسها حين شعر معاوية بالهزيمة. فصورة السيف والمصحف معا في شعار الإخوان المسلمين تعني الإصرار على ممارسة السياسة باسم الدين وإدراج الدين في الصراع الدنيويّ على السلطة.



وعبارة “وأعدّوا” تحيل على الآية ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾(2) وهي آية تحثّ على القتال والجهاد المسلّح.



وقد اتّفق المفسّرون على أنّ الآية موجّهة إلى الكفّار والمشركين والأعداء والذين بينهم وبين المسلمين عهد نقضوه. يقول الطبري في تفسير الآية: “الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّة وَمِنْ رِبَاط الْخَيْل يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَأَعِدُّوا لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ الَّذِينَ بَيْنكُمْ وَبَيْنهمْ عَهْد، إِذَا خِفْتُمْ خِيَانَتهمْ وَغَدْرهمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَرَسُوله، مَا اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّة يَقُول: مَا أَطَقْتُمْ أَنْ تَعُدُّوهُ لَهُمْ مِنْ الْآلَات الَّتِي تَكُون قُوَّة لَكُمْ عَلَيْهِمْ مِنْ السِّلَاح وَالْخَيْل. تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوّ اللَّه وَعَدُوَّكُمْ يَقُول: تُخِيفُونَ بِإِعْدَادِكُمْ ذَلِكَ عَدُوَّ اللَّه وَعَدُوَّكُمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ.”(3)
وتوظيف الآية في شعار الإخوان المسلمين غريب لاسيما إذا ربطناه بالسياق التاريخيّ للإخوان. فهم ظهروا في أرض مسلمة وبين مسلمين لا في أرض كفرة مشركين! ولكن حين نصل هذا التوظيف بآراء المؤسّسين منهم في مجتمعاتهم التي نشأوا فيها لاسيما حسن البنّا وسيّد قطب في مصر وفتحي يكن في لبنان وراشد الغنوشي في تونس، نفهم خلفيّة ذلك التوظيف بوضوح. فهم يعتقدون أنّ هذه المجتمعات الإسلاميّة تغرّبت واغتربت عن دينها وجازت فيها الدعوة والجهاد.



كما يحمل الشعار الإيحاء بمشروع دولة الخلافة الذي يحلم به الإخوان(4) والذي لن يتحقّق، في نظرهم، إلاّ عبر الجهاد المسلّح. وهو ما يفسّر وجود السيفين القاطعين المتقاطعين اللامعيّن في الشعار. ودولة الخلافة ستغمر الكرة الأرضيّة وهو ما يوحي به الشكل الدائريّ الذي يحتوي الشعار. وهذا ما يشي برغبة الإخوان في السيطرة على العالم من جديد عبر إيديولوجيا الجهاد المسلّح في سبيل الله.



والمعروف أنّ اللون الطبيعيّ للسيف هو الأبيض الفضّي. واختيار اللون الأصفر لونا لسيفيْ شعار الإخوان قد يكون له تأويلان: الأوّل أنّ الأصفر هو لون الموت، فلكأنّ حامل هذا الشعار يحمل الموت لأعدائه وخصومه. وفي ذلك دلالة على التوعّد والوعيد. والثاني أنّ الأصفر هو لون الذهب. وهو ما يشير إلى فكرة الغنيمة الحربيّة لمن يشارك في الجهاد.(5) وفي ذلك وعد وإغراء. أمّا لون الإطار الدائريّ لشعار الإخوان المسلمين فهو الأخضر. وهو يوحي بالوعد بالازدهار والرخاء إذا سادت دولة الخلافة.



إنّ قراءة شعار الإخوان المسلمين تؤكّد أمرين:
– الأوّل: علاقة التماثل والتشابه الكبيرين بين الإخوان وبين السلفيّين باعتبارهم يحملون مشروع الخلافة نفسه ويعتمدون الأدوات نفسها وهي العنف والتوظيف القسريّ للدين وينطلقون من تقييم متطابق للمجتمع.
الثاني: أنّ التيّار الإخوانيّ، وحركة النهضة الإسلاميّة التونسيّة فرع منه، تيّار دينيّ دعويّ جهاديّ ولم يعد تيّارا مدنيّا. فـــ “هذه الجماعة تحوّلت من جماعة دعويّة إلى جماعة سياسيّة ثمّ انتهت إلى معبد كهنوتيّ فكان رجال المعبد القطبيّ نسبة إلى سيّد قطب، كما يقول الكاتب، هم السبب الفاعل في قلب الإخوان إلى وجهة أخرى لم تكن من أهداف مؤسّس الجماعة حسن البنّا”(6) وهو ما يجعله مناقضا لقانون الأحزاب. ولا يستجيب للشروط الدوليّة المتعارف عليها لممارسة السياسة في مختلف الدساتير المدنيّة.


• حركة النهضة والوفاء للمرجعيّات:
إنّ المتأمّل في واقع المنطقة العربيّة منذ اندلاع الثورة التونسيّة يمكن أن يلاحظ هذا المشروع الإخوانيّ الذي يُعتبر اتّحاد العلماء المسلمين إطاره النظريّ والتنظيم العالميّ للإخوان المسلمين(7) أداته التنفيذيّة. ويبدو أنّ هذا المشروع كان مخطّطا له من قبلُ. وفي سبيله، تمّ بعث الاتّحاد العالمي لعلماء المسلمين في قطر سنة 2004. (8) وإنّه لمن الغريب أن تتمّ تسمية هذا الجهاز باسم “الاتّحاد العالميّ لعلماء المسلمين”! فكيف يختزل العلماء المسلمون في الباحثين في العلوم الشرعيّة فقط دون سائر الاختصاصات العلميّة في العصر الحاضر؟ والعلماء المسلمون في اختصاصات علميّة أخرى أليسوا علماء مسلمين!؟ طيّب، لماذا لم تكن تسميته اتّحاد علماء الشريعة الإسلاميّة، مثلا؟ ثمّ ألا يقتضي تكوين أيّ اتّحاد انتخابات وتصويتا ومؤتمرين ونوّابا؟ فما هي آليّة اختيار العلماء الذين يضمّهم هذا الاتّحاد؟ وما هي الشروط؟ وعلام اتّحد العلماء المعيّنون؟(9)



لقد تفاجأ المجتمع التونسيّ إبّان سقوط نظام بن علي بهذا الجسم النهضويّ الإخوانيّ المتراصّ المتنظّم في الوقت الذي كانت فيه بقيّة أطياف المعارضة مشتّتة بلا مقرّات رغم أنّها كانت متواجدة في تونس ويمارس أغلبها نشاطه السياسيّ في السرّ. وفي الوقت الذي كانت فيه المعارضة التونسيّة لبن علي غارقة في نشوتها بعيد سقوطه، كانت حركة النهضة قد اقتنت مقرّا مركزيّا فاخرا في جهة مونبليزير الحديثة الراقية بقلب العاصمة تونس. وانتشرت مقرّاتها الجهويّة والمحليّة في كلّ شبر من تراب تونس. وشرعت تعدّ لحملتها الانتخابيّة مبكّرا عبر القافلات الخيريّة والمساعدات العينيّة التي امتدّت إلى أطراف تونس وأقاصيها فيما كان المناضلون السياسيّون في بقيّة الطيف اليساريّ والقوميّ خاصّة يجمعون المساهمات الفرديّة الشحيحة لتمويل أنشطتهم!



ولم يكن ذلك سرّا. فالمساعدات الماليّة الخارجيّة لحركة النهضة كانت واضحة رغم إنكارها دائما من قبل النهضويّين.(10) وكانت الطبيعة الهرميّة لتكوّن مؤسّسات الحركة ممّا ساهم في نجاحها الانتخابيّ إذ أنّ أساس التعامل كان قائما على مفهوم الطاعة والتنفيذ لا على النقاش واالجدل والتفكير. فيما كان الطيف السياسيّ الوطنيّ من اليسار والقوميّين يراجع مفاهيمه المركزيّة ويخوض نقاشات إيديولوجيّة طويلة ومضنية وعبثيّة أحيانا.



ويبدو أنّ خطّة تنظيم الإخوان كانت الفوز بالسلطة في كلّ من تونس ومصر في انتظار التحاق إخوان ليبيا الذين ساعدتهم حكومة الباجي قايد السبسي دون وعي بالخدمة المجّانيّة الكبيرة التي كانت تقدّمها للتنظيم الإخوانيّ. ثمّ بعد أن يستوي للإخوان أمر السلطة في تونس ومصر، يلتفتون إلى الشرق. ويحرّكون الثورة السوريّة أو يمتطون صهوتها متى تحرّك الشعب السوريّ ضد الاستبداد. وفي الوقت نفسه، يقع سحب حركة حماس الإخوانيّة السلفيّة في غزّة من حلف الدفاع السياسيّ والعسكريّ القائم بين إيران وسوريا وحزب الله وحماس لإضعاف الحلف أوّلا ولاستعمال حماس في الدعم اللوجستيّ وحتى العسكريّ لإخوان مصر وللانقلاب على الحليف البعثيّ السوريّ وحتى المشاركة في الحرب عليه.



وفي هذا الإطار، جاءت زيارة أمير قطر غزّةَ يوم 4 نوفمبر/ تشرين الثاني 2012، وجاء توافد الوفود الرسميّة التونسيّة والمصريّة إبّان العدوان على غزّة، أواخر نفس الشهر بعد زيارة أمير قطر بأيّام، للمؤازرة والدعم. كما تابعنا، قبل ذلك، الزيارتين الصاخبتين لإسماعيل هنيّة إلى تونس يوم 5 جانفي/ كانون الثاني 2012 مباشرة بعد استلام حركة النهضة السلطة ثمّ منها إلى تركيا. وفي الإطار نفسه، انتقلت قيادة حماس من سوريا إلى قطر. وجاءت أيضا على عجل الدعوة إلى مؤتمر أصدقاء سوريا في تونس يوم 24 فيفري/ شباط 2012. وكان هذا المؤتمر مسبوقا بإسراع الرئيس التونسيّ المؤقّت منصف المرزوقي بسحب السفير التونسيّ من سوريا وطرد السفير السوري من تونس يوم 4 فيفري/ شباط. ولعب المرزوقي ووزير الخارجيّة آنذاك رفيق بوشلاكة على ورقة الريادة الثوريّة التونسيّة لتبرير سبقهما في القطع الديبلومسيّ مع سوريا.



وكان المؤمّل أن تسارع بقيّة الدول لسحب سفرائها من أجل عزل النظام السوريّ. ولكنّ الخطّة لم تنجح. بل خلقت مشاكل كبيرة للجالية التونسيّة في سوريا. وكانت تلك العمليّة الفشل الكبير الأوّل للديبلوماسيّة التونسيّة في العهد النهضويّ الإخوانيّ. ولذلك قبلت حركة النهضة إقالة وزير الخارجيّة رفيق بوشلاكة أثناء تشكيل حكومة علي العريض النهضويّة الثانية التي تشكّلت في أواخر فيفيري، شباط 2013، عقب اغتيال الشهيد شكري بلعيد.



وتأكيدا لهذه القراءة، كشفت السلطات المصريّة، بعد إسقاط حكم الإخوان في مصر، عن أنّ حركة حماس قامت بالهجوم على السجون المصريّة وفتحتها لإغراق الشارع المصريّ الثائر بالبلطجيّة والمجرمين، وتولّت تنفيذ عمليّة تهريب محمد مرسي من السجن. لماذا تفعل حركة حماس السلفيّة ذلك أثناء ثورة يناير 2011 لو لم تكن هناك خطّة إخوانيّة جاهزة مدعومة أمريكيّا قبل اندلاع الربيع!؟



كما كان الإخوان يعرفون أنّ لهم دعما كبيرا تمثّله التيّارات السلفيّة بمختلف تشكّلاتها. ولهذا انعقدت بينهم العلاقات السريّة والعلنيّة. ولا يمكن للتيّار الإخوانيّ أن يرفض المساعدة ممّن يتطوّع لإسناده في إزالة الخصوم من قبل الجماعات العنفيّة وعلى ترويض المجتمع عن طريق الدعاة والجمعيّات وأيمّة المساجد. ولعلّ هذا التقارب والتعاضد بين التيّار الإخوانيّ وبين التيّارات السلفيّة الجهاديّة يتجلّى في أوضح صوره في سوريا اليوم.



وكان عامل الوقت حاسما إذ كانت الخشية من انكشاف الخطّة قبل سقوط النظام السوريّ وتكوّن نصف الهلال الإخوانيّ من تركيا إلى سوريا إلى عزّة إلى مصر إلى ليبيا إلى تونس في انتظار الجزائر والمغرب (التي تحكمها حكومة إسلاميّة لا تضاهي سلطة الملك الإلهيّة (!!) ولكنّها ستؤدّي دورا كبيرا في مشروع الهلال الإسلاميّ متى حان وقتها) وموريتانيا. أمّا الضفّة الغربيّة فستعزل في انتظار إهدائها إلى الكيان الصهيونيّ بعد أن يتمّ ترحيل الفلسطينيّين إلى صحراء سيناء أو إجبارهم على التهويد، كما كشفت عن ذلك وثائق رسميّة مصريّة بعد إسقاط مرسي. وأمّا الخليج العربيّ النفطيّ فإنّه خارج حسابات الخلافة حتى ينضب نفطه!



إذن، الخطّة هي أن يتمّ إنهاء القضيّة الفلسطينيّة، ربّما مرحليّا، مقابل أن يسمح للإخوان بتأسيس دولة الخلافة من اسطنبول إلى نواق شوط. ولعلّه لهذا السبب تراجعت حركة النهضة عن التنصيص على تجريم التطبيع في الدستور بعد أن حملت فكرة التجريم هذه شعارا للمزايدة في الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والانتقال الديمقراطيّ التي أنشئت عقب هروب بن علي وعوّضت المؤسّسات التشريعيّة والتي ترأّسها عياض ابن عاشور.



ويبدو أنّ هذه هي الخطّة “ب” التي كانت تعدّها أمريكا والغرب لضمان مصالحهما في الشرق الأوسط وفي المنطقة العربيّة لاسيما فيما يتّصل بتنفيذ مشروع الشرق الأوسط الجديد. صحيح أنّ الأنظمة التي كانت قائمة قبل الثورات العربيّة كانت تضمن للغرب مصالحه. ولكن متى فقدت هذه الأنظمة سيطرتها على شعوبها وتمّ إسقاطها فلابدّ من بديل جاهز. وكان الإخوان هم البديل الجاهز المستعدّ لأن يهب الغرب ما لم تقدر عليه أشدّ الأنظمة عمالة وتبعيّة وهو تصفية القضيّة الفلسطينيّة وتحقيق الأمن الدائم للكيان الصهيونيّ الغاصب مقابل إيهامهم بالسماح لهم بإقامة دولة الخلافة السادسة.



طبعا، لا يعني ذلك أنّ الثورات العربيّة كانت معدّة من الخارج. لا، أبدا. لقد كانت ثورات شعبيّة حقيقيّة وخاصّة الثورتين التونسيّة والمصريّة. ولكنّها كانت تفتقر إلى المشاريع البديلة الجاهزة وإلى القادة الفعليّين وإلى وضوح الرؤية. ولذلك سرعان ما تدخّلت القوى الخارجيّة فأربكتها. وسرعان ما استيقظت الخلايا العنفيّة والعقديّة النائمة فجرّبت العيش في النّور بتطاولها وتماديها فبعثرت أحلام الثائرين في تحقيق مستقبل أفضل قوامه الحريّة والعدالة الاجتماعيّة والكرامة والتقدّم.



وهذا المناخ المرتبك الرماديّ هو أفضل إطار لتنفّذ الإخوان النهوضيّين في المجتمع التونسيّ للسيطرة عليه والحصول على السلطة والمرور إلى المرحلة الثانية من المشروع الإخوانيّ الأمريكيّ الذي تحدّثنا عنه أعلاه. ولكن يبدو أنّ الشعوب لم تكن تحظى بأيّ تقدير في خطّة تنظيم الإخوان المسلمين! وإلغاء إرادة الشعب هي خطيئة الإخوان الكبرى. لقد كان طموح الإخوان هو خلق وضع جديد جذريّا. ولكن وحدها “الجدليّة التاريخيّة تخلق وضعا جديدا جذريّا.”(11)



فسيّد قطب كان يعتبر المجتمعات المعاصرة مجتمعات جاهليّة جاز فتحها. ولذلك بدأنا نسمع اليوم مصطلحات الغزو والفتح والخلافة. وبدأت تتردّد مصطلحات التكفير ومعاجمه. يقول سيّد قطب: “لقد استدار الزمان كهيئته يوم جاء هذا الدين بلا إله إلاّ الله ، فقد ارتدّت البشريّة إلى عبادة العباد وإلى جور الأديان، ونكصت عن لا إله إلاّ الله…”(12)



والموقف نفسه نسجّله عند مؤسّس جماعة الإخوان المسلمين حسن البنّا في تبريره نشر العمل الدعويّ في المجتمع المصريّ حينها. قال: “وقد وجدت نفسي، على إثر ما وجدت في القاهرة من مظاهر التحلّل والبعد عن الأخلاق الإسلاميّة في كثير من الأماكن التي لا عهد لنا بها في الريف المصريّ الآمن، وعلى إثر ما كان ينشر في بعض الجرائد من أمور تتنافى مع التعاليم الإسلاميّة ومن جهل بين العامّة بأحكام الدين، أنّ المساجد وحدها لا تكفي في إيصال التعاليم الإسلاميّة إلى الناس (…) ففكّرت في أن أدعو إلى تكوين فئة من الطلاّب الأزهريّين وطلاّب دار العلوم للتدرّب على الوعظ والإرشاد في المساجد ثم في القهاوي (كذا!!) والمجتمعات العامّة. ثمّ تكون منهم بعد ذلك جماعة تنتشر في القرى والريف والمدن الهامّة لنشر الدعوة الإسلاميّة (…) وعقب الحرب الماضية (1914- 1918)، وفي هذه الفترة التي قضّيتها بالقاهرة، اشتدّ تيّار موجة التحلّل في النفوس وفي الآراء والأفكار باسم التحرّر العقليّ، ثمّ في المسالك والأخلاق والأعمال باسم التحرّر الشخصيّ، فكانت موجة إلحاد وإباحيّة قويّة جارفة طاغية، لا يثبت أمامها شيء، تساعد عليها الحوادث والظروف.”(13)



ولعلّ في كلام البنّا هذا تفسيرا للإصرار على إقامة الخيمات الدعويّة في الشوارع والساحات والأحياء، ودليلا على اشتراك إخوان تونس مع إخوان مصر في نفس التقييم الأخلاقيّ للمجتمع وفي نفس الرؤية لوجوب الإصلاح بالعنف ممّا يمهّد للتطرّف الأصوليّ والوهّابيّ.
كما أنّ من يقرأ الكتاب الرئيسيّ لراشد الغنوشي “الحريّات العامّة في الدولة الإسلاميّة” يفهم ولو بصورة إجماليّة التوتّر العنفيّ في المجتمع التونسيّ اليوم. إنّ راشد الغنوشي في كتابه يتحامل على الحداثة وعلى الفكر الغربيّ. ويتحامل على المجتمع التونسيّ ويصفه بالمغترب. بل يرى أنّه يعاني من أزمة تغريب وابتعاد عن الإسلام تقتضي معالجتها. وتكمن المعالجة في الإسلام.
وينظّر الغنوشي إلى أنّ الجمع بين الإسلام وبين الديمقراطيّة أمر متاح في الواقع. ويرى أنّ ذلك ممكن عبر ما يسمّيه ترشيد الصيغة الديمقراطيّة في اتّجاه أن يكون الشعب مستضيئا بالقانون الإلهيّ! يقول: “إنّ الإسلام يملك القدرة على استيعاب الصيغة الديمقراطية وترشيدها في اتجاه أن يكون حكم الشعب مستضيئا بالقانون الإلهي، لا سيما وتنامي توجه الإسلاميين نحو الديمقراطية ملحوظ. فإذا كانت الديمقراطية الغربية مرجعية عليا هي القانون الطبيعي، كما يقول د. محمد عمارة، فنحن المسلمين نضع الشريعة الإسلامية مكانه، الديمقراطية الإسلامية تعطي كل السلطة للأمة بشرط ألا تحل حراماً ولا تحرم حلالاً، ولكن واقعنا أعقد من ذلك، ويحتاج إلى أبسط من ذلك. يحتاج إلى حلف فضول بين سائر النخبات، أن نحترم جميعاً حرية الإنسان، أن نحترم إرادة شعوبنا وأن نكون صادقين في ذلك.”(14)



إنّ التلبيس بين الشريعة وبين القانون الوضعيّ واضح في هذا الكلام ولا يحتاج إلى مزيد بيان. أمّا الحديث عن حريّة الإنسان وعن إرادة الشعوب فإنّ تجربة الإخوان في مصر وفي تونس منذ الثورة لا تؤيّده. بل إنّ ما انتشر هو التكفير والتعنيف والاغتيال. فـ “في الواقع الجميع يعرف حالة الديمقراطيّة في ظلّ الدين أو في ظلّ ما اتّفق على تسميته بالأنظمة الثيوقراطيّة. فهذه الأنظمة مثل كلّ الأنظمة الشموليّة لا تعترف بالديمقراطيّة ولا باستقلال المجال السياسيّ عن المجال الدينيّ. كما أنّها لا تعترف بالتعدّديّة وما يعني ذلك من تسليم بتعدّد الجماعات والقوى الاقتصاديّة والاجتماعيّة، وكذلك بتعدّد التيّارات السياسيّة والفكريّة في المجتمع، وما يعكسه ذلك من تعدّد في الرؤى والمصالح والأفكار، علما بأنّ التعدّديّة، على أشكالها، تشكّل عنصرا أساسيّا من عناصر الديمقراطيّة. كما أنّ الأنظمة الثيوقراطيّة مثلها مثل كلّ نظام شموليّ، لا تساعد على تطوير مؤسّسات المجتمع المدنيّ باعتباره شبكة التنظيمات التطوّعيّة الحرّة التي تملأ المجال العام، وتعمل على تحقيق المصالح الماديّة والمعنويّة لأفرادها والدفاع عن هذه المصالح، وذلك في إطار الالتزام بقيم ومعايير (كذا !!) الاحترام التراضي والتسامح السياسيّ والفكريّ والقبول بالتعدّديّة والاختلاف.”(15) فأين سلوك حركة النهضة وممارستها السياسيّة من هذه القيم!؟

الشواهد:
1- “التنظيم العالمي للإخوان المسلمين أو كما يطلق عليه البعض التنظيم الدولي للإخوان المسلمين: نشأ هذا التنظيم في بدايته كمكتب أو مجلس تنفيذي لجماعة الإخوان المسلمين يضمّ في عضويّته أفرع الجماعة في الدول العربيّة والأجنبيّة في عهد الإمام المرشد الأوّل للجماعة حسن البنّا. توقّف نشاط المكتب بعد تولّي الرئيس المصري جمال عبد الناصر الحكم في مصر ونزاعاته مع الإخوان وحلّه للجماعة. في عام 1954 ، أعتقل الكثير منها وأعدم العديد من قياداتها ومنهم الشيخ محمد فرغلي والقاضي عبد القادر عودة وحكم بالإعدام على المرشد الثاني الإمام حسن الهضيبي الذي خفّف إلى السجن المؤبّد. وتعرّض الإخوان لمواجهة أخرى في عهد عبد الناصر أيضا عام 1965م أدّت لاعتقال الآلاف من الإخوان في مصر وإعدام العديد منهم أبرزهم سيّد قطب. إثر ذلك فكّر الإخوان خارج مصر في إحياء المكتب التنفيذي القديم، إذ أنّ حركة الإخوان ليست مجرّد جماعة مصريّة، بل هي حركة إسلاميّة عالميّة، وإن كانت مصريّة النشأة. وبدأت لقاءات إعادة إحياء التنظيم في بدايتها في بحث شئون الدعوة، إلى أن أخذت هذه اللقاءات منحى تنظيميّا يحضر عن كل بلد فيها عضو ممثّلا للدعوة فيها. وكانت تجري هذه اللقاءات في عدّة بلدان مثل مكّة المكرّمة والمدينة المنوّرة وإسطنبول وبيروت، وعمّان وبعض الدول الأوروبيّة. تمّ تعديل اللائحة الخاصة بالتنظيم لتناسب الوضع الجديد. ومن أهمّ ما اتّجه إليه الإخوان في اللائحة الجديدة، هو اختيار المرشد العام للجماعة، والذي يختاره هو مجلس الشورى العام المختار من جميع الأقطار. ويجب أن يختار لمدّة محدودة، وليس لمدى الحياة. وأيضا تمّ تعديل صيغة القسَم التي يُقْسم فيها العضو على الالتزام بمنهج الإخوان، والسمع والطاعة للقيادة في غير معصية. إلى (صيغة عهد) لا صيغة قسم، فالشخص يتعهّد بدل أن يقسم. وبدل أن كانت صيغة البيعة للمرشد العام، عُدّلت إلى بيعة مطلقة على العمل بكتاب الله وسنّة رسول الله ونصرة الدعوة إلى الإسلام. وظلّ هذا المجلس في التوسّع إلى أن تمّت تسميته التنظيم العالمي للإخوان المسلمين.” موسوعة ويكيبيديا الحرّة: http://ar.wikipedia.org/wiki
2- الأنفال، 60. ويمكن الاطّلاع على مختلف التفاسير لهذه الآية في موقع الروح، مثلا: http://www.alro7.net
3- موقع الروح، http://www.alro7.net، نفسه.
4- لم يكن حلم الخلافة نورانيّا مقدّسا عند الإخوان. وإنّما كان مشوبا بشوائب عنفيّة دمويّة كما يروي ثروت الخرباوي أحد المنشقّين عن الإخوان. يقول: “كانت فكرة استعادة الخلافة الإسلاميّة ذات يوم هي الفكرة الحاكمة عند الإخوان (…) فإذا بالحال يتبدّل ومآل الحلم يتغيّر ليصبح التنظيم وبنيانه هو الهدف والحلم والخاطر والأمل. وأصبحت الوسيلة هي بناء الفرد المطيع القادر على القيام بواجبات الجنديّة التنظيميّة. من أجل ذلك، لا ضير عند التنظيم أن يسرق الأخ أخاه أو يغتابه أو يظلمه أو يأكل لحمه حيّا أو ميّتا طالما أنّ التنظيم يمضي سالما في طريقه. بيد أنّ هذه العقليّة ذاتها لا تقبل أن يمسّ أحدهم أمن التنظيم. وإن فعل فالويل والثبور وعظائم الأمور.” ثروت الخرباوي: قلب الإخوان: محاكم تفتيش الجماعة، دار الهلال، مصر، 2010، ص 137.
5- دون أن نلغي الدلالات الأخرى التي للأصفر، طبعا. ولكن أعتقد أنّها دلالات بعيدة عن شعار الإخوان المسلمين، كدلالته على الشمس والضوء والدفء والحرارة والصفاء والنّار. فالأصفر، مثلا، هو اللون الرمزيّ للذهب في الشرق. بينما اللون الرمزيّ للذهب في الصين هو الأبيض! وفي أساطير جبال الأورال الروسيّة، سيّد الذهب هو أعظم ثعابين الأرض. وهو يظهر حينا في شكل ثعبان، وحينا آخر، في شكل إنسان يرتدي ثوبا أصفر. كما أنّ الأصفر لون يحمل السرّ الأشدّ خفاء للأرض ولخصوصيّاتها الشمسيّة. وهو يجمع نار السماء (الشمس) بالنار المخبّأة في أحشاء الأرض (الذهب). ويمكن أن نستنتج أنّ النّارين متشابهتان. انظر معجم الرموز: http://www.dictionnairedessymboles.fr
6- من مقدّمة ناشر كتاب ثروت الخرباوي: قلب الإخوان: محاكم تفتيش الجماعة (تجربة شخصيّة)، دار الهلال، مصر، 2010.
7- في هذا النصّ، يؤرّخ حسن البنّا لنشأة تيّار الإخوان المسلمين في مصر: “وفي ذي القعدة سنة 1346 ه/ مارس سنة 1928م، فيما أذكر، زارني بالمنزل أولائك الإخوة الستّة: حافظ عبد الحميد، أحمد الحصري، فؤاد إبراهيم، عبد الرحمان حسب الله، إسماعيل عز، زكي المغربي، وهم من الذين تأثّروا بالدروس والمحاضرات التي كنت ألقيها، وجلسوا يتحدّثون إليّ وفي صوتهم قوّة وفي عيونهم بريق وعلى وجوههم سنا الإيمان والعزم، قالوا:”لقد سمعنا ووعينا وتأثّرنا ولا ندري ما الطريق العمليّة إلى عزّة الإسلام وخير المسلمين. ولقد سئمنا هذه الحياة: حياة الذلّة والقيود. وها أنت ترى أنّ العرب والمسلمين في هذا البلد لا حظّ لهم من منزلة أو كرامة وأنّهم لا يعدّون مرتبة الأجراء التابعين لهؤلاء الأجانب. ونحن لا نملك إلاّ هذه الدماء تجري حارّة بالعزّة في عروقنا وهذه الأرواح تسري مشرقة بالإيمان والكرامة مع أنفسنا وهذه الدراهم القليلة من قوت أبنائنا، ولا نستطيع أن ندرك الطريق إلى العمل كما تدرك، أو نتعرّف السبيل إلى خدمة الوطن والدين والأمّة كما تعرف، وكلّ الذي نريده الآن أن نقدّم لك ما نملك لنبرأ من التبعة بين يدي الله، وتكون أنت المسؤول بين يديه عنّا وعمّا يجب أن نعمل، وإنّ جماعة تعاهد الله مخلصة على أن تحيا لدينه وتموت في سبيل لا تبتغي بذلك إلاّ وجهه، لجديرة أن تنتصر وإن قلّ عددها وضعفت عدّتها.“كان لهذا القول المخلص أثره البالغ في نفسي، ولم أستطع أن أتنصّل من حمل ما حملت، وهو أدعو إليه وما أعمل له، وما أحاول جمع الناس عليه، فقلت لهم في تأثّر عميق: شكر الله لكم، وبارك هذه النيّة الصالحة، ووفّقنا إلى عمل صالح يرضي الله وينفع الناس. وعلينا العمل وعلى الله النجاح. فلنبايع الله على أن نكون لدعوة الإسلام جندا، وفيها حياة الوطن وعزّة الأمّة! وكانت بيعة.. وكان قسما أن نحيا إخوانا نعمل للإسلام ونجاهد في سبيله.” الإمام الشهيد حسن البنّا: مذكّرات الدعوة والداعية، مكتبة آفاق للنشر والتوزيع، الكويت، ط1، 2012، ص 84.
8- الإخوان المسلمون كانوا موجودين في الخليج العربيّ أيضا. ولكنّ تواجدهم كان دعويّا مطبّعا مع الأنظمة الخليجيّة الحاكمة، ولم يكن وجودهم سياسيّا. لقد كانوا دائما تحت سيطرة السلطة المركزيّة وتحت أعينها بل يعملون بالتنسيق معها وينفّذون أجنداتها الداخليّة والخارجيّة: “إنّ التيّارات الإخوانيّة في منطقة الخليج ليست تيّارات سياسية، بل هي فكرية تربوية دعوية اجتماعية خيرية، وقد يكون هذا هو جانب من اختلافاتها مع التيّارات الإخوانيّة في الدول العربيّة الأخرى، التي وجدت نفسها مرغمة على مزاولة السياسة والسباحة فيها مع غيرها من الأحزاب (…) إنّ إخوان الخليج يحملون فكر الإخوان بصورته السلفيّة، فهم سلفيّون عبادة وعقيدة، ولكنّهم إخوان فكراً وتأثّراً، وحتى مصطلح الإخوان المسلمين لا يستخدمونه في أدبيّاتهم أبداً. فهم أصبحوا يُعرفون بمصطلحات تؤدّي إلى المعنى ذاته، مثل الوسطيّين أو «تلاميذ الشيخ القرضاوي» وغيرها من المسمّيات التي تبقيهم في مأمن من تغوّل السلطات في بعض دول الخليج، والتي ما زالت في تصادم مع الحالة الإخوانيّة في العالم العربي بعكس البحرين والكويت وقطر.” عبد العزيز آل محمود: “الإخوان المسلمون في قطر.. مَن هم؟”، صحيفة العرب القطريّة، 08 جانفي/ كانون الثاني، 2012: http://www.alarab.qa
غير أنّ علاقة الإخوان المسلمين مع السعوديّة علاقة مختلفة عنها في بقيّة دول الخليج العربيّ. فقد قرّبت السعوديّة الإخوان أشخاصا لا تنظيما. وأكرمتهم واستضافتهم لأسباب وغايات كثيرة، ولكنّها كانت تحذرهم سياسيّا ولم تسمح لهم بإقامة فرع لهما على أراضيها. ونتذكّر القول الشهير للملك عبد العزيز ردّا على طلب حسن البنّا تكوين فرع للإخوان المسلمين بالسعوديّة حين قال: “كلّنا إخوان وكلّنا مسلمون”. للاطّلاع، يمكن أن نعود إلى مقال عبد الله بن بجاد العتيبي: “الإخوان المسلمون والسعوديّة: الهجرة والعلاقة”، مركز المسبار للدراسات والبحوث، 8 جانفي/ كانون الثاني، 2012: http://www.almesbar.net
لكن “بعد عقود طويلة من احتضان السعوديّة للإخوان المسلمين الذين قدموا إليها من مصر وسوريا والعراق، استفاقت السعودية على خطر وجودي يهدّد شرعيّتها. تفاقم هذا الخطر بعد غزو صدام حسين للكويت تحين وقف الإخوان ضدّ التدخّل الخارجيّ في حلّ الأزمة. وعندها، انقلبت معادلة الاحتضان إلى مواجهة صريحة اتّهمت السعوديّة فكر الإخوان وتغلغلهم في الساحات التربويّة والتعليميّة السعوديّة بنشر التطرّف والحزبيّة وحتى الإرهاب كما ردّد وزير الداخليّة الأمير نايف في أكثر من خطاب. ورغم أنّ الإخوان في السعوديّة لا يتمتّعون بتنظيم معلن إلاّ أنّ وجودهم يبقى مبطّنا يتعاطف معه طيف كبير من العلماء والتابعين والمنظّرين. وبقيت السعوديّة تراقب حراك إخوانها المحليّين معتمدة على ترويج خطاب سلفيّ وهّابيّ يرفض التنظيم السياسي بل يشكّك بعقيدة أتباعه ويتّهمه بتمييع الثوابت الإسلاميّة والجري خلف أجندات سياسيّة. فاحتدمت الصدامات الفكريّة بين الإخوان من جهة والسلفيّة التقليديّة من جهة أخرى. وظلّ الوضع على حاله إلى أن جاء الربيع العربي وأفسح المجال لأكبر تنظيم محليّ معولم أن يصل إلى سدّة الحكم في تونس ومصر. وهذا ما كانت تخشاه السعوديّة حيث أنّ وصولهم إلى السلطة بثّ الأمل في نفوس إخوان السعوديّة وجاراتها الخليجيّة الذين استبشروا خيرا بتسلّم السلطة بعد أكثر من نصف قرن في صفوف المعارضة.” د. مضاوي الرشيد: “السعوديّة والإخوان: علاقة مضطربة”، القدس العربيّ، 7 جويلية/ يوليو 2013: http://www.alquds.co.uk
9- نقرأ في الموقع الرسميّ للاتّحاد العالميّ لعلماء المسلمين: “الاتّحاد المنشود مفتوح لكلّ علماء الإسلام في المشارق والمغارب، ونعني بالعلماء: خرّيجي الكليّات الشرعيّة والأقسام الإسلاميّة، وكلّ من له عناية بعلوم الشريعة، والثقافة الإسلاميّة، وله فيها إنتاج معتبر، أو نشاط ملموس.” http://www.iumsonline.net
10-«L’opposition et une partie de la société civile accusent le mouvement islamique d’être financé par le Qatar, sans apporter aucune preuve. Des stades entiers remplis de partisans, des militants quadrillant tout le territoire tunisien. Alors qu’Ennhada a fait une campagne à l’américaine, à l’occasion de l’élection de l’assemblée constitutuante, une question se pose: qui finance le parti islamique? Si l’opposition dénonce pour sa part une aide substantielle en provenance du Qatar, elle n’apporte pour autant aucune preuve. Aucune loi n’oblige les partis politiques à publier leurs comptes en Tunisie. En revanche, un décret-loi spécifie qu’aucun financement étranger n’est toléré. Pour l’heure, un seul et unique parti s’est fait épingler par l’Instance supérieure indépendante pour les élections (Isie): la Pétition populaire de Hechmi Hamdi, alors basé à Londres.
« Concrètement, on ne peut pas savoir si Ennahda est financé par le Qatar », précise Riadh Sidaoui, directeur du Centre arabe de recherches et d’analyses politiques et sociales. « La seule chose qui soit sûre est le soutien médiatique et humain apporté par l’émirat.» Ainsi, selon l’analyste, il ne fait aucun doute que « la rente pétrolière et la multiplication de chaînes de télévision – près de 150 chaînes font de la propagande islamique – ont rendu plus forts les mouvements islamiques ». Les indices ? La visite de l’émir du Qatar lors de l’anniversaire du départ de Ben Ali, le 14 janvier dernier. Autre signe, les récentes nominations de Rafik Ben Abdessalem, directeur du centre de recherches stratégiques rattaché à Al Jazeera, au poste de ministre des Affaires étrang » Par JULIE SCHNEIDER:
Le Point.fr – Publié le 10/02/2012 à 18:11 – Modifié le 11/02/2012 à 10:19
11- جورج لوكاتش: التاريخ والوعي الطبقيّ، ترجمة: الدكتور حنّا الشاعر، دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، ط2، 1982، ص 164.
12- سيّد قطب: في ظلال القرآن، مجلّد 1، دار الشروق، مصر، ط1، 1972، ص 15.
13- الإمام الشهيد حسن البنّا: مذكّرات الدعوة والداعية، مكتبة آفاق للنشر والتوزيع، الكويت، ط1، 2012، ص ص 50- 54.
14- راشد الغنوشي: الحريّات العامّة في الدولة الإسلاميّة، مركز دراسات الوحدة العربيّة، بيروت، 1993، ص ص 348- 349.
15- مارسيل غوشيه: الدين في الديمقراطيّة: مسار العلمنة، ترجمة: د. شفيق محسن، مراجعة: د. بسّام بركة، المنظّمة العربيّة للترجمة، مقدّمة المترجم، ط1، بيروت، 2007، ص 7.